فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
قوله (( إذا شرب أحدكم فلا يتنفس في الإناء ) )إلى آخره هذا الحديث قد ذكره بعد وفي الأشربة أيضًا، وأخرجه (م) أيضًا وباقي الجماعة.
ورواته منهم أبو قتادة هو الحارث وقيل النعمان، وقيل عمرو بن ربعي بن بلذمة بن خناس بن سنان بن عبيد بن عدي بن غنم بن كعب بن سلمة بكسر اللام السلمي وبفتحها، ويجوز في لغة كسرها المدني فارس رسول الله صلى الله عليه وسلم شهد أحدًا والخندق وما بعدها، والمشهور أنه لم يشهد بدرًا. روي له مائة حديث وسبعون حديثًا، وانفرد (خ) بحديثين، و (م) بثمانية، واتففا على أحد عشر، ومناقبه جمة، مات بالمدينة وقيل بالكوفة سنة أربع وخمسين على أحد الأقوال عن سبعين سنة، ولا نعلم في الصحابة من يكنى بهذه الكنية سواه، وولده عبد الله هو أبو إبراهيم السلمي. روى عن أبيه، وعنه يحيى وغيره. مات سنة خمس وتسعين.
ومعاذ بن فضالة هو أبو زيد البصري، روى عن الثوري وغيره. وعنه (خ) وغيره.
والتنفس هو خروج النفس من الفم يقال تنفس الرجل وتنفس الصعداء، وكل ذي رئة يتنفس، وذوات الماء لا رئات لها، و (( التمسح ) )الاستنجاء، وهذا حديث جامع لآداب نبوية.
وفيه كراهة التنفس في الإناء.
ووجهه ما فيه من تقذير الماء والإناء بخروج شيء من الفم أو الأنف بالنفس، والماء من ألطف المشارب وأقبلها للتغير بالريح، والتنفس خارجه أحسن في الأدب وأبعد عن الشره وأخف للمعدة، وإذا تنفس فيه تكاثر الماء في حلقه وأثقل معدته، وربما شرق وآذى كبده، وهو فعل البهائم. وقد قيل إن في القلب بابين يدخل النفس من أحدهما ويخرج من الآخر (( فنقى ) )ما على القلب من هم أو قذى، ولذلك لو حبس النفس ساعة هلك الآدمي، فكره التنفس في الإناء خشية أن يصحبه شيء مما في القلب فيقع في الماء ثم يشربه فقد يتأذى به.
وقيل علة الكراهة أن كل عبة شربة مستأنفة فيستحب الذكر في أولها والحمد في آخرها وإذا وصل ولم يفصل بينهما فقد أخل بعدة سنن، والإبانة هنا مطلقة وثبت في الحديث الآخر موصوفة بالتثليث.
واختلف العلماء في أي هذه الأنفاس الثلاثة أطول على قولين أحدهما الأول. والثاني أن الأولى أقصر، والثانية أزيد منها، ص 460 والثالثة أزيد منها؛ فيجمع بين السنة والطب؛ لأنه إذا شرب قليلًا قليلًا وصل إلى جوفه من غير إزعاج، ولهذا جاء في الحديث (( مصوا الماء مصا ولا تغبوه غبا فإنه أهنأ وأمرأ وأبرأ ) ).
ولا يختص النهي المذكور بالشرب، بل الطعام مثله فيكره النفخ فيه، والتنفس في معنى النفخ. وفي (ت) مصححًا عن أبي سعيد الخدري أنه عليه السلام نهى عن النفخ في الشراب فقال رجل القذاة أراها في الإناء؟ فقال (( أهرقها ) ). قال [1] فإني لا أروى من نفس واحد. قال (( فأبن القدح إذًا عن فيك ) ).
وأما حديث أنس الثابت في الصحيحين أنه صلى الله عليه وسلم كان يتنفس في الشراب ثلاثًا. فمعناه خارج الإناء، أو فعله بيانًا للجواز، أو النهي خاص بغيره؛ لأن ما يتقذر من غيره يستطاب منه [2] .
