فيه ثلاثة أحاديث
1 حديث عائشة خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، الحديث، كما سلف في باب كيف تهل الحائض والنفساء.
2حديث نافع، أن ابن عمر دخل ابنه عبد الله بن عبد الله فذكر إيجابه، الحديث، وقد سلف أيضًا إلا الإحصار.
3حديثه أيضًا عن ابن عمر أنه أراد الحج عام نزل الحجاج، الحديث.
وأخرجه والذي قبله (م) ، وأسلفنا اختلاف العلماء في حكم طواف القارن، وأن الثلاثة قالوا يكفيه طواف واحد، وسعي واحد، وبه قال ابن عمر، وجابر خلافًا، لأصحاب الرأي.
وقال ابن بطال روي ذلك عن الشافعي أيضًا وهذا غريب عنه.
وقول ابن عمر (( إذن أصنع كما صنع رسول الله ) )ص 1647 يعني حين صد عام الحديبية فحلق، ونحر، وحل، ولم يعد ابن عمر، فقرن الحج إلى العمرة، وكان عمله لهما واحدًا، وطوافًا واحدًا.
قوله (( وأما الذين جمعوا بين الحج والعمرة فطافوا طوافًا واحدًا ) )روي أنهم طافوا طوافين، وسعوا سعيين، والأول أثبت، وعليه عوام العلماء، وقد سلف.
قوله (( وظهره في الدار ) )يعني بعيره.
قوله (( فقال إني لا آمن أن يكون العام بين الناس ) )قال ابن التين بعد أن ذكره بلفظ (( لا إيمن ) )أصله لا أمن بفتح الألف، فيكسروها؛ لأن الماضي على فعل بالكسر، والعرب تكسر مستقبل أول فعل، إلا أن يكون ياء، نحو أنت تعلم، وأنا إعهد، وإخاف ربي، وإخال كذا ولا يكسرون أول مستقبل فعل بالفتح، إلا أن يكون فيه حلق، فيقولون أنا إذهب، وإلحق، وهي لغة لتميم، وقيل إنه أمال، وفي بعض الكتب إني لا أيمن، بفتح الهمزة، ولا أعلم له وجهًا.
قوله في الحديث الثالث (( أشهدكم أني قد أوجبت عمرة ) )إلى أن قال (( حتى كان يوم النحر، ورأى .. إلى آخره ) )لعله يريد بطوافه الأول أنه لما قدم طاف وسعى مرة واحدة، وذلك الطواف ليس من أركان الحج ولا العمرة، وإنما هو طواف القدوم، وإنما الواجب لهما طواف الإفاضة الذي يفعله يوم النحر أو بعده.
ومخرج هذا الإشكال ما ذكره الداودي، قال يعني قضى طواف الحج والعمرة بطوافه الأول يعني الذي معه سعي.
قوله (( كذلك صنع رسول الله صلى الله عليه وسلم ) )يحتمل أنه يريد أنه قرن، ويحتمل أن يريد صنعنا كما صنعنا مع رسول الله.
قوله قبله (( ولم يزد على ذلك ) )يعني ولم يزد على السعي، ولكن طاف طواف الإفاضة.
وأما الصد المذكور في حديث ابن عمر، فاختلف العلماء هل المحصر في الآية الكريمة، بالعدو أو بالمرض؟ فمن قال بالأول احتج بذكر المرض فيه، فلو كان المحصر هو المحصر لمرض، لما كان لذكر المرض بعد ذلك فائدة، ومن قال بالثاني قال لا يقال أحصر في العدو، وإنما يقال حصره العدو، وأحصره المرض، وإنما ذكر المرض بعد ذلك؛ لأنه صنفان صنف محصر، وصنف غير محصر، وقال {فإذا أمنتم} [البقر196] أي من المرض، وعكس ذلك، فأحصر بالعدو، وحصر بالمرض؛ لأن العدو إنما عرض للإحصار، والمرض فاعله.
وعند الحنفية أن كل مانع يمنع المحرم من الوصول إلى الحرم لإتمام حج أو عمرة من خوف أو مرض أو سلطان فهو محصر؛ أي ممنوع، والإحصار لغة المنع.
وإليه ذهب ابن حزم حيث قال اختلف الصحابة فمن بعدهم في الإحصار، فروينا عن ابن عمر أنه قال لا إحصار إلا من عدو، وفي (م) لما أحصر رسول الله عن البيت، الحديث.
