فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
فيه ثلاثة أحاديث
حديث بهز، وذكره معلقًا.
ثانيها وثالثها حديث أبي هريرة أن موسى وأيوب صلى الله عليهما كانا يغتسلان عراةً، لكن كانا يستتران عن أعين الناس، وهما دليلان لقوله (( من اغتسل عريانا في الخلوة ) )، ولا خلاف أن التستر أفضل.
وبجواز الغسل عريانًا في الخلوة. قال مالك والشافعي وجمهور العلماء ومنعه ابن أبي ليلى، وحكاه الماوردي وجهًا لأصحابنا فيما إذا نزل في الماء عريانًا بغير مئزر، واحتج بحديث ضعيف (( لا تدخلوا الماء إلا بمئزر، فإن للماء عامرًا ) ).
وروى عن ابن عباس أنه لم يكن يغتسل في بحر ولا نهر إلا وعليه إزار، فإذا سئل عن ذلك قال إن له عامرًا. وروي عن عطية مرفوعًا (( من اغتسل بليل في فضاء فليتحاذر على عورته، ومن لم يفعل ذلك، فأصابه لمم فلا يلومن إلا نفسه ) ).
وأما حديث بهز فهو بعض حديث طويل أخرجه أصحاب السنن الأربعة أبو داود في الحمام، و (ت) في الاستئذان في موضعين، و (ن) في عشرة النساء، و (ق) في النكاح من حديث بهز، عن أبيه، عن جده. وهو ابن حكيم بن معاوية بن حيدة القشيري له صحبة، قلت يا رسول الله، عوراتنا ما نأتي منها وما نذر؟ قال (( احفظ عورتك إلا من زوجتك، أو ما ملكت يمينك ) )قال قلت يا رسول الله، إذا كان القوم بعضهم في بعض قال (( إن استطعت أن لا تريها أحد فلا تريها ) )قال قلت يا رسول الله، فإذا كان أحدنا خاليًا، قال (( فالله أحق أن يستحيى منه من الناس ) ). قال (ت) حسن.
قال ابن التين يريد بقوله (( فالله أحق أن يستحيى منه ) ). يعني أن لا يعصى حياء منه.
وقال ابن بطال الحديث محمول عند الفقهاء على الندب والاستحباب للتستر في الخلوة لا على الإيجاب.
فرع
حكى الماوردي خلافًا للناس في أن ستر العورة وجب بالعقل أو بالشرع؟ وعلى الأول المعتزلة، وعلى الثاني أهل السنة، ولا شك أن جبلة الشخص كارهة لذلك، الشرع هو الحاكم.
وبهز قد عرفت والده وجده، وقد وثقه جماعة، ووالده حكيم، قال (ن) ليس به بأس.
وجده معاوية له صحبة.
وحديث أبي هريرة قال (( كانت بنو إسرائيل يغتسلون عراة ... ) )الحديث.
هذا الحديث أخرجه (م) ، وأخرجه (خ) بمعناه في أحاديث الأنبياء والتفسير.
وإسحاق هذا هو ابن إبراهيم بن نصر السعدي البخاري، نسبه (خ) إلى جده. مات بعد المائتين، كان ينزل ببني سعد، وقيل كان ينزل بالمدينة بباب بني سعد، وعن المنذري أنه ضبطه بضم السين والغين المعجمة.
قوله (( كانت بنو إسرائيل ) )أي جماعتهم، ولذلك أدخل عليهم التأنيث.
قوله (( عراةً ينظر بعضهم إلى بعض ) )يحتمل أن هذا كان جائزًا في شرعهم، وكان يتركه تنزهًا وحياء ومروءة، ويحتمل أنه كان حرامًا في شرعهم، كما في ص 593 شرعنا، وكانوا يتساهلون فيه، كما يتساهل فيه كثير من أهل شرعنا.
وجزم ابن بطال بهذا، وقال يدل أنهم عصاة له في ذلك، وسالكون غير سنته، إذ كان هو يغتسل حيث لا يراه أحد، وكان يطلب الخلوة، فكان الواجب عليهم الاقتداء.
ثم لم تكفهم المخالفة حتى أذوه بما نسبوا إليه، فأظهر الله براءته بطريق خارق للعادة، زيادة في دلالة صدقه وفي قيام الحجة عليهم.
و (( آدر ) )بهمزة مفتوحة ممدودة ثم دال مهملة مفتوحة ثم راء عظيم الخصيتين، وهي الأدرة _ بضم الهمزة وفتحها مع إسكان الدال وبفتحها _، ولا يقال امرأة أدراء.
قوله (( فوضع ثوبه على حجر ) )وضعه _ عليه السلام _ ثوبه ودخوله الماء عريانًا دليل على جواز ذلك.
وجاء في (م) (( أنه اغتسل عند مويه ) )بضم الميم وفتح الواو وإسكان الياء، تصغير ماء، وأصله موه، والتصغير يرد الأشياء إلى أصولها، هكذا هو في معظم نسخ (م) ، وفي بعض نسخ (م) (( مشربة ) )بفتح الميم وإسكان الشين المعجمة ثم راء، وهي حفرة في أصل النخلة، يجمع الماء فيها لسقيها. قال القاضي وأظن الأول تصحيفًا.
أقول قال الشيخ أبو علي بن سينا في (( القانون ) )الفتق يكون بانحلال الغشاء عن فرديته ووقوع شق فيه ينفذه جسم غريب كان محصورًا فيه، قبل الشق أو لاتساع ضيق في مجاريه وانحلال، فإذا وقع ذلك بحيث إذا سلك النافذ تأدى إلى الخصيتين سمي أدرة وقيلة وما سوى ذلك يسمى باسم العام، وأكثر أدرة الخصية ودواليها وصلابتها وصلابات الصفن يقع في الثربي، فإنه قد يعرض أن يتسع الثقبان المذكوران لضعفهما أو ينخرق ما يليهما من رطوبة مغرية أو بآلة أو مرخية وبمعونة من صرخة أو حركة أو سقطة أو إمساك مني متحرك ومنعه من الدفق، أو صعود المرأة على الرجل، وإتعاب نفس في الجماع وخصوصًا على الامتلاء وكذلك الجماع على التخمة، واجتماع الريح والبراز في البطن فينزل إما ثرب وإما حجاب أو هما والمعي وخصوصًا الأعور لأنه مخلي غير مربوط أو رطوبات تنصب إليها من دفع الطبيعة أو تتولد فيها لبردها وإحالتها الدم إلى المائية، وربما حدث لها غشاء خاص، وربما كانت الرطوبة دمًا ودموية ودودية حين يكون سببه الضربة والسقطة، أو رياح نافحة وربما نفع علاج الحديد وربما نبت هناك لحم، وربما غلط الصفن أو صلب من ورم أو سمن فأشبه الأدرة ويسمى أدرة اللحم، وربما كان كذلك في الأربية، وربما انتفخت عروقه ويسمى أدرة الدوالي وذكر له أدوية وعلاجات لا تطول بذكرها وإنما ذكرت هذا الفصل ليعرف الأدرة وما هي وكيف يحصل ومم تتولد.
قوله (( ففر الحجر بثوبه ) )هذه معجزة لموسى صلى الله عليه وسلم، لمشي الحجر بثوبه إلى بني إسرائيل.
قوله (( فجمح موسى ) )أي أسرع في مشيه خلف الحجر، ليأخذ ثوبه، وكل شيء مضى لوجهه على أمر فقد جمح.
قال ابن سيده جمح الفرس بصاحبه جمحًا وجماحًا ذهب يجري جريًا غالبًا.
الأزهري فرس جموح إذا ركب رأسه فلم يرده اللجام، وهذا ذم، وفرس جموح؛ أي سريع، وهذا مدح.
قوله (( في إثره ) )هو بتثليث الهمزة ص 594 وإسكان الثاء، ورابعة فتحها، وفي (( المثلث ) )لابن السيد الأثر بالضم أثر الجرح. وفي (( الواعي ) )الأثر محرك ما يؤثر الرجل بقدمه في الأرض.
قوله (( ثوبي يا حجر ) )منصوب بفعل مضمر تقديره أعطني ثوبي، أو اترك ثوبي، فحذف الفعل لدلالة الحال عليه، وفي (م) (( ثوبي حجر ) )مرتين، بإسقاط حرف النداء، وإنما نادى موسى الحجر نداء من يعقل؛ لأنه صدر عن الحجر فعل من يعقل، وقال ذلك استعظامًا لكشف عورته، فسبقه الحجر إلى أن وصل إلى جمع بني إسرائيل، فنظروا إليه ليبرئه الله مما قالوا.
قوله (( حتى نظروا إلى موسى ) )إنما مشى _ عليه السلام _ بينهم مكشوف العورة، لأنه إنما نزل إلى الماء مؤتزرًا، فلما خرج يتبع الحجر، والمئزر مبتل علموا عند رؤيته أنه ليس بآدر؛ لأن الأدرة تتبين تحت الثوب المبلول، هذا ما أجاب به الحسن بن أبي بكر النيسابوري حكاه ابن الجوزي عنه.
وفي (( مسند أحمد ) )عن أنس مرفوعًا (( أن موسى عليه السلام كان إذا أراد أن يدخل الماء لم يلق ثوبه حتى يواري عورته في الماء ) ).
وأجاب ابن الجوزي بجواب آخر وهو أن موسى كان في خلوة كما بين في الحديث، فلما تبع الحجر لم يكن عنده أحد، فاتفق أنه جاز على قوم فرأوه، وجوانب الأنهار وإن خلت لا يؤمن وجود قوم قريب منها فنسي موسى الأمر على ألا يراه أحد على ما رأى من خلاء المكان فاتفق من رآه.
وقال ابن بطال في الحديث دليل على النظر إلى العورة عند الضرورة الداعية إلى ذلك من مداواة أو براءة مما رمي به من العيوب التي يتحاكم الناس فيها مما لابد فيها من رؤية أهل النظر بها، فلا بأس برؤية العورات للبراءة من ذلك أو لإثبات العيوب فيه والمعالجة.
وفيه أن الله تعالى كمل أنبياءه خلقًا وخلقًا، ونزههم عن المعايب والنقائص، وعورض ما وقع ليعقوب وأيوب صلى الله عليهما، فللتأسي بهما ورفع درجاتهما، وقد زال عنهما.
أقول قال الصلاح الصفدي في كتابه (( نكت الهميان في نكت العميان ) )فمن الأنبياء إسحاق ويعقوب وشعيب عليهم السلام، وعد من الصحابة أربعة وعشرين رجلًا وعائشة وأسماء ابنتا الصديق وقال حداق الأصوليين أن العمى لا يجوز على الأنبياء؛ لأن مقام النبوة أشرف من ذلك، ومنعوا من عمى شعيب وإسحاق وقالوا لم يرد بذلك نص في القرآن العظيم.
وأورد عليهم في قصة يعقوب {وابيضت عيناه} [يوسف84] ، وهذا صريح وقوله تعالى {فارتد بصيرًا} [يوسف96] وبياض العين لا يكون إلا بذهاب السواد، ومتى فقد السواد حصل العمى والارتداد لا يكون إلا عودًا إلى الحالة الأولى، والحالة الأولى كان فيها بصيرًا، فدل على أن الحالة التي أريد عنها كان ص 595 فيها أعمى.
وأجاب المانعون بأن {ابيضت عيناه} كناية عن غلبة البكاء وامتلاء العين بالدموع، وقوله {فارتد بصيرا} ذهب جماعة من المفسرين إلى أنه كان قد عمي بالكلية، وقالت طائفة بل كان قد ضعف بصره من كثرة البكاء وكثرة الأحزان، فلما ألقوا القميص وبشروه بحياة يوسف عظم فرحه، وانشرح صدره وزالت أحزانه فعند ذلك قوي ضوء بصره وزال النقصان عنه، وهذا الذي يليق بحيات النبوة المعظمة وهو أن يكون النبي سليم الأعضاء صحيح الجوارح كامل الخلق يربا من العاهات ولم يذكر الصفدي جوابًا عن قضية إسحاق وشعيب صلى الله عليهما [1] .
قوله (( فطفق ) )بكسر الفاء وفتحها؛ أي جعل وأقبل وصار ملتزمًا لذلك، وهي من أفعال المقاربة.
والندب بفتح النون والدال أثر الجرح إذا لم يرتفع عن الجلد، فشبه به أثر الضرب في الحجر، وقال الأصمعي هو الجرح إذا بقي منه أثر الجرح، واقتصر عليه، وهذه معجزة لموسى، وتمييز الجمادات.
وفيه ما غلب على موسى من البشرية من ضرب الحجر، وهذا الضرب من موسى عليه السلام يجوز أن يكون أراد به إظهار معجزته لقوة تأثير الضرب في الحجر، ويحتمل أن يكون أوحي إليه بذلك لإظهار المعجزة.
وفيه أيضًا إجراء خلق الإنسان عند الضجر على من لا يعقل أيضًا، فإذا كان الحجر أعطاه الله قوة مشى بها أمكن أن يحس به أيضًا، ألا ترى قول أبي هريرة والله لندب بالحجر؛ يعني آثار ضربه بقيت فيه آية له، ويؤخذ من ذلك جواز الحلف على الإخبار.
وفيه، وفي حديث أيوب الآتي دليل على إباحة التعري في الخلوة للغسل وغيره، بحيث يأمن أعين الناس، لأنهما من الذين أمرنا أن نقتدي هداهم، ألا ترى أن الله تعالى عاتب أيوب على جمع الجراد ولم يعاتبه على اغتساله عريانًا، ولو كلفنا بالاستدبار في الخلوة لحصل لنا الحرج والضيق؛ إذ لا نجد بدا منه، والباري تعالى لا يغيب عنه شيء من خلقه عراة كانوا أو مكتسين، وسيأتي في باب كراهة التعري في الصلاة، نعم الاستتار من حسن الأدب.
وقيل إن قوله تعالى {لا تكونوا كالذين آذوا موسى} [الأحزاب69] نزلت في ذلك. قال الطحاوي فيما روي عن أبي هريرة في هذه الآية قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( إن موسى كان رجلًا حييا ... ) )الحديث بطوله.
قال ومما روي عن علي في الآية مما نعلم أنه ليس من رأيه؛ لأنه إخبار عن مراد الله، قال صعد موسى وهارون الجبل، فمات هارون، فقالت بنو إسرائيل لموسى أنت قتلته، كان ألين لنا منك، فآذوه بذلك، فأمر الله الملائكة فحملته وتكلمت لموته، حتى عرفت بنو إسرائيل أنه قد مات فدفنوه، فلم يعرف موضع قبره إلا الرخم، فإن الله جعله أبكم أصم، ولا تعارض بينهما، فإنه يجوز أن يكون آذوه بكل ذلك، فبرأه الله منهما.
حديث أبي هريرة الآخر عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (( بينا أيوب يغتسل عريانًا ... ) )الحديث.
حديث أبي هريرة هذا معطوف على سند حديث أبي هريرة الأول، وقد صرح به أبو مسعود وخلف، فقالا في (( أطرافهما ) )إن (خ) رواه هنا عن إسحاق بن مضر، وفي أحاديث الأنبياء عن عبد الله بن محمد الجعفي كلاهما عن عبد الرزاق.
وأيوب صلى الله عليه وسلم هو من ذرية عيصو بن إسحاق، وعاش ثلاثًا وتسعين سنة، وكان ببلاد حوران، وقبره مشهور عندهم بقرية بقرب نوى عليه مشهد، وهناك قدم في حجر يقولون إنها أثر قدمه، وهناك عين يتبرك بها ويزعم أنها المذكورة في القرآن العظيم، وكانت شريعته التوحيد وإصلاح ذات البين، وإذا طلب من الله حاجة خر له ساجدًا ص 596 ثم طلب، وكان أعبد أهل زمانه وأكثرهم مالًا، وكان لا يشبع حتى يشبع الجائع، ولا يلبس حتى يلبس العاري. وأمه بنت لوط عليه السلام.
وعطاء بن يسار سلف حاله، وصفوان هو ابن سليم الزهري مولاهم المدني التابعي الإمام، ممن يستسقى بذكره، يقال إنه لم يضع جنبه إلى الأرض أربعين سنة، وأن جبهته نقبت من كثرة السجود، ومناقبه جمة، مات سنة اثنتين وثلاثين ومائة، ومولده سنة ستين.
وموسى بن عقبة الثقة، مات سنة اثنتين وأربعين ومائة. وإبراهيم بن طهمان أحد أئمة الإسلام الثقات، فيه إرجاء، مات سنة بضع وستين ومائة.
قوله (( عريانًا ) )مصروف؛ لأنه فعلان _بالضم_ بخلاف فعلان إذا كانت الألف والنون زائدتان مثل حمران وسكران.
(( والجراد ) )جمع جرادة، والجرادة تقع على الذكر والأنثى، والجراد ليس تذكيرًا للجرادة، إنما هو اسم جنس كالبقر والبقرة، وقيل الجراد الذكر، والجرادة الأنثى، حكاه ابن سيده.
سمي جرادًا؛ لأنه يجرد الأرض فيأكل ما عليها، وله أسماء قبل أن يصير جرادًا، ذكرها ابن سيده.
وفي رواية (خ) في كتاب التوحيد (( رجل جراد ) )أي جماعة من جراد. والرجل _بالكسر_ الجراد الكثير، وهو من أسماء الجماعات التي لا واحد لها من لفظها، يقال رجل من جراد، وسرب من ظباء، وخيط من نعام، وعانة من الحمير.
قوله (( يحتثي في ثوبه ) )ذكر اللغويون أن الحثية باليدين جميعًا، قال ابن سيده الحثي ما رفعت به يديك، يقال حثى يحثي ويحثو، والياء أعلى، وزعم ابن قرقول أنه يكون باليد الواحدة أيضًا.
قوله (( فناداه ربه ) )يحتمل أن يكون كلمه كما كلم موسى، وهو أولى بظاهر اللفظ، ويحتمل أن يرسل إليه ملكًا فسمي منادى بذلك، وقد حكاهما على وجه الاحتمال الداودي في (( شرحه ) )، وكذا ابن التين.
والغنى _ بالقصر _ اليسار، وبالمد الغنيمة.
وفيه جواز الاغتسال عريانًا في الخلوة.
وفيه الحرص على الحلال وفضل الغنى؛ لأنه سماه بركة.
وفيه جواز اليمين بصفة من صفات الله تعالى.
قال والدي رحمه الله تعالى
قوله (( عريانًا وحده في الخلوة ) )أي من الناس، وهذا تأكيد لقوله (( وحده ) )وهما لفظان بحسب المعنى متلازمان. قال العلماء كشف العورة في حال الخلوة بحيث لا يراه آدمي إن كان لحاجة جاز، وإن كان لغير حاجة ففيه خلاف في كراهته وتحريمه والأصح عند الشافعية أنه حرام.
وحكيم تابعي ثقة، ومعاوية قال صاحب (( الكمال ) )أنه صحابي وظاهر لفظ (خ) يشعر بذلك.
قوله (( من الناس ) )متعلق بقوله (( أحق ) )، وفي بعضها بدل (( أن يستحيا منه ) ) (( أن يستتر منه ) )، وهذا تعليق من (خ) .
قوله (( بنو إسرائيل ) )أي بنو يعقوب عليه السلام، ولفظ (( بنو ) )جمع السلامة لكنه على خلاف القياس لوقوع التغير في مفرده.
فإن قلت أنث الفعل المسند إليه. قلت عند من قال حكم ظاهر الجمع مطلقًا حكم ظاهر غير الحقيقي فلا إشكال، وأما من قال كل جمع مؤنث إلا جمع السلامة المذكور، فتأنيثه أيضًا عنده أيضًا على خلاف القياس أو باعتبار القبيلة، ويحتمل أن النظر كان جائزًا في شرعهم، وكان موسى يختار الخلوة تنزهًا وحياء أو أنه كان حرامًا وكانوا يتساهلون فيه.
قوله (( إلا أنه آدر ) )استثناء ص 597 مفرغ والمستثنى منه مقدر وهو لأمر من الأمور، وآدر _ بمد الهمزة وفتح المهملة _ أفعل الصفة، معناه عظيم الخصيتين منتفخهما.
قوله (( فخرج ) )وفي بعضها (( فجمح ) )بتخفيف الميم؛ أي أسرع، و (( من بأس ) )اسم (( كان ) )و (( من ) )فيه زائدة (( وطفق ) )بكسر الفاء وفتحها لغتان و (( الحجر ) )منصوب بفعل مقدر وهو يضرب؛ أي طفق يضرب الحجر ضربًا، وفي بعضها (( بالحجر ) )بزيادة الباء، ومعناه جعل ملتزمًا بذلك يضربه ضربًا.
قوله (( قال أبو هريرة ) )وهو إما تعليق من (خ) ، وإما من تتمة مقول همام فيكون مسندًا.
قوله (( لندب ) )بالنون والمهملة المفتوحتين وهو الأثر، و (( ستة ) )أي ستة آثار، وهو مرفوع بالبدلية، أو هو منصوب على التمييز وكذلك ضربًا تمييز.
فإن قلت ما موضع الدلالة من الترجمة، قلت اغتسال موسى وحده عريانًا، وهذا مبني على أن شرع من قبلنا شرع لنا.
قوله (( وعن أبي هريرة ) )هذا تعليق، فإن قلت لم قال أولًا (( قال أبو هريرة ) )وثانيًا (( عن أبي هريرة ) ). قلت إشارة إلى أن الأول تعليق بصيغة التصحيح لما فيه من الجزم، والثاني تعليق بصيغة التمريض.
قوله (( أيوب ) )أي النبي المبتلى الصابر من ولد روم _ بضم الراء _ ابن العيص _ بكسر المهملة وسكون التحتانية وبالمهملة _ ابن إسحاق بن إبراهيم صلى الله عليهم وكان عمره ثلاثًا وستين سنة ومدة بلائه سبع سنين.
أقول قال أبو الحسن الهيصم في (( قصص الأنبياء ) )اختلف في نسبه قال بعضهم أيوب بن موص بن عيص بن إسحاق، وآخرون لم يكن من ولد العيص نبي، وأنه أيوب بن موص بن رعويل، وكان موص بن رعويل ممن آمن بإبراهيم يوم ألقي في النار.
قالوا وكان أيوب في زمن يعقوب بن إسحاق وكانت عنده ابنة ليعقوب يقال لها ليا، وكانت أم أيوب ابنة لوط النبي صلى الله عليه وسلم زوجها من موص إبراهيم فولدت له أيوب، وأن الله اصطفاه ونبأه وأوسعه على النعمة والمال وكانت له البثنية ناحية من نواحي دمشق، وذكر كيفية ابتلائه وحسد إبليس له وسأل ربه أن يسلطه على ماله وولده وبدنه إلى أن قال فأتاه إبليس وهو ساجد فنفخ في منخريه، ويقال في إبهام قدميه، فاشتغل جميع جسده نارًا، وينقط جميع جسده بالجدري.
ويروى أن أول من أصابه الجدري أيوب، ويقال خرجت التآليل وقرحت، فجعل يحكها بأظافيره حتى ذهبت أظفاره ثم جعل يحكها بالحرف والحجارة حتى تساقط جلده ولحمه ولم يبق إلا عظامه وعروقه وعصبه، فصبر أيوب في ذلك كله، ولم يقدر عدو الله على حيله، وبقي أيوب في البلاء في رواية وهب ثلاث سنين، وفي رواية الحسن تسع سنين وستة أشهر، وفي سائر الروايات سبع سنين، ودعا أيوب فقال {مسني الشيطان بنصب وعذاب} [ص41] ، وقال {مسني الضر وأنت أرحم الراحمين} [الأنبياء83] .
ويروى أن أيوب كان أكثر الناس بكاء قبل بلائه، قال ابن عباس فلما ابتلي لم يبك قطرة من دمع مخافة أن يكون جزعًا، وذكرت الرواة أن مرض أيوب كان دودًا وأكلة وقعت في جسده وجميع أعضائه إلا في ثلاثة من أعضائه قلبه وعينيه ولسانه وذلك لأنه سأل الله تعالى ذلك، وقيل لئلا أعجز عن ذكرك والنظر إلى ملكوتك والفكر في عظمتك، ويروى أنه ربما سقطت دودة من جسده فيأخذها ويردها إلى مكانها.
ويروى أن امرأة قالت له يا أيوب ألا تدعو الله فيكشف عنك، فقال يا هذه لقد أتى علينا في الرخاء سبعين، فاصبري حتى يمضي علينا في البلاء سبعون فيستوي البلاء بالنعمة، ثم أدعو قال فلما دعا أيوب، قال الله تعالى لجبريل يا جبريل قد آن وقت فرح عبدي أيوب، وقد صح مائة فاكشف عنه ص 598 مائة فجاءه جبريل، وقال السلام عليك يا أيوب، إن الله يقرئك السلام ويقول قد حان وقت عافيتك، فقم وأخذ بيده، وكانت امرأته غائبة فأخرجه من عريشه، وأتى به إلى رائبة قريبة منه، فقال له اركض برجلك اليمنى فركض بها الأرض فتناثر كل دود فيه، ونبعت عند رجله عين ماء جار فقال هذا مغتسل فاغتسل به، فصح جميع ما به جراحة، ثم قال اركض برجلك اليسرى فضرب بها الأرض فشق عين من ماء بارد، فقال وهذا شراب فاشرب فشرب منه فخرج كل دود كان في باطنه، وجرت النضرة في شربه وقام نشيطًا.
ثم إن جبريل بسط له بساطًا من بسط الجنة وجلس معه فجاءت امرأته فنظرت في العريش فلم تره فبكت ثم أتت مجلسهما، وقالت رحمكما الله هل لكما علم بهذا المبتلى الذي يكون في العريش فقال لها جبريل إن رأيته تعرفيه؟ قالت نعم فضحك أيوب فعرفته بثناياه، ثم إن جبريل دعاها حتى جلست واعتنقها أيوب ورد الله عليهما أموالهما، قال الله تعالى {وآتيناه أهله ومثلهم معهم} [الأنبياء84] .
روي أنه كان له ثلاثة عشر ولدًا، ويقال عشرة، فأحياهم الله وولدت امرأته عشرة أخرى فذلك قوله {ومثلهم معهم} فرد الله منازله وضياعه ودوابه عليه بأسرها وبعث الله سبحانه حتى أمطرت على داره من العطر إلى أن غابت الشمس جرادًا من ذهب، ويقال بل نشر جبريل جناحه ونفضهما على داره فانتثر من جناحه الجراد من الذهب، قال وجعل أيوب يجمع الجراد إلى الليل، ويروى أن جرادة وقعت على طرف السطح وكادت تسقط إلى الطريق فردها أيوب إلى داره، فقيل له في ذلك فقال هذه تركة الله وتركة الله متى ما كان أكثر كان خيرًا.
وعن ابن عباس أن أيوب عاش بعد البلاء سبعين سنة في النعمة يدين بدين الله ويعمل بشريعة إبراهيم.
قوله (( بينا ) )أصله بين، زيدت الألف لإشباع الفتحة والعامل فيه خبر. فإن قلت ما بعد الفاء لا يعمل فيما قبله لأن فيه معنى الجزائية إذ بين متضمنة للشرط. قلت لا نسلم عمله سيما في الظرف إذ فيه توسع أو العامل خبر مقدر والمذكور مفسر له.
فإن قلت المشهور دخول إذ وإذا في جوابه. قلت كما أن إذا يقوم مقام الفاء في جزاء الشرط نحو قوله تعالى {وإن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم إذا هم} [الروم36] تقوم الفاء مقام إذا في جواب بين فبينهما مقارضة.
قوله (( يحتثي ) )من باب الافتعال بالمهملة وبالمثلثة؛ أي يرمي.
(( وبلى ) )أي أغنيتني، ولو قيل في مثل هذه المواضع بدل (( بلى ) ) (( نعم ) )لا يجوز بل يكون ذلك كفرًا، فإن قلت الفقهاء لم يفرقوا بين بلى ونعم في الأقارير [2] ، قلت لأن الأقارير مبناها على العرف ولا فرق بينهما عرفًا.
قوله (( لا غنى ) )فإن قلت أهو بالتنوين أو بدونه وأهو مرفوع تقديرًا أو منصوب؟ قلت جاز فيه الأمران نظرًا إلى أن لا لنفي الجنس، أو بمعنى ليس، فعلى الأول هو مبني على ما ينصب به ولا تنوين، وعلى الثاني هو مرفوع منون، فإن قلت هل فرق في المعنى بين الوجهين، قلت قال الأصوليون النكرة في سياق النفي تفيد العموم فلا فرق بينهما.
الزمخشري في أول البقرة قرئ {لا ريب} [البقرة2] بالرفع والفرق بينها وبين القراءة المشهورة أن المشهورة توجب الاستغراق وهذه تجوزه.
فإن قلت خبر (( لا ) )هو لفظ (( بي ) )أو (( عن بركتك ) )قلت المعنى صحيح على التقديرين.
قوله (( بينا أيوب ) )والمراد إلى آخر الحديث وهو بدل من ضمير المفعول ص 599 في (( ورواه إبراهيم ) )وفي بعضها (( قال ) )هنا بزيادة لفظ (( قال ) ).
فإن قلت لم أخر الإسناد عن المتن. قلت لعل له طريقًا آخر غير هذا وتركه، وذكر الحديث تعليقًا لغرض من الأغراض التي تتعلق بالتعليقات، ثم قال ورواه إبراهيم، إشعارًا بهذا الطريق الآخر، وهذا أيضًا تعليق لأن (خ) لم يدرك عصر إبراهيم لكنه نوع آخر منها فلا يكون فيه تأخير الإسناد وكذا لو قلنا (( وعن أبي هريرة ) )من تتمة كلام همام فلا يكون تأخيرًا أيضًا؛ لأنه حينئذ يكون مذكورًا للتقوية والتأكيد، ثم إن المحدثين كثيرًا يذكر الحديث أولًا ثم يأتي بالإسناد لكن الغالب عكسه، انتهى.
قوله (( يحثني ) )بحاء مهملة ثم مثناة ثم مثلثة، من الحثية، وهي الأخذ باليد، ويروى (( بحثين ) )، بالنون آخره قاله الزركشي في (( شرحه للبخاري ) )، وقال في (( المطالعة ) )قوله فحثا ويحثو ويحثى وأحث وأحث كله بمعنى اغرف بيدك.
قال ابن الأعرابي وأعلا اللغتين حتى يحثي، ويقال حفن وحثن وحفنة وحثنة، ومن الأول حثيه وحثوه وحثوا وحثيًا، وفي حديث أيوب (( يحتثن ) )، كذا للمروزي ولغيره (( يحتين [3] ) )بالياء وفي ثلاث حتيات ويروى (( حفنات ) )بالفتح، وهو الغرف ملئ اليدين، وقيل الحثية باليد، والحفنة باليدين، انتهى.
فإن قلت ما فائدة ضرب الحجر، ومن المعلوم أنه جماد غير حساس، قلت له أجور منها ما سبق أنه فعل فعل من لم يحسن فعومل معاملة من يحسن، وقيل إنما فعل ذلك موسى عليه السلام كسرًا لسورة غضبه؛ لأنه كان في خلقه حدة وشدة لا أنه فعله إيلامًا.
فإن قلت إذا كان علم موسى أن الحجر مأمور بذلك من الله تعالى سواء تأثر الحجر بالضرب أم لا فما فائدة الضرب؟ قلت ضربه لأنه أوجب انكشاف عورته الواجب سترها.
[1] في هامش المخطوط أقول قضية أيوب أيضًا تشكل فإنه حين ابتلي كان نبيًا مع بلائه وبلية أعضائه.
[2] في هامش المخطوط أقول كما في قوله تعالى ?ألست بربكم قالوا بلى? فلو قالوا نعم كفروا.
[3] في هامش المخطوط في (( ط ) ) (( يحتثي ) ).