فهرس الكتاب

الصفحة 370 من 3844

فيه حديث صالح بن كيسان، عن ابن عمر (( إذا اشتد الحر .. إلى آخره ) ).

وحديث أبي هريرة (( اشتكت النار ... ) )إلى آخره.

وحديث أبي ذر أذن مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم ... إلى آخره.

وحديث أبي سعيد (( أبردوا بالظهر ... ) )إلى آخره.

وحديث أبي هريرة أخرجه (م) أيضًا. وحديث ابن عمر أخرجه (ق) . وحديث أبي ذر أخرجه أيضًا (د، ت) . وحديث أبي سعيد من أفراده. ومتابعة سفيان خرجها (خ) في صفة الصلاة.

قوله (( اشتد ) )هو افتعل من الشدة والقوة، أي إذا قوي الحر. و (( أبردوا ) )أي افعلوها في وقت البرد، وهو الزمان الذي يتبين فيه شدة انكسار الحر؛ لأن شدة الحر تذهب الخشوع.

قال ابن التين (( أبردوا ) )أي افعلوا في وقت الإبراد، مثل أظلم دخل في الظلام، وأمسى دخل في المساء، وهذا بخلاف (( الحمى من فيح جهنم، فأبردوها عنكم ) )، تقرأ بوصل الألف ص 839 لأنه ثلاثي؛ أي من برد.

قوله (( عن الصلاة ) )قيل عن بمعنى في هنا، وفي بعض طرقه (( أبردوا بالصلاة ) ). وعن تأتي بمعنى الباء، يقال رميت عن القوس، أي به كما تأتي الباء بمعنى عن في قوله تعالى {الرحمن فاسأل به خبيرا} [الفرقان59] ، أي عنه، ومنع بعض أئمة اللغة رميت بالقوس، ونقل جماعة جوازه.

وقيل زائدة، أي أبردوا الصلاة. يقال أبرد الرجل كذا إذا فعله في وقت النهار.

و (( فيح ) )بفتح الفاء وإسكان الياء ثم مهملة، وروي بالواو، ومعناه أن شدة الحر وغليانه يشبه نار جهنم فاحذروه.

قال ابن شيبة فاح الحر يفيح فيحا سطع وهاج، وكذا فوحه.

الجوهري يقال فاح الطيب إذا تضوع ولا يقال فاحت ريح خبيثة، كذا قال.

والحر والحرور الوهج ليلًا كان أو نهارًا، بخلاف السموم فإنه لا يكون إلا نهارًا، ويحتمل كما قال القاضي أن يكون الحرور أشد من الحر، كما أن الزمهرير أشد من البرد.

و (( جهنم ) )مأخوذة من قول العرب بئر جهنام، إذا كانت بعيدة القعر، وهذا الاسم للطبقة العليا ويستعمل في غيرها.

والذي يقتضيه مذهب أهل السنة، وظاهر الحديث أن شدة الحر من فيح جهنم حقيقة لا استعارة وتشبيها، فإنها مخلوقة موجودة.

والإبراد، إنما يشرع في الظهر بشروط كثيرة في كتب الفقه.

وظاهر الحديث فيها اشتراط شدة الحر فقط، وانفرد أشهب فقال يبرد بالعصر أيضًا.

وقال أحمد تؤخر العشاء في الصيف دون الشتاء.

وظاهر الحديث عدم الإبراد في الشتاء وخالف مالك في ذلك.

وعن أبي حنيفة والكوفيين وأحمد وإسحاق يؤخرها حتى يبرد بها.

وقال ابن العربي في (( قبسه ) )ليس للإبراد تحديد في الشريعة، إلا ما ورد في حديث ابن مسعود في (ن) أنه كان يصلي الظهر في الصيف في الثلاثة أقدام إلى الأربعة الأقدام، وفي الشتاء خمسة أقدام إلى ستة أقدام. وذلك بعد طرح ظل الزوال.

واختلف في الإبراد بالصلاة فمنهم من لم يره، وتأول الحديث على إيقاعها في برد الوقت، وهو أوله، والجمهور من الصحابة والعلماء على القول به.

ثم اختلف فقيل إنه عزيمة، واختلف عليه. فقيل سنة، وهو الأصح. وقيل واجب تعويلا على صيغة الأمر. وقيل رخصة، ونص عليه في البويطي، والأحاديث الدالة على التعجيل، وفضيلته عامة أو مطلقة وهذا خاص، فلا منافاة مع صيغة الأمر ومناسبة العلة، يقول من قال التعجيل أفضل؛ لأنه أكثر مشقة.

واختلف في الإبراد بالجمعة على وجهين لأصحابنا أصحهما عند جمهورهم لا يشرع، وهو مشهور مذهب مالك أيضًا، فإن التبكير سنة فيها. وقال بعضهم يشرع؛ لأن الصلاة في الحديث يطلق على الظهر والجمعة، والتعليل مستمر فيها.