وقال إبراهيم النخعي الإحصار من الخوف والمرض والكسر، وقال عطاء من كل شيء يحبسه، وسيأتي في (خ) في بابه، وعن ابن عباس لا حصر إلا من حبس عدو.
وقد فرق قوم بين الإحصار والحصر، فروينا عن الكسائي أنه قال ما كان من المرض فإنه يقال فيه أحصر فهو محصر، وما كان من حبس قيل حصر.
وعن أبي عبيدة ما كان من مرض أو جهات [1] نفقة قيل فيه أحصر فهو محصر، وما كان من حبس قيل حصر، وبه قال أبو عبيد.
قال ابن حزم هذا لا معنى، وقول ربنا هو الحجة؛ قال تعالى {فإن أحصرتم} الآية [البقرة196] ، وإنما نزلت في الحديبية، إذ منعه الكفار من إتمام عمرته، فسماه تعالى إحصارًا، وكذلك قال البراء وابن عمر والنخعي، وهو في اللغة قول أبي عبيدة، وأبي عبيد، والكسائي، وقال تعالى {للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله} [البقرة273] فهذا هو منع العدو بلا شك؛ لأن المهاجر ص 1648 إنما منعهم في الأرض الكفار، وبين ذلك عز وجل بقوله {في سبيل الله} فصح أن الإحصار والحصر بمعنى واحد، وإنما اسمان يقعان على كل مانع من عدو أو مرض أو غير ذلك.
وقال الرماني في (( اشتقاقه ) )الأصل فيه الحبس، ومعنى {فإن أحصرتم} منعتم من علة أو عائق.
وذكر الزجاج في (( معانيه ) )أن الرواية عن أهل اللغة أنه يقال للذي يمنعه خوف أو مرض من التصرف أحصر فهو محصر، وللرجل الذي حبس حصر فهو محصور.
وفي (( نوادر اليزيدي ) )حصرني الشيء، وأحصرني حبسني، لغة بني أسد.
وقال أبو عبيدة، عن يونس حصرته وأحصرته لغتان، ولم نجد أحصرته.
وكان أبو عمرو بن العلاء يقول إذا حبسته عن الذهاب في كل وجه فقد حصرته، وإن حبسته عن التقدم خاصة فقد أحصرته.
وأبو حنيفة في جماعة إلى أن الإحصار يكون في العمرة أيضًا، وقال الشافعي ومالك وأحمد يذبح في العمرة هديه حيث أحصر، وعن أحمد في الحج روايتان الأولى تختص بيوم النحر، وعندنا إذا أمكنه ذبحه في الحرم لا يجوز ذبحه في الحل وبالعكس في أحد الوجهين، وأجمعوا أنه لو أحصر في الحرم لا يجوز ذبحه في الحل، وبالعكس ويجوز بلا خلاف.
وقال الزهري وعروة لا إحصار على أهل مكة، قال أبو يوسف إن غلب العدو وحال بينه وبين البيت فهو محصر، وذهب بعضهم إلى أنه لا إحصار اليوم؛ لزوال الشرك عن جزيرة العرب، وهذا شذوذ فإن العدو لم يزل، فإن حبسه السلطان تحلل عند الجماعة، خلافًا لمالك.
قال والدي رحمه الله تعالى
قوله (( فأهللنا بعمرة ) )أي أحرمنا بها.
فإن قلت سبق في باب التمتع أن عائشة قالت فمنا من أهل بعمرة ومنا من أهل بحجة ومنا من أهل بهما وفي مواضع متعددة أنها قالت كنا لا نرى إلا الحج فما وجه الجمع بين الروايات؟
قلت قالوا وجهه أنهم أحرموا بالحج ثم لما أمرهم بالفسخ إلى العمرة أحرم أكثرهم متمتعين، وبعضهم بسبب الهدي بقوا على ما كانوا عليه وبعضهم قارنين.
قوله (( قضينا حجنا ) )وذلك بعد أن طهرت وطافت بالبيت وأرسلها رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أخيها عبد الرحمن إلى التنعيم بفتح الفوقانية وبالنون وبالمهملة المكسورة وهو على ثلاثة أميال من مكة.
قوله (( مكان ) )قال التيمي هو أقرب المواقيت؛ لأنه أقرب الحل إلى الحرم ولفظ (( مكان ) )نصب على الظرف؛ أي بدل عمرتك وقيل إنما قال ذلك تطبيبًا لقلبها.
وفيه دليل على أن سفر المرأة من غير محرم غير جائز. قال ومعناه مكان عمرتك التي تركتها لأجل حيضتك وهذه عمرة مستحبة لا واجبة خلاف ما ذهب إليه أهل الرأي أن القارن يطوف طوافين ويسعى سعيين.
