وذكر عن عبد الله بن السائب قرأ النبي صلى الله عليه وسلم إلى آخره.
هذا التعليق أسنده (م) في (( صحيحه ) )، وقال بمكة شرفها الله. وعند (د) الشك من محمد بن عباد، وعند (ن) فلما بلغ ذكر عيسى وأمه أخذته سعلة أو قال شهقة وفي رواية شرقة، وعند الطبراني يوم الفتح.
و (( السعلة ) )بفتح السين كما قيده النووي في شرح (م) ، وقال ابن التين بفتح السين كذا رويناه، وروي بضمها.
وفي القطع وكذا ببعض السور، ولا خلاف في جوازه ولا كراهة فيه إن كان القطع لعذر، وكذا لغير عذر، لكنه خلاف الأولى، هذا مذهبنا ومذهب الجمهور، وبه قال مالك في رواية عنه، والمشهور عنه كراهته، وهو رواية عند الحنفية، والصحيح موافقتنا.
والسائب هذا هو عبد الله بن السائب بن أبي السائب صيفي بن عابد مخزومي قارئ مكة، له صحبة ما مات قبل ابن الزبير، وأسلم عام الفتح وكان شريك النبي صلى الله عليه وسلم فقال له عليه السلام (( نعم الشريك كنت؛ لا تداري ولا تماري ) )أو (( لا تشاري ولا تماري ) ).
ثم قال (خ) وقرأ عمر في الركعة الأول .. إلى آخره.
هذا التعليق ذكره ابن أبي شيبة في (( مصنفه ) )عن عبد الأعلى، عن الجريري. وسميت المثاني؛ لكونها قصرت عن المئين، وتزيد على المفصل، كأن المئين جعلت مبادئ، والتي تليها مثاني، ثم المفصل، وعن ابن مسعود وطلحة بن مصرف المئون إحدى عشرة سورة، والمثاني عشرون سنة.
وفي (( المحكم ) )المثاني من القرآن ما ثني مرة بعد مرة. وقيل فاتحة الكتاب. وقيل سور أولها البقرة، وآخرها براءة. وقيل القرآن العظيم كله. وعند الأزهري سمي القرآن العظيم كله مثاني؛ لأن القصص والأمثال ثنيت فيه.
ثم قال (خ) وقرأ الأحنف الكهف في الأولى .. إلى آخره.
هذا الأثر أخرجه أبو نعيم في (( مستخرجه ) )عن مخلد بن جعفر الفريابي وأخرجه ابن أبي شيبة أيضًا عن معتمر.
وفي (م) من حديث حذيفة أنه عليه السلام قرأ في صلاته بالنساء، ثم بآل عمران، وقال مالك لا بأس أن يقرأ بسورة قبل سورة، ولم يزل الأمر على ذلك من عمل الناس، وقراءة التي بعدها أحب إلينا، وفي (( شرح الهداية ) )هو مكروه، قال وعليه جمهور الفقهاء، منهم أحمد.
فائدة
ترتيب السور من ترتيبه عليه السلام، أو من اجتهاد المسلمين؟ قال ابن الباقلاني أصح القولين مع احتمالهما، وتأولوا النهي عن قراءة القرآن منكوسا على من يقرأ من آخر السورة إلى أولها، وأما ترتيب الآيات فلا خلاف أنه توقيف من الله على ما هي عليه الآن في المصحف. ثم قال (خ) وقرأ ابن مسعود بأربعين آية .. إلى آخره. ثم قال (خ) وقال عبيد الله، عن ثابت، عن أنس .. إلى آخره.
هذا التعليق أخرجه (ت) مسندًا بنحوه، ثم قال صحيح حسن غريب من حديث عبيد الله عن ثابت. والقصة مسندة في الصحيحين من حديث عائشة، وأنه كان يختم بـ {قل هو الله أحد} وذكر أبو موسى في (( الصحابة ) )أن هذا الرجل اسمه كلثوم بن الهدم بكسر الهاء وسكون الدال، وقال ابن بشكوال في (( مبهماته ) )هو قتادة بن النعمان الظفري.