وفيه جواز الشرب من نفس واحد؛ لأنه إنما نهى عن التنفس في الإناء، والذي شرب في نفس واحد لم يتنفس فيه، فلا يكون مخالفًا للنهي، وكرهه جماعة وقالوا هو شرب الشيطان. وفي (ت) من حديث ابن عباس مرفوعًا (( لا تشربوا واحدًا كشرب البعير، ولكن اشربوا مثنى وثلاثًا، وسموا إذا أنتم شربتم، واحمدوا إذا أنتم رفعتم ) ).
وفيه النهي عن مس الذكر باليمين، وذلك لاحترامها وصيانتها. وهذا النهي للتنزيه عند الجمهور خلافًا للظاهرية حيث حرموا مس الإنسان ذكره فقط.
وفيه النهي عن الاستنجاء باليمين وخالف بعض الظاهرية فقال لا يحرم الاستنجاء به، وهو وجه لأصحاب أحمد، وحكاه ابن بطال عن بعض الشافعية أيضًا، والذي قاله بعض الشافعية كصاحب (( المهذب ) )وغيره التحريم فقط.
وعن مالك أنه يسيء ويجزئه. ومن العلماء من خص النهي عن مس الذكر باليمين بحالة البول آخذًا بالرواية الأخرى الآتية في تقييدها بذلك.
فرع إذا استنجى بالماء صبه بيمينه ومسح بيساره، وإذا استنجى بالحجر أمسك ذكره بيساره والحجر بيمينه وحرك اليسار ليخرج من النهيين.
وإذا كان في يده خاتم فيه اسم الله تعالى لا يستنجى وهو في يده؛ لأنه إذا نزهت اليمنى عن ذلك، فذكر الله أولى وأعظم.
قال والدي رحمه الله تعالى
قوله (( فلا يتنفس ) )وفلا يمس ولا يتمسح بصيغة النهي في الألفاظ الثلاثة وفي بعضها بصيغة النفي. (( ولا يتمسح ) )أي لا يستنجي, قال الخطابي وأما نهيه عن مس الذكر بيمينه فهو تنزيه لها عن مباشرة العضو الذي يكون منه الأذى والحدث، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يجعل يمناه لطعامه وشرابه ولباسه مصونة عن مباشرة التفل ومماسة الأعضاء التي هي مجاري الأثقال والنجاسات ويسراه لخدمة أسافل بطنه وإماطة ما هنالك من القاذورات وتنظيف ما يحدث فيها من الأدناس وكذلك الأمر في نهيه عن الاستنجاء باليمين إنما هو تنزيه لها وصيانة لقدرها عن مباشرة ذلك الفعل وهو نهي تأديب، وقال بعضهم إذا استنجى بيمينه لم يجزه.
فإن قلت هنا شبهة وهي أنه إذا كان مس الذكر باليمين والاستنجاء بها منهيين، وقد يحتاج البائل في بعض الأحوال أن يتأنى لمعالجة ذلك وأن يرفق به وذلك إذا لم يجد حجرًا ضخمًا لا يزول عن المكان مثلًا فكيف حكمه، فإنه إن أمسك ذكره بشماله احتاج إلى أن يستنجي بيمينه وإن أمسكه بيمينه استنجى بشماله فقد دخل في النهي. قلت يلصق مقعده بالأرض ويمسك الممسوح بين عقبيه ويتناول عضوه ص 461 فسأله فيمسحه به وينزه عنه يمينه ليخرج به عن النهي في الوجهين معًا.
قال وسمعت ابن أبي هريرة يقول حضرت مجلس المحاملي، وقد حضر شيخ من أهل أصبهان نبيل الهيئة قدم أيام الموسم حاجًا فأقبلت عليه وسألته عن مسألة من الطهارة فقال مثلي يسأل عنها فقلت لا والله إن سألتك إلا عن الاستنجاء نفسه فألقيت عليه هذه المسألة فبقي متحيرًا لا يحسن الخروج منها إلى أن فهمته.
الطيبي وأقول النهي بمسح اليمين مختص بالدبر ونهي المس مختص بالقبل فيعلم منه أنه إذا أخذ الحجر باليمين ومسح ذكره بشماله عليه لم يذكره فلا شبهة ولا إشكال فيه.
[1] قال مكررة في المخطوط.
[2] في هامش المخطوط أقول ويؤيده قصته يتتبع الدباء من حوالي القصعة وقد أمر أن يأكل كل مما يليه فيقال فيه ما قيل في هذا.