قوله (( طوافًا آخر ) )أي للحج؛ أي أحرموا بالحج بعد التحلل منها وطافوا له، وهو معنى التمتع، وأما القارنون فطافوا طوافًا واحدًا بعد الوقوف بعرفة وهذا دليل الشافعي حيث قال يكفي للقارن طواف واحد.
واعلم أنه وقع في النسخ (( طافوا ) )بدون الفاء وهو دليل جواز حذفه وإن صرح النحاة بلزوم ذكره.
وقال بعضهم لا يجوز حذف الفاء مستقلًا لكن يجوز حذفها مع القول كما في قوله تعالى {فأما [2] الذين اسودت وجوههم أكفرتم} [آل عمران106] ص 1649 تقديره فالمقول لهم هذا الكلام، فقال المالكي هذا الحديث وأخواته كقوله صلى الله عليه وسلم (( أما موسى كأني أنظر إليه ) )و (( أما بعد ما بال رجال يشترطون شروطًا ) )مخالف لهذه القاعدة فعلم أن من خصه بما إذا حذف القول معه فهو مقصر في فتواه عاجز عن نصرة دعواه.
قوله (( ظهره ) )أي ركابه وهي الإبل التي تركب والغرض منه أنه كان عازمًا مستوفزًا محضرًا مركوبه بعزم الركوب عليه.
قوله (( لا أيمن ) )بفتح الهمزة وكسرها وهي لغة، تقول اعلم أنا بكسر همزة المضارعة وفتحها و (( العام ) )بالنصب؛ أي في هذا العام و (( فلو أقمت ) )جزاؤه محذوف؛ أي لكان خيرًا أو هو للتمني.
قوله (( فإن حيل ) )يجوز في جزائه الرفع والجزم وفي بعضها (( يحل ) )بلفظ مجهول المضارع فالجزم في الجزاء واجب.
فإن قلت ما الذي فعله رسول الله؟ قلت تحلل في الحديبية حيث منعوه عن دخول مكة وقصته مشهورة.
قوله (( الحجاج ) )بفتح المهملة ابن يوسف الثقفي نزل في مكة ملتبسًا بعبد الله بن الزبير على وجه المقاتلة و (( قتال ) )مرفوع بأنه فاعل (( كائن [3] ) )ومنصوب بالتمييز أو على الاختصاص.
قوله (( إذن أصنع ) )بالنصب لا غير وإنما قال (( أشهدكم ) )ولم يكتف بالنية ليعلمهم من أراد الاقتداء به و (( البيداء ) )موضع بين مكة وبين المدينة قدام ذي الحليفة وهو في الأصل الأرض الملساء والمفازة.
قوله (( إلا واحد ) )بالرفع وفي بعضها بالنصب على مذهب يونس فإنه جوزه مستشهدًا بقوله
~وما الدهر إلا مجنونًا بأهله وما صاحب الحاجات إلا معذبًا
يعني حكمهما واحد في جواز التحلل منهما بالإحصار.
وفيه صحة القياس؛ لأنه قاس الحج على العمرة؛ لأن رسول الله إنما تحلل من العمرة وحدها في إحصار عام الحديبية.
قوله (( قديد ) )بضم القاف وفتح المهملة الأولى وسكون التحتانية ماء وسمي موضعه به (( ولم يزد على ذلك ) )إذ لم يجب عليه دم بارتكاب محظورات الإحرام ولفظ (( حتى ) )هو غاية للأفعال الأربعة (( وقضى ) )أي أدى.
فإن قلت ما المقصود من الطواف الأول إذ لا يجوز أن يراد به طواف القدوم؟ قلت يعني به أنه لم يكرر الطواف للقران بل اكتفى بطواف واحد.
و (( كذلك فعل ) )أي طاف طوافًا واحدًا وهذا دليل على أن رسول الله كان قارنًا.
الزركشي
قوله (( ثم لا يحل ) )بكسر الحاء ونصب اللام وضمها.
(( مكان عمرتك ) )بالرفع والنصب.
(( إني لا آمن ) )ويروى (( إيمن ) )وهي لغة في آمن، يقال علمت إعلم بكسر الهمزة.
(( أن يكون العام ) )بالنصب على الظرف، وكان تامة، وفاعلها (( قتال ) ).
[1] لعل الصواب (( ذهاب ) ).
[2] في المخطوط (( وأما ) ).
[3] في المخطوط (( كان ) ).