واختلف في جمع السورتين في كل ركعة، فأجاز ذلك ابن عمر، وكان يقرأ بسورتين ص 992 في ركعة، وقرأ عثمان، وتميم الداري القرآن كله في ركعة، وكذا سعيد بن جبير. وعن ابن أبي شيبة كره أبو جعفر أن يقرن بين سورتين في ركعة، وقال مالك لا بأس أن يقرأ بسورتين وثلاث في ركعة، وسورة أحب إلينا، ولا يقرأ بسورة في ركعتين، فإن فعل أجزأه، وأجاز ذلك كله الكوفيون، وقال عطاء كل سورة يغطى حظها من الركوع والسجود.
وروي عن ابن عمر أنه قال إن الله فصل القرآن؛ لتعطى كل سورة حظها من الركوع والسجود، ولو شاء لأنزله جملة واحدة.
والقول الأول أشبه بالصواب لحديث ابن مسعود الآتي. وقد قال عليه السلام (( أفضل الصلاة طول القنوت ) )أي القيام، وهو حجة على من خالف ذلك، ودليل واضح أن الأفضل من الصلوات ما أطلت فيه القراءة، ولا يكون ذلك إلا بالجمع بين السور الكثيرة في ركعة، وقد فعل ذلك الصحابة والتابعون [1] .
وفي ابن أبي شيبة أن ابن عمر كان يقرأ في الركعة بعشر سور أو أقل، أو أكثر. ومن جهة النظر أنا رأينا فاتحة الكتاب تقرأ هي وسورة أخرى في ركعة، ولا بأس بذلك، فالنظر على أن يكون كذلك سائر السور، وعن معبد بن خالد صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسبع الطول في ركعة.
ثم ساق (خ) من حديث شعبة، ثنا عمرو بن مرة .. الحديث. قال البزار لا نعلم رواه عن عمرو إلا شعبة، قلت وهذا الحديث ساقه (م) أطول من ذلك من حديث أبي وائل.
وفي بعض طرق (خ) كما ستعلمه عشرون سورة من المفصل في تأليف عبد الله بن مسعود [2] آخرهن من الخواتيم الدخان، وعم يتساءلون، وفي أخرى له ثماني عشرة سورة من المفصل، وسورتين من آل حم.
وقد جاء بيان هذه السور في (د) الرحمن والنجم في ركعة، واقتربت والحاقة في ركعة، والطور والذاريات في ركعة، وإذا وقعت ونون في ركعة، وسأل سائل والنازعات في ركعة، وويل للمطففين وعبس في ركعة، وهل أتى ولا أقسم في ركعة، وعم يتساءلون والمرسلات في ركعة والدخان وإذا الشمس كورت في ركعة، وزاد في رواية ابن الأعرابي والمدثر والمزمل في ركعة.
والمفصل فيه أقوال عشرة أشهرها من الحجرات، وأبعد من قال المراد به القرآن كله؛ لأنه مفصل. والهذ بالمعجمة السرعة وشدة الاستعجال في القراءة.
قوله (( هذا ) )هو بتشديد الذال وتنوينها ونصبه على المصدر كما قاله الهروي ويقرن بضم الراء وكسرها.
والنظائر المماثلة في العدد والمراد هنا المتقاربة لأن الدخان ستون آية، وعم أربعون، ويجوز أن يكون أطلق ذلك، لاشتراك ما بينهما في الموعظة أو الحكم أو القصص أو للمقارنة، فإن القرين يقال له نظير.
قال المحب الطبري في (( أحكامه ) )وكنت أتخيل أن النظير بين هذه السور؛ لتساويها في عدد الآي حتى اعتبرتها فلم أجد شيئا منها يساوي شيئًا، وقد ذكرت نظائر في عدد الآي، أحد وعشرون نظيرًا عدد آياتها.
متساو الفاتحة الماعون، الأنفال الزمر، يوسف الإسراء، إبراهيم نون، الجاثية الحج الرحمن، القصص ص، الروم الذاريات، السجدة الملك الفجر، حم السجدة سبأ، فاطر ق، الفتح الحديد، الحجرات التغابن، المجادلة البروج، الجمعة المنافقون الضحى العاديات القارعة العاديات، الطلاق التحريمص 993 نوح الجن، المزمل المدثر، القيامة عم، الانفطار سبح العلق، ألم نشرح التين لم يكن الزلزلة ألهاكم، القدر الفيل تبت، الفلق، العصر والنصر، الكوثر، قريش.
والحديث دال على قراءة سورتين في ركعة، وحديث أنس دال على ترداد سورة واحدة في ركعتين، وقال مالك لا بأس به، وسئل مرة عن تكرير {قل هو الله أحد} في النافلة فكرهه وقال هذا مما أحدثوا. يريد في ركعة واحدة يكررها مرارًا، وحديث أنس وعائشة السالف حجة لمن أجاز تكرارها في الفريضة في كل ركعة؛ لأنه دخل الجنة لحبه إياها، قلت وفي (( المعرفة ) )للبيهقي أن الشافعي احتج في جواز الجمع بين السور بما رواه بإسناده عن ابن عمر، وبما رواه في موضع آخر عن عمر أنه قرأ النجم فسجد فيها، ثم قام فقرأ سورة أخرى.
قال الربيع قلت للشافعي أتستحب أنت هذا؟ قال نعم، وأفعله يعني الجمع بين السور وهذا نص غريب في ذلك، وحديث أنس وعائشة يدل له.
وإنكار ابن مسعود؛ لأنه مظنة عدم التدبر، وفي الحديث (( إن في كل حرف عشر حسنات ) )فإن تدبره كان أعظم لأجره إلى ما لا نهاية له من الإفضال.
وفيه دليل على أن صلاته عليه السلام بالليل كانت عشر ركعات ويوتر بواحدة، ووجه ذلك قوله لقد عرفت النظائر التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرن بينهن، فذكر عشرين سورة من المفصل، سورتين في كل ركعة.
قال والدي رحمه الله تعالى
قوله (( بالخواتيم ) )أي خواتيم السور أي أواخرها ومعنى السورة قبل سورة أن يجعل سورة متقدمة على الأخرى في ترتيب المصحف متأخرة عنها في القرآن، وهذا أعم من أن يكون في ركعة أو ركعتين. وقال مالك لا بأس أن يقرأ في الثانية بسورة قبل التي في الأولى، وقراءة التي بعدها أحب إلينا.
النواوي يقرأ على ترتيب المصاحف ويكره عكسه ولا تبطل به الصلاة.
قوله (( ويذكر ) )تعليق بصيغة التمريض.
قوله (( المؤمنون ) )أي سورة {قد أفلح المؤمنون} وذكر موسى هو قوله تعالى {ثم أرسلنا موسى وأخاه هارون} وذكر عيسى هو قوله {وجعلنا ابن مريم وأمه آية} ولفظ ذكر مرفوعًا ومنصوبًا.
و (( سعلة ) )بفتح السين وضمها و (( المثاني ) ).
الجوهري المثاني من القرآن ما كان أقل من المائتين وسمي فاتحة الكتاب مثاني لأنها تثنى في كل ركعة وقيل لأنه ثنى نزولها نزلت مرتين وسمي جميع القرآن مثاني لاقتران آية الرحمة بآية العذاب.
النواوي قال العلماء أول القرآن السبع الطوال ثم ذوات المئين وهن السور التي فيها مائة آية ونحوها ثم المثاني ثم المفصل.
التيمي المثاني ما لم يبلغ مائة آية وقيل المثاني عشرون سورة والمئون إحدى عشرة سورة، وقال أهل اللغة سميت مثاني لأنها ثنت المائين أي بعدها.
والمفصل من سورة القتال أو الفتح أو الحجرات أو قاف إلى آخر القرآن.
و (( يردد ) )يعني يكرر السورة بعينها في الركعة الثانية.
قوله (( عبيد الله ) )أي العمري و (( ثابت ) )أي البناني وهو تعليق بصيغة التصحيح و (( يقرأ ) )صفة لسورة و (( مما يقرأ ) )أي من الصلوات التي يقرأ القرآن فيها جهرًا و (( افتتح ) )جواب كلما فإن قلت إذا افتتح بالسورة فكيف يكون الافتتاح بقل هو الله أحد. قلت المراد إذا أراد الافتتاح بسورة الإخلاص.
قوله (( تجزئك ) )بفتح حرف المضارعة وفي بعضها بضمها و (( تدعها ) )أي تتركها وتقرأ بسورة أخرى غير {قل هو الله أحد} و (( الخبر ) )أي المعهود وهو ملازمته لقراءة السورة الإخلاصية. ص 994
قوله (( يأمرك به ) )هو إما قراءة الإخلاصية فقط وإما قراءة غيرها فقط.
فإن قلت كيف أطلق لفظ الأمر وليس ثمة لا علو ولا استعلاء. قلت الحق أنهما لا يشترطان في الأمر وحقيقته هو القول الطالب للفعل.
فإن قلت أين الأمر قلت هو لازم من التخيير المذكور.
و (( ما ) )استفهامية فـ (( ما يحملك ) )أي ما الباعث لك في التزام ما لا يلزم من قراءة الإخلاصية في كل ركعة.
و (( أدخلك ) )أي يدخلك وجاء بلفظ الماضي لأنه لما كان محقق الوقوع جعل كأنه واقع والسبب فيه أنه كان يحبه؛ لأنه صفة الله تعالى فهو يدل على حسن اعتقاده في الدين.
فإن قلت سأله رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المانع عن الفعل والحامل على اللزوم فهو جواب عنهما أو عن أحدهما. قلت جواب عن الثاني.
فإن قلت لم لا يكون عن الأول أيضًا. قلت لأنهم خيروه بين قراءته لها فقط وقراءة غيره فلا يصح أن يقول محبتي لها هو المانع من اختياري قراءتها فقط.
فإن قلت لم ما أجاب عن الأول. قلت لأنه يعلم منه وكأنه قال أقرأها لمحبتي لها وأقرأ سورة أخرى إقامة للسنة كما هو المعهود في الصلاة فالمانع مركب من المحبة وعهد الصلاة.
قوله (( هذا ) )كهذ الشعر بفتح الهاء وشدة المعجمة هو الإسراع في القراءة وهو منصوب بفعل مقدر وهو بهذ قالوا معناه أن الرجل لما أخبر بكثرة حفظه وقراءته قال له ابن مسعود ما يهذه هذا كهذ الشعر أي في يحفظه وروايته لا في إنشاده وترنمه لأنه يزيد في الإنشاد والترنم عادة.
وفيه النهي عن العجلة في القراءة والحث على الترتيل والتدبر.
قوله (( النظائر ) )أي السور التي هي متقاربة في الطول والقصر و (( يقرن ) )بضم الراء.
[1] في هامش المخطوط (( أقول في هذا النظر نظر لأن الكلام في ما عدا الفاتحة فإن الفاتحة فرض قراءتها وبمفردها باقية فلا يقاس غيرها عليها ) ).
[2] في هامش المخطوط (( قوله قال ابن مسعود للرجل اسمه نهيك بن سنان البجلي قاله الخطيب وابن بشكوال وفي(م) مصرح به يحرر بآخره )).