فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
قوله إن أمتي يدعون يوم القيامة الحديث. هذا الحديث أخرجه (م) أيضًا في الطهارة.
وسلف التعريف رواته خلا ثلاثة
1 أبو عبد الله نعيم بن عبد الله، وقيل محمد المدني العدوي مولى آل عمر المجمر بتخفيف الميم، ويقال بتشديدها، كان يبخر المسجد، وقيل إن أباه كان يأخذ المجمر قدام عمر بن الخطاب إذا خرج إلى الصلاة في رمضان، وبه جزم ابن حبان في (( ثقاته ) ).
وجزم النووي في (( شرح م ) )بأن المجمر صفة لعبد الله، وتطلق على ابنه نعيم مجازًا، قال ذلك مع جزمه أولًا بأن نعيمًا هو الذي كان يبخر المسجد، فتأمله.
روي عن أبي هريرة، وجابر وغيرهما، وعنه ابنه محمد ومالك وجماعة. وثقه أبو حاتم، وجالس أبا هريرة عشرين سنة.
في الصحابة نعيم بن عبد الله النحام، وفيهم نعيم جماعة بدون ابن عبد الله.
2 سعيد بن أبي هلال الليثي، مولاهم أبو العلاء المدني، روى عن نافع ونعيم وجماعة، وعنه الليث بن سعد وغيره، مات سنة خمس وثلاثين ص 436 ومائة.
3 خالد وهو ابن يزيد، أبو عبد الرحيم المصري، الفقيه، روى عن عطاء والزهري، وعنه الليث وغيره، ثقة مات سنة تسع وثلاثين ومائة.
وفي إسناده لطيفة وهي أن النصف الأول من إسناده مصريون، والنصف الثاني مدنيون، وجميع رجاله من فرسان الصحيح وباقي الستة إلا يحيى بن بكير فإنه من رجال (خ، م، ق) .
هذا الحديث رواه مع أبي هريرة سبعة من الصحابة، ذكرهم ابن منده في (( مستخرجه ) )ابن مسعود، وجابر بن عبد الله، وأبو سعيد الخدري، وأبو أمامة الباهلي، وأبو ذر الغفاري، وعبد الله بن بسر المازني، وحذيفة بن اليمان.
قوله (( رقيت ) )بكسر القاف؛ أي صعدت، هذه اللغة الصحيحة، وحكى صاحب (( المطالع ) )فتح القاف من غير همز ومعه، فحصل ثلاث لغات.
وهذا من الرقي، وأما من الرقية فرقيت بالفتح.
والأمة تطلق بإزاء أمور، والمراد هنا أتباعه عليه السلام جعلنا الله منهم.
قوله (( يوم ) )من الأسماء الشاذة لوقوع الفاء والعين فيه حرفي علة، فهو من باب ويل وويح. و (( القيامة ) )فعالة من قام يقوم أصله القوامة، فقلبت الواو ياء؛ لانكسار ما قبلها.
قوله (( غرا محجلين ) )هما منصوبان على الحال من الضمير في (( يدعون ) )وهو الواو، والأصل يدعوون، تحركت الواو الأولى وانفتح ما قبلها، قلبت ألفًا اجتمع ساكنان الألف والواو، فحذفت الألف لالتقاء الساكنين فصار يدعون، والله أعلم يدعون إلى موقف الحساب أو إلى الميزان أو إلى غير ذلك.
قال الشيخ تقي الدين القشيري في (( شرح العمدة ) )ويحتمل أيضًا أن يكون مفعولًا لـ (( يدعون ) )بمعنى التسمية، أي يسمون غرا، قال والحال أقرب، وتعدى يدعون بالحرف.
والغرة بياض في جبهة الفرس، والتحجيل بياض في يديها ورجليها، فسمي النور الذي يكون على مواضع الوضوء يوم القيامة غرا وتحجيلًا تشبيهًا.
قال ابن سيده الغرة بياض في الجبهة، فرس أغر وغراء، وقيل الأغر من الخيل الذي غرته أكبر من الدرهم، قد وسطت جبهته، ولم تصب واحدة من العينين ولم تمل على واحدة من الخدين، ولم تسل سفلى، وهي أفشى من القرحة. وقال بعضهم بل يقال للأغر أقرح.
والأغر الأبيض من كل شيء، وقد غر وجهه يغر بالفتح غررة وغرة، وغرار، صار ذا غرة.
قال والتحجيل بياض يكون في قوائم الفرس كلها، وقيل هو أن يكون البياض في ثلاث قوائم منهن دون الأخرى في رجل ويدين، ولا يكون التحجيل في اليدين خاصة إلا مع الرجلين، ولا في يد واحدة دون الأخرى إلا مع الرجلين، والتحجيل بياض قل أو كثر حتى يبلغ نصف الوصيف، ويكون سائره كما كان.
والمراد بالغرة غسل شيء من مقدم الرأس وما يجاوز الوجه زائدًا على الجزء الذي يجب غسله؛ لاستيعاب كمال الوجه، وفي التحجيل غسل ما فوق المرفقين والكعبين.
وادعى ابن بطال ثم القاضي عياض ثم ابن التين اتفاق العلماء على أنه لا تستحب الزيادة فوق المرفق والكعب، وهي دعوى باطلة، فقد ثبت ذلك عن فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي هريرة، وعمل العلماء وفتواهم عليه، فهم محجوجون بالإجماع.
واحتجاجهم بالحديث السالف (( من زاد على هذا أو نقص فقد أساء وظلم ) )لا يصح، لأن المراد به الزيادة في عدد المرات، أو النقص عن الواجب، أو الثواب المرتب على نقص العدد لا الزيادة على تطويل الغرة والتحجيل، وأما حد الزائد فغايته استيعاب العضد والساق. ص 437
وقال جماعة من أصحابنا يستحب إلى نصفها، وقال البغوي نصف العضد فما فوق، ونصف الساق فما فوق. وحاصلها ثلاثة أوجه
1 أنه تستحب الزيادة فوق المرفقين والكعبين من غير توقيت.
و 2 إلى نصف العضد والساق.
و 3 إلى المنكب والركبتين، قال والأحاديث تقتضي ذلك كله.
ومن أوهام ابن بطال والقاضي إنكارهما على أبي هريرة بلوغه الماء إبطيه وأن أحدًا لم يتابعه عليه [1] ، فقال به القاضي حسين وآخرون من أصحابنا أيضًا. وفي (( مصنف ابن أبي شيبة ) )بسنده عن ابن عمر أنه كان ربما بلغ بالوضوء إبطه في الصيف.
قوله (( من آثار الوضوء ) )هو بضم الواو، ويجوز فتحها، فإن الغرة والتحجيل نشأ عن الفعل بالماء، فيجوز أن ينسب إلى كل منهما.
قوله (( فمن استطاع ... ) )إلى آخره اقتصر فيه على ذكر الغرة دون التحجيل، وإن ذكر معها في رواية أخرى في (( الصحيح ) )للعلم به، فهو من باب قوله تعالى {سرابيل تقيكم الحر} [النحل81] ولم يذكر البرد للعلم به.
قال القشيري كأن ذلك من باب التغليب بالذكر لأحد الشيئين على الآخر، وإن كانا لسبيل واحد للترغيب فيه، وقد استعمل الفقهاء ذلك فقالوا يستحب تطويل الغرة، ومرادهم الغرة والتحجيل.
وهذا ليس تغليبًا حقيقيا إذ لم يؤت فيه إلا بأحد الاسمين، والتغليب اجتماع الاسمين أو الأسماء وتغليب أحدهما على الآخر نحو القمرين، والعمرين.
ثم القاعدة في التغليب أن يغلب المذكر على المؤنث لا بالعكس، والأمر هنا بالعكس لتأنيث الغرة وتذكير التحجيل.
ويجاب أيضًا بأنها خصت بالذكر؛ لأن محلها أشرف أعضاء الوضوء، ولأنه أول ما يقع عليه البصر يوم القيامة.
ونقل ابن بطال عن بعضهم أنه كنى بالغرة عن التحجيل معللًا بأن الوجه لا سبيل إلى الزيادة في غسله، وهذا غريب.
رأيت في بعض الشروح لهذا الحديث ادعى أن قوله (( فمن استطاع ... ) )إلى آخره من قول أبي هريرة أدرجه آخر الحديث، وفي هذه الدعوى بعد ثم رأيت في (( مسند أحمد ) )قال نعيم المجمر قوله (( فمن استطاع ... ) )إلى آخره لا أدري هو من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم أو قول أبي هريرة.
استدل جماعة من العلماء بهذا الحديث على أن الوضوء من خصائص هذه الأمة، وبه جزم الحليمي في (( منهاجه ) )، وفي (( الصحيح ) ) (( لكم سيماء ليست لأحد من الأمم، تردون علي غرا محجلين من أثر الوضوء ) ).
وقال آخرون ليس مختصا بها، وإنما اختصت به الغرة والتحجيل، وادعى أنه المشهور من قول العلماء، واحتجوا بالحديث الآخر (( هذا وضوئي ووضوء الأنبياء من قبلي ) ).
وأجاب الأولون عن هذا بوجهين
1 أنه حديث ضعيف.
2 أنه لو صح لاحتمل اختصاص الأنبياء دون أممهم بخلاف هذه الأمة.
وفيه شرف عظيم لهم، حيث استووا مع الأنبياء في هذه الخصوصية، وامتازت بالغرة والتحجيل، لكن سيأتي في حديث جريج في موضعه أنه توضأ وصلى [2] . وفيه دلالة على أنه كان مشروعًا لهم، وعلى هذا فيكون خاصية هذه الأمة الغرة والتحجيل الناشئين عن الوضوء لا الوضوء.
ونقل الزناتي المالكي شارح (( الرسالة ) )عن العلماء أن الغرة والتحجيل حكم ثابت لهذه الأمة، من توضأ منهم ومن لم يتوضأ.
كما قالوا لا يكفر أحدًا من أهل القبلة بذنب، إن أهل القبلة كل من آمن به من أمته سواء صلى أو لم يصل، وهذا نقل غريب، وظاهر الأحاديث يقتضي خصوصية ذلك بمن توضأ منهم.
وقد استوفى صلى الله عليه وسلم بذكر الغرة والتحجيل جميع أعضاء الوضوء، فإن الغرة بياض في الوجه، والرأس داخلة في مسماها. والتحجيل بياض في اليدين والرجلين.
وفيه ما أعد الله من الفضل والكرامة لأهل الوضوء يوم ص 438 القيامة.
وفيه ما أطلع الله نبيه صلى الله عليه وسلم من المغيبات التي لم يطلع عليها نبيا غيره من أمور الآخرة.
وفيه أيضًا جواز الوضوء على ظهر المسجد، وهو من باب الوضوء في المسجد، وكرهه قوم وأجازه الأكثرون. وفيه قبول خبر الواحد.
قال والدي رحمه الله تعالى
قوله (( والغر المحجلين ) )وفي بعضها (( المحجلون ) )بالرفع، ووجهه أنه يكون الغر مبتدأ وخبره محذوفًا؛ أي مفضلون على غيرهم ونحوه، أو يكون من آثار الوضوء خبره؛ أي الغر المحجلون منشؤهم أثار الوضوء والباب مضاف إلى الجملة؛ أي باب فضل الوضوء وباب هذه الجملة، ويحتمل أن يكون مرفوعًا على سبيل الحكاية ما ورد هكذا (( أمتي الغر المحجلون من آثار الوضوء ) ).
قوله (( رقيت ) )بكسر القاف؛ أي صعدت، وحكى صاحب (( المطالع ) )فتح القاف بالهمز وبدون الهمز، والمسجد؛ أي مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وتوضأ وقال استئنافان كأن قائلًا قال ماذا فعل؟ قال توضأ، ثم قال ماذا قال؟ فقال قال ولهذا لم يذكر فيهما واو العطف، وفي بعضها (( وتوضأ ) )بالواو ويقول بلفظ المضارع استحضارًا للصورة الماضية أو حكاية عنها، وإلا فالأصل قال بلفظ الماضي، والأمة الجماعة وهو في اللفظ واحد وفي المعنى جمع، وأمة محمد صلى الله عليه وسلم يطلق على معنيين أمة الدعوة وهي من بعث إليهم النبي صلى الله عليه وسلم، وأمة الإجابة وهي من صدقه وآمن به وهذه هو المراد منها.
و (( يدعون ) )إما من الدعاء بمعنى البناء، وإما من الدعاء بمعنى التسمية نحو دعوت ابني زيدًا؛ أي سميته به.
قوله (( فليفعل ) )أي فليفعل الإطالة. فإن قلت ما فائدة العدول عن الأصل وهو فليطل الغرة. قلت الاختصار والاحتراز عن التكرار والإشعار بأن أصل هذا الفعل مهتم به.
الزركشي
باب فضل الوضوء والغر المحجلون كذا الرواية باب فضل بالإضافة، والغر المحجلون بالرفع وإنما قطع عما قبله لأنه ليس من جملة الترجمة.
قوله (( من آثار الوضوء ) )بضم الواو، وجوز ابن دقيق العيد الفتح على أنه الماء، وجوز في من أن تكون للسبيبة ولابتداء الغاية غرًا محجلين فيه وجهان
أحدهما أنه مفعول ليدعون على تضمنة يسمون.
وثانيهما حال أي يدعون إلى يوم القيامة وهم بهذه الصفة فيتعدى يدعون في المعنى بالحرف كقوله {يدعون إلى كتاب الله} [آل عمران23] .
وقال ابن عمر إسباغ الوضوء الإنقاء المعروف في اللغة أن الإسباغ الإتمام والشمول، ومنه درع سابغة لكن يلزم من ذلك الإنقاء فكأنه فسر الشيء بلازمه.
[1] في هامش المخطوط أقول معناه أي من الصحابة.
[2] في هامش المخطوط أقول وسيجيء من حديث سارة (( لما أخذها الملك الغاشم من إبراهيم ذهبت توضأ وتصلي ) )الحديث.