وهو رأي (خ) كما ستعلمه في بابه. ثم ساق حديث أنس كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا اشتد الحر أبرد بالصلاة. يعني الجمعة.

والجواب عن تعليل الجمهور بأنه قد يحصل التأذي بحر المسجد عند انتظار الإمام، لكن قد ثبت في (( الصحيح ) )أنهم كانوا يرجعون من صلاة الجمعة وليس للحيطان ظل يستظلون به من شدة التبكير لها أول الوقت، فدل على عدم الإبراد.

والمراد بالصلاة هنا الظهر، كما ساقه (خ) من حديث أبي سعيد.

وعورض هذا الحديث بحديث خباب في (م) شكونا إلى النبي صلى الله عليه وسلم حر الرمضاء فلم يشكنا.

وأجيب بوجوه

1 بالنسخ، فإنه كان بمكة وحديث الإبراد بالمدينة.

2 حمله على الأفضل، ص 840 وحمل حديث الإبراد على الرخصة.

3 أن الإبراد سنة للأمر به والتعليل، من حديث خباب على أنهم طلبوا تأخيرًا زائدًا على قدر الإبراد، وهو المختار.

قوله في حديث أبي ذر أذن مؤذن النبي صلى الله عليه وسلم. جاء في بعض طرقه أذن بلال. أخرجه أبو عوانة.

وذكر (خ) في الباب بعده فأراد المؤذن أن يؤذن الظهر، فقال (( أبرد ) )الحديث. قال البيهقي في هذا كالدلالة على أن الأمر بالإبراد كان قبل التأذين.

والتلول جمع تل، وهو كل بارز على وجه الأرض من تراب أو رمل. ولا يصير لها فيء عادة إلا بعد الزوال بكثير، وأما الظل فيطلق على ما قبله أيضًا.

وظل التلول لا يظهر إلا بعد تمكن الفيء واستطالته جدًا، بخلاف الأشياء المنتصبة التي يظهر ظلها سريعًا.

وشكوى النار يحتمل أن تكون بلسان الحال، وأن تكون بلسان القال، عندما يخلق الرب فيها ذلك، وإذا خلق لهدهد سليمان ما خلق من العلم والإدراك كما أخبر الله تعالى في كتابه كان جائزًا في غيرها.

قال الله عنها {وتقول هل من مزيد} [ق30] {أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء} ، ويقال إنها والجنة أشجع مخلوقاته، وورد أن الجنة إذا سألها عبد أمنت على دعائه، وكذا النار، ولا منافاة في الجمع بين الحر والبرد في النار؛ لأن النار عبارة عن جهنم، وفي بعض زواياها نار، وفي أخرى الزمهرير [1] .

وقولها (( أكل بعضي بعضا ) )هو من شدتها كادت تحرق نفسها. قال ابن عباس خلق الله تعالى النار على أربعة أقسام فنار تأكل وتشرب، ونار لا تأكل ولا تشرب، ونار تشرب ولا تأكل، ونار عكسه. فالأولى التي خلقت منها الملائكة. والثانية التي في الحجارة، وقيل التي رجعت لموسى عليه السلام ليلة المناجاة. الثالثة التي في البحر، وقيل التي خلقت منها الشمس. والرابعة نار الدنيا ونار جهنم تأكل لحومهم وعظامهم، ولا تشرب دموعهم ولا دماءهم بل يسيل ذلك إلى عين الخبال، فيشرب ذلك أهل النار.

وأخبر الشارع أن عصارة أهل النار شراب من مات مصرًا على شرب الخمر. نقل ذلك ابن بزيزة، والله أعلم بصحته، والذي في (( الصحيح ) )أن نار الدنيا خلقت من نار جهنم.

قال ابن عباس ضربت بالماء سبعين مرة، ولولا ذلك ما انتفع بها الخلق، وإنما خلقها الله؛ لأنها من تمام الدنيوية، وفيها تذكرة لنار الآخرة.

فائدة الزمهرير قيل هو شدة البرد، ويطلق على القمر أيضًا، قيل في قوله {لا يرون فيها شمسا ولا زمهريرا} [الإنسان13] ، أنه القمر؛ لأنهما عبدا من دون الله، وورد أنهما يكوران في النار وهو ضعيف.

قوله (( بنفسين ) )النفس بفتح النون والفاء واحد الأنفاس.

قال والدي رحمه الله تعالى

قال الزمخشري في الفائق حقيقة الإبراد الدخول في البرد والباء للتعدية، والمعنى إدخال الصلاة في البرد.

قوله (( ونافع ) )عطف على الأعرج (( وأنهما ) )أي أبا هريرة وابن عمر.

(( وجهنم ) )اسم لنار الآخرة وهي أعجمية لا تنصرف للتأنيث والعجمة وقيل عربية ولم تصرف للتعريف والتأنيث.

