فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
فيه
عن نافع كان ابن عمر يقول (( حلق رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجته ) ).
وعن مالك، عن نافع، عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (( اللهم ارحم المحلقين ) )، الحديث.
وقال عبيد الله .. إلى آخره.
حديث ابن عمر أخرجه (م) ، وكذا حديثه الثاني، وتعليق الليث وعبيد الله أسندهما (م) .
وحديث أبي هريرة أخرجه (م) أيضًا، وشيخ (خ) فيه (( عياش بن الوليد ) )بالمثناة والشين المعجمة، قيده ابن السكن بسين مهملة وباء موحدة، والصواب الأول كما نبه عليه الجياني.
وحديث ابن عباس، عن معاوية أخرجه (م) .
والأحاديث كلها دالة على أن هذه الواقعة كانت في حجة الوداع، كما أخرجه (م) ، من حديث أم الحصين أنها سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول ذلك في حجة الوداع.
وعند القاضي عياض يوم الحديبية حين أمرهم بالحلق، ويحتمل أنه قاله في الموضعين، وهو الأشبه؛ لأن جماعة من الصحابة توقفت في الحلق فيهما.
وقال ابن بطال هذا قاله صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية فيما رواه ابن إسحاق، عن الزهري، عن عروة، عن مروان بن الحكم والمسور بن مخرمة، كما ستعلمه إن شاء الله تعالى في بابه.
وذكر ابن إسحاق، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن عباس قال حلق رجال يوم الحديبية وقصر آخرون، فقال عليه السلام (( اللهم ارحم المحلقين ) )ثلاثًا، قيل يا رسول الله، ما بال المحلقين ظاهرت لهم في الترحم؟ قال (( لأنهم لم يشكوا ) ).
وهذا في ابن ماجه، وورد في بعض الأجزاء من حديث أبي سعيد أن أهل الحديبية حلقوا إلا عثمان وأبا قتادة، فاستغفر صلى الله عليه وسلم للمحلقين ثلاثًا وللمقصرين مرة.
وما أحسن قول بعض أهل الطريق في ذلك يكفي المقصر اسمه.
لا جرم كان الحلق أفضل بالإجماع، ولأنه أبلغ في العبادة، وأدل على صدق النية في التذلل، والمقصر مبق للزينة مناف لكونه أشعث أغبر، فأكد الحض عليه وهو ترك الزينة، ثم جعل للمقصر نصيبًا وهو الربع؛ لئلا يخيب أحدًا من أمته من صالح دعائه، ولما كانت العرب تعودت توفير الشعر، وكان الحلق فيهم قليلًا، وكانوا يرونه ضربًا من الشهرة فمالوا إلى التقصير، فدعا لمن امتثل أمره بالحلق.
ثم اختلف هل الحلاق واجب على الحاج والمعتمر أم لا؟ فقال مالك والشافعي في أصح قوليه وأحمد، ونقل عن أبي حنيفة هو نسك يجب على الحاج والمعتمر، وهو أفضل من التقصير، ويجب على من فاته الحج أو أحصر بعدو أو مرض، وهو قول جماعة من العلماء إلا في المحصر فإنهم اختلفوا هل هو من النسك؟
فقال أبو حنيفة ليس على المحصر تقصير ولا حلق، وهذا خلاف أمر الشارع أصحابه بالحديبية حين صد عن البيت بالحلاق ص 1693 وهم محصورون، فلا وجه لقوله وحاصل ما للشافعي وأصحابه في الحلق خمسة آراء ركن، واجب، سنة، مباح، ركن في العمرة، واجب في الحج.
وقال غيره من جعله نسكًا أوجب على تاركه الدم، ومن جعله من باب الإحلال؛ لأنه ممنوع منه بالإحرام فلا شيء على تاركه، ودعاء الشارع للمحلقين ثلاثًا دليل على أنه نسك، فلا وجه لإسقاطه عن المحصر، ولم يدع لهم على شيء من المباحات مثل اللباس والطيب، ودعاؤه لا ينفك عن الإجابة، وقد صح عنه صلى الله عليه وسلم أن لمن حلق رأسه بكل شعرة سقطت من رأسه نورًا يوم القيامة، أخرجه ابن حبان في (( صحيحه ) )، وهو صريح في كونه نسكًا يثاب عليه، وكذا قوله تعالى {محلقين رؤوسكم ومقصرين} [الفتح27] وصفهما من بين المباحات بالذكر، ولم يقل لابسين متطيبين فعلم أنه نسك وليس له حكم اللباس وغيره.
وقام الإجماع على أن النساء لا يحلقن وأن سنتهن التقصير؛ لأن حلق رأسها مثلة، فإن حلقت كره، وقيل حرم، وفي (ت) من حديث علي (( أنه عليه السلام نهى أن تحلق المرأة رأسها ) ).
ويستحب للمتمتع أن يقصر في العمرة، ويحلق في الحج، ليقع الحلق في أكمل العبادتين، ذكره النووي في (( شرح م ) )، وأطلق ذكره.
لكن الشافعي فصل في (( الإملاء ) )فقال إن أمكن أن يسود شعره يوم النحر حلق وإلا قصر.
والمشقص _ بكسر الميم _ النصل الطويل وليس بالعريض، قاله أبو عبيد. وقال ابن فارس وغيره هو سهم فيه نصل عريض.
وقال أبو عمر هو الطويل غير العريض. وقال أبو حنيفة الدينوري هو كل نصل فيه عير، وكل ناتئ في وسطه حديد فهو عير، ومنه عير الكتف والورقة.
وهذا الحديث يحتج به من يقول إنه عليه السلام كان في حجة الوداع متمتعًا؛ لأن المتمتع يقصر عند الفراغ من السعي، وقد جاء في بعض طرق هذا الحديث أن التقصير كان بالمروة، وهذا لا يصح أن يكون في حجة الوداع أصلًا؛ لأنه عليه السلام حلق رأسه فيها لا يختلف فيه.
ثم قيل إن هذا كان في بعض عمره، ولا يصح أن يكون في الحديبية؛ لأن الأصح أن معاوية أسلم يوم الفتح، ويشبه أن يكون في عمرة الجعرانة.
قال الشيخ أبو الحسن _ فيما حكاه ابن التين _ لعل فعل معاوية كان في عمرة الجعرانة التي اعتمر منصرفه من حنين، ومعناه أنه أخذ من شعره به.
وزعم ابن حزم أنه عليه السلام كان قد بقي في رأسه في حجة الوداع بعض شعر بعد الحلاقة، فأخذها معاوية بمشقص فقال قصرت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذا [1] .
قال القزاز العريض أولى أن يقص به، ولا معنى في التقصير لطوله، وفي الحديث (( أنه كوى أسعد بن زرارة بمشقص ) )فهذا يجوز أن يكون يراد به السهم الذي ليس بعريض؛ لأنه أوفى الكي.
وقال الداودي المشقص السكين.
وست مناسك في الحلق أن يشارط عليه، وأن يستقبل القبلة، وأن يبدأ بالجانب الأيمن، وأن يكبر ويدعو، وأن يدفن شعره.
وقال عطاء ويصلي عقبه ركعتين، ويبلغ به إلى العظمين اللذين عند منتهى الصدغين؛ لأنهما منتهى نبات الشعر؛ ليكون مستوعبًا لجميع رأسه.
وعند الكرماني [2] ، عن أبي حنيفة ص 1694 يبدأ بيمين الحالق ويسار المحلوق، وعند الشافعي يبدأ بيمين المحلوق.
وأقل الحلق ثلاث شعرات؛ لأنها أقل مسمى الجمع، وقام الإجماع على عدم وجوب الاستيعاب، وقيل يكفي عندنا شعرة [3] ، وحكى الأبهري وغيره عن مالك أنه لا يجزئ حلق بعض الرأس دون استيعابه.
وعبارة ابن الحاجب ولا يتم نسك الحلق إلا لجميع الرأس، والتقصير مغن، وسنته في الرجل أن يجز من قرب أصوله، وأقله أن يأخذ من جميع الشعر فإن اقتصر على بعضه فكالعدم، فإن لم يمكن لتصميغ أو يسارة أو عدم تعين الحلق.
وقال في المرأة تأخذ قدر الأنملة أو فوقها أو دونها قليلًا، والنورة تجزئ. هذا آخر كلامه.
قال مالك ولا بد أن يعم طويله وقصيره كالمسح في الوضوء. وعند أبي حنيفة الواجب مقدار الربع.
قال ابن المنذر وأجمع أهل العلم على أن التقصير يجزئ إلا أنه يروى عن الحسن أنه كان يوجب الحلق في أول حجة حجها، وهذا غير جيد، قال الله تعالى {محلقين رؤوسكم ومقصرين} [الفتح27] .
وعندنا يدخل وقت الحلق بنصف ليلة النحر، ولا آخر لوقته، وعند المالكية يدخل من طلوع الفجر، والحلق بمنى يوم النحر أفضل، قالوا ولو أخره حتى بلغ بلده حلق أو أهدى، فلو وطئ قبل الحلق فعليه هدي.
وقال ابن قدامة يجوز تأخير [ه] إلى آخر أيام النحر.
وفي رواية ابن عمر (( ارحم ) )، وفي رواية أبي هريرة (( اغفر ) )فلعله دعا مرة بهذا، ومرة بهذا.
وهذا أولى من قول ابن التين إما أن يكون قال مرة (( اغفر ) )، ومرة (( ارحم ) )، أو وهم في أحدهما، أو رواهما الراوي بالمعنى.
فائدة روى ابن أبي شيبة، عن ابن عمر أنه ضحى بالمدينة وحلق رأسه، وكان الحسن يحلق رأسه يوم النحر بالبصرة.
وقال ابن عون قلت لمحمد كانوا يستحبون أن يأخذ الرجل من شعره يوم النحر؟ قال نعم.
[1] في هامش المخطوط (( أقول ما قاله ابن حزم مشكل؛ لأنه يصير من باب القزع، وهو منهي عنه، فلا يجوز أن يفعله النبي صلى الله عليه وسلم وقد نهى عنه ) ).
[2] في هامش المخطوط (( أقول هذا الكرماني ليس والدي، وإنما هو أحد أجداد والدي وهو صفي الدين، وله تآليف مفيدة بين الحنفية ) ).
[3] في هامش المخطوط (( أقول وكذلك في مسح الرأس في الوضوء يجزئ شعرة ) ).