فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
فيه حديث عبد الرزاق، ثنا معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه، عن أبي هريرة قال (( أرسل ملك الموت ... ) )الحديث.
هذا الحديث ذكره أيضًا في أحاديث الأنبياء، قد أنكر بعض أهل البدع والجهمية هذا الحديث كما قال ابن خزيمة، وقالوا لا يخلو أن يكون موسى عرف ملك الموت أو لم يعرفه، فإن كان عرفه فقد استخف به، وإن كان لم يعرفه فرواية من روى أنه كان يأتي موسى عيانًا لا معنى لها، ثم إن الله تعالى لم يقتص لملك الموت من اللطمة وفقء العين والله تعالى لا يظلم أحدًا، وهذا اعتراض من أعمى الله بصيرته.
ومعنى الحديث صحيح، وذلك أن موسى لم يبعث الله إليه الملك وهو يريد قبض روحه حينئذ، وإنما بعثه اختبارًا وابتلاء، كما أمر الله خليله بذبح ولده ولم يرد إمضاء ذلك، ولو أراد أن تقبض روح موسى حين لطم الملك لكان ما أراد، وكانت اللطمة مباحة عند موسى إذ رأى آدميًا دخل عليه ولا يعلم أنه ملك الموت، وقد أباح الشارع فقء عين الناظر في دار المسلم من غير إذن، ومحال أن يعلم موسى أنه ملك الموت ويفقأ عينه، وقد جاءت الملائكة إلى إبراهيم فلم يعرفهم ابتداء، ولو علمهم لكان من المحال أن يقدم إليهم عجلًا؛ لأنهم لا يطعمون، وقد جاء الملك إلى مريم فلم تعرفه ولو عرفته لما استعاذت منه، وقد دخل الملكان على داود في شبه آدميين يختصمان فلم يعرفهما، وقد جاء جبريل إلى سيدنا رسول الله وسأله عن الإيمان ولم يعرفه، وقال (( ما أتاني في صورة قط إلا عرفته فيها غير هذه الصورة ) )فكيف يستنكر أن لا يعرف ص 1366 موسى الملك حين دخل عليه.
واعترض على هذا بما في الحديث (( يا رب أرسلتني إلى عبد لا يريد الموت ) )، فلو لم يعرفه موسى لما صح هذا من الملك.
وأما قول الجهمي إن الرب تعالى لم يقتص للملك؛ فهو دليل على جهله، ومن أخبره أن بين الملائكة والآدميين قصاص؟ ومن أخبره أن ملك الموت طلب القصاص من موسى فلم يقتص له؟ وقد أخبر الله تعالى أن موسى قتل نفسًا ولم يقتص منه، وما الدليل على أن ذلك كان عمدًا، وقد أخبر نبينا صلى الله عليه وسلم أن الله تعالى لم يقبض نبيًا قط حتى يريه مقعده من الجنة ويخيره فلم ير أن يقبض روحه قبل أن يريه مقعده من الجنة ويخيره، ويدل على صحة هذا أنه لما رجع إليه ثانيًا استسلم.
وقول من قال فقأ عينه بالحجة ليس بشيء لما في الحديث (( فرد الله عينه ) )، فإن قيل رد حجته فغير جيد أيضًا، وقال ابن قتيبة في (( مختلفه ) )أذهب موسى العين التي هي تخييل وتمثيل وليست عين حقيقة، وعاد ملك الموت إلى حقيقة خلقه الروحاني كما كان ولم ينتقص منه شيء.
وذكر ابن عقيل أنه يجوز أن يكون موسى أذن له في ذلك الفعل بالملك، وابتلي الملك بالصبر عليه كما جرى له مع الخضر.
قوله (( يضع يده على متن ثور ... إلى آخره ) )دلالة أن الدنيا بقي منها كثير، وإن كان قد ذهب أكثرها؛ لأنه لم يكن لبعده ما لا تبقى الدنيا إليه، وقيل فيه الزيادة في العمر مثل الحديث الآخر (( من سره أن يبسط له في رزقه وينسأ له في أثره فليصل رحمه ) )وهو يؤيد قول من قال في قوله تعالى {وما يعمر من معمر} [فاطر11] الآية أنه زيادة ونقص في الحقيقة.
قوله (( ثم ماذا؟ ) )وفي رواية (( ثم مه؟ ) )وهي ما الاستفهامية، لما وقف عليها زاد هاء السكت. قوله (( قال فالآن ) )هو ظرف زمان غير متمكن، وهو اسم لزمان الحال، وهو الزمان الفاصل بين الماضي والمستقبل، وهو يدل على أن موسى لما خيره الله تعالى اختار الموت؛ شوقًا إلى لقاء ربه تعالى، كما خير نبينا فقال (( الرفيق الأعلى ) ).
قوله (( أن يدنيه من الأرض المقدسة ) )هي بيت المقدس، وكان موته بالتيه، وسؤاله الدنو منه ولم يسأل نفس البيت؛ لأنه خاف أن يكون قبره مشهورًا فيفتتن به الناس، كما أخبر الشارع أن اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، وسؤاله الدنو منها؛ لفضل من دفن في الأرض المقدسة من الأنبياء، فاستحب مجاورتهم في الممات كما في الحياة.
وقال المهلب إنما سأل الدنو منها؛ ليسهل على نفسه؛ ويسقط عنها المشقة التي تكون على من هو بعيد منها، وصعوبته عند البعث والحشر، ومعنى بعده منها برمية حجر؛ ليعمى قبره كما سلف.
قوله (( لو كنت ثم ) )هو اسم إشارة، وهو مفتوح الثاء، ولما عرج بنبينا صلى الله عليه وسلم رأى موسى قائمًا يصلي في قبره.
وذكر ابن حبان في (( صحيحه ) )أن قبر موسى بمدين بين المدينة وبين بيت المقدس، وقد اشتهر أن قبرًا بأريحا وهي من الأرض المقدسة يزار ويقال إنه قبر موسى، وعنده كثيب أحمر كما في الحديث.
قال ابن التين قوله (( أن يدنيه من الأرض المقدسة ) )يعني الشام، و (( المقدسة ) )المطهرة. قال وقوله (( على رمية حجر ) )يحتمل أن يكون على قربها دونها قدر رمية حجر، أو محل من طرفها قدر ذلك، قيل والأول أشبه أنه سأل أن يقرب إليها ولو رمية بحجر على وجه الرغبة في القرب منها. قال وإنما سأله ذلك؛ لأنه لم يدفن نبي إلا حيث قبض، والكثيب الكدية من الرمل.
قال والدي رحمه الله تعالى
قوله (( صكه ) )أي ضربه بحيث فقأ عينه يدل عليه لفظ (( فرد الله عينه ) )قيل أتاه في صورة الآدمي، فلما فقأ عينه رده الله إلى صورته التي هو عليها أو رد الله عين الصورة البشرية ليرجع إليه على كمال ص 1367 الصورة فيعتبر موسى عليه السلام بذلك.
قوله (( قال ) )أي موسى يا رب ثم بعد ذلك السنوات ماذا يكون و (( يدينه ) )أي يقربه (( من الأرض المقدسة ) )أي بيت المقدس دنوًا لو رمى رام بحجر من ذلك الموضع الذي هو الآن موضع قبره لوصل إلى البيت المقدس.
قوله (( الكثيب الأحمر ) )أي الرمل المجتمع، وفيه أن قبر موسى ثمه وأن الملك يتشكل بصورة الإنسان.
الخطابي فإن قيل كيف يجوز أن يفعل موسى بالملك مثل هذا الصنيع أو كيف تصل يده إليه أو كيف لا يقبض الملك روحه ولا يمضي أمر الله فيه؟ [1] .
قلت أكرم الله موسى في حياته بأمور أفرده بها، فلما دنا وفاته لطف أيضًا به بأن لم يأمر الملك أن يأخذ روحه قهرًا، لكن أرسله على سبيل الامتحان في صورة البشر فاستنكر موسى شأنه ودفعه عن نفسه، فأتى ذلك على عينه التي ركبت في صورته البشرية التي جاء فيها دون الصورة الملكية، وقد كان في طبع موسى حدة.
روي أنه كان إذا غضب اشتعلت قلنسوته نارًا، وقد جرت السنة بحفظ النفس ودفع الضرر ومن شريعتنا أن من اطلع على حرم قوم حل لهم أن يدفعوه ولو انفقأ عينه بذلك، ثم رد الله عليه عينه ليعلم موسى إذا رأى صحة عينه أنه من عند الله، فلهذا استسلم حينئذٍ وطاب نفسًا لقضاء الله الذي لا بد من لقائه.
النواوي فإن قلت كيف جاز عليه فقء عين الملك؟ قلت لا يمتنع أن يأذن الله له في هذه اللطمة ويكون ذلك امتحانًا للمظلوم والله تعالى يفعل ما يشاء، أو أنه لم يعلم أنه ملك من عند الله فظن أنه رجل قصده فدفعه عن نفسه فأدى المدافعة إلى الفقء.
فإن قيل فقد عرف موسى حين جاءه ثانيًا أنه ملك الموت؟ فالجواب أنه أتاه في المرة الثانية بعلامة علم بها أنه هو فاستسلم له انتهى كلام والدي رحمه الله تعالى.
أقول فإن قلت كيف صك ملك الموت وهو ختم لطيف نوراني قادر على التشكل بأشكال مختلفة، وكيف يتصور صك قيل هذا الجسم اللطيف قلت يمكن أن الله جسمه في صورة بشر ثم صك تلك الصورة الجسمانية.
فإن قلت كيف جاز صكه وهو قد جاء نقيض روحه. قلت ما عرفه واعتقد أن إنسانًا يقول هذا القول أي حيث أقبض روحك وليس عليه حقيقة، واستدل على ذلك بالصورة البشرية.
فإن قلت الأنبياء لا تقبض أرواحهم حتى يروا مقاعدهم من الجنة ويخيروا فكيف جاءه ملك الموت ولم يخبره. قلت صكه قبل أن يريه مقعده ويخبره ولم يمهله إلى التخيير. قلت ربما صكه حيث لم يبدأه بالتخيير وبادره بقول آخر يدل على أنه يريد قبض روحه، وكان موسى عالمًا بالتخيير فأنكر منه ذلك فصكه.
فإن قلت لا نخرج أن ملك الموت حين جاء إلى موسى أول مرة كان مأمورًا من الله تعالى بقبض روح موسى أم لا، فإن كان مأمورًا فكان يتعين امتثال أمر الله وقبض سواء صكه أم لان وإن لم يكن مأمورًا بقبض فكيف كلمه بما علم موسى أنه يريد أن يقبض روحه.
قلت جوابه ما سبق أنه من باب الامتحان فإن قلت هل فإن الفقأ حقيقة أم لا. قلت إذا تجسم الملك صح الفقأ حقيقة وإن لم يكن تجسمًا فيكون الفقأ مجازًا والرد أيضًا كذلك، فإن ما فائدة تخصيص الثور من بين سائر الحيوان.
قلت كان موسى وبنو إسرائيل ممتحنون بهذا النوع من الحيوان في قوله {اذبحوا بقرة} القصة بطولها، وقضية عجل السامري أو أن شعر الثور أكثر عددًا وأرفع من غيره من الحيوان، أو كانت أكثر ما لهم كما أن العرب أكثر ما لهم الإبل.
فإن قلت كيف لم يعين له عددًا من السنين، وقال له ضع يدك ... إلى آخره قلت لأن عادة الله تعالى جارية في عدم معرفة الأعمار لذوي العمر لفوائد منها الامتحان وهي من المغيبات التي لا يعلمها إلا الله.
فإن قلت فيه تعيين ما كان الذي تحت اليد من الشعر معلوم معدود غائبه أنه متعسر. قلت فيه اتهام لئلا تنخرم العادة الإلهية ص 1368 والحكمة الربانية.
الزركشي
(( المتن ) )الظهر.
(( الكثيب ) )بمثلثة كوم الرمل، سمي به لأنه انصب في مكان فاجتمع فيه، وكل ما انصب في مكان فقد انكثب فيه.
[1] في هامش المخطوط (( أقول فإن قلت في الحدديث (( من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه ) )وموسى كان من أحب الناس للقاء الله فكيف اختار الحياة والموت واسطة لقاء الله، قلت لم يختر موسى الحياة حبًا لها بل أراد زياة أفعال الخير من العبادات واستسلام من لم يكن آمن به، أو نقول يفرض أن ملك الموت أعلمه بنفسه وخيره غائبة أنه كان الظاهر أن يرده قولاُ فرده فعلًا.