قوله (( عن الصلاة ) )فإن قلت ما الفرق بينه وبين ما تقدم وهو أبردوا بالصلاة. قلت الباء هو الأصل, وأما عن ففيه تضمن معنى التأخر أي تأخروا عنها مبردين وقيل هما بمعنى واحد.

قوله (( حتى رأينا ) )فإن قلت حتى للغاية فما المغيا لها. قلت متعلق بقال أي كان يقول إلى زمان الرؤية أبرد مرة بعد أخرى أو بالإبراد أي أبرد إلى أن ترى الفيء والنظر إليه ص 841 أو بقيد نحو أخرنا والفيء هو ما بعد الزوال من الظل، وسمي به لرجوعه من جانب إلى جانب.

وقال ابن السكيت الظل ما نسخت الشمس والفيء ما نسخ الشمس. وقيل الفيء لا يكون إلا بعد الزوال وأما الظل فيطلق على ما قبل الزوال وبعده وفي بعضها فيء بتشديد الياء الحاصل من الإدغام.

فإن قلت لابد من حصول الفيء في تحقيق وقت الظهر. قبيل رؤية الفيء ما دخل وقت الظهر فكيف إذن المؤذن للصلاة؟

قال محيي السنة الشمس في مثل مكة ونواحيها إذا استوت فوق الكعبة في أطول يوم من السنة لم ير لشيء من جوانبها ظل، فإذا زالت ظهر الفيء قدر الشراك من جانب الشرق وهو أول وقت الظهر.

قوله (( اشتكت ) )فإن قلت إسناد الاشتكاء إلى النار والأكل والتنفس هل هو مجاز أو حقيقة. قلت اختلف فقال بعضهم هو على ظاهره وجعل الله فيها إدراكًا وتمييزًا بحيث تكلمت به، وهو الصواب إذ لا منع من حمله على حقيقته فوجب الحكم به، وقيل ليس على ظاهره بل هو على وجه التشبيه.

قوله (( أشد ) )بالجر بدلًا أو بيانًا وفي بعضها بالرفع أي هو أشد محذوف المبتدأ.

(( أو أشد ما تجدون من الحر منه ) )محذوف الخبر وفي بعضها فأشد بالفاء وفيه لف ونشر على غير الترتيب.

فإن قلت كيف يحصل من نفس النار الزمهرير. قلت المراد من النار محلها وهو جهنم وفيها طبقة زمهريرية.

القاضي البيضاوي اشتكاء النار مجاز عن كثرتها وغليانها وأكلها ازدحام أجزائها بحيث يضيق عليها مكانها فيسعى كل جزء في إفناء الجزء الآخر والاستيلاء على مكانها ونفسها لهيبها, وتحقيقه أن أحوال هذا العالم عكس أمور ذلك العالم وآثارها كما جعل مستطابات الأشياء أدناه نعيم الجنان فيكونوا أميل إليها كذا جعل الشدائد المؤلمة أنموذجًا لأحوال الجحيم ليزيد خوفهم فما يوجد من السموم المهلكة فمن حرها وما يوجد من الصراصر المجمدة فمن بردها.

النووي اختلف في الجمع بين هذا وحديث خباب شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يشكنا أي لم يزل شكوانا فقيل الإبراد رخصة والتقديم أفضل.

وقال آخرون المختار استحباب الإبراد لكن أحاديثه المشتملة على فعله والأمر به.

وحديث خباب محمولٌ على أنهم طلبوا تأخيرًا زائدًا على قدر الإبراد لأن الإبراد أن يؤخر بحيث يحصل للحيطان ظل يمشون فيه.

وقال في شرح السنة قيل في الجمع بينهما أنهم كانوا يلتمسون تأخير الصلاة عن الوقت فلم يرخص لهم فيه ورخص في الإبراد.

الزركشي

قوله (( أبردوا ) )بقطع الهمزة وكسر الراء أي أخروها عن وقتها الهاجرة إلى أن يبرد النهار ويقال أبرد إذا دخل في البرد كما يقال أطهر وأفجر والباء للتعدية فالمعنى ادخلوا الصلاة في البرد.

قوله (( عن الصلاة ) )قيل عن بمعنى الباء وقد جاء مصرحًا في الرواية الآتية وقيل زائدة.

قوله (( أذن مؤذن النبي الظهر ) )كذا وقع في هذه الرواية وصوابه أذن بالظهر أو للظهر كما في الباب الذي بعد وهكذا هو في (م) .

قوله (( أشد ما يجدون ) )بالكسر على البدل من نفس وبالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف؛ أي فهو بدليل التصريح به في رواية، وبالفتح مفعولًا بتجدون بعده، ورواه في بدء الخلق فأشد ما يجدون وهو على هذا مبتدأ وخبره محذوف.

[1] في هامش المخطوط (( أقول نار المعدة قال تأكل وتشرب ونار المحبة لا تأكل ولا تشرب ونار الوقود تشرب ولا تأكل ونار ) ).

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت