فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
فيه حديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (( ينزل ربنا .. ) )الحديث.
الهجوع نوم الليل خاصة. وقيل في معنى الآية قل ليلة تمر ص 1237 عليهم لم يصيبوا فيها خيرًا.
قوله (( أي ينامون ) )هو ما فسره به جماعات. قال إبراهيم قليلًا ما ينامون.
وقال الضحاك قليلًا من الناس. وقال الحسن يصلون طويلًا ما ينامون. وعن الحسن كانوا يتنفلون بين العشاء والعتمة.
فعلى قول إبراهيم يجوز أن تكون ما زائدة أو مصدرًا مع ما بعدها، وهو قول أهل اللغة. وعلى قول أنس والحسن ما نافية. وعلى قول الضحاك هذا الصنف قليل من الناس.
وحديث أبي هريرة أخرجه (م) والأربعة، ويأتي في الدعوات والتوحيد.
قال ابن الجوزي حديث النزول رواه جماعة منهم أبو بكر وعلي وابن مسعود وعائشة في آخرين.
والحديث ليس فيه إلا ذكر الصلاة؛ لأنها محل الدعاء والاستغفار والسؤال، وترجم له في الدعاء باب الدعاء نصف الليل.
ومراده النصف الأخير. فإنه قال حين يبقى ثلث الليل الآخر.
قوله (( ينزل ) )هو بضم أوله، من أنزل.
قال ابن فورك ضبط لنا بعض أهل النقل هذا الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم، بضم الياء من ينزل، وذكر أنه ضبط عمن سمع منه من الثقات الضابطين.
وكذا قال القرطبي قد قيده بعض الناس بذلك فيكون معدى إلى مفعول محذوف؛ أي ينزل الله ملكًا.
قال والدليل على صحة هذا ما رواه (ن) من حديث الأغر عن أبي هريرة وأبي سعيد قالا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( إن الله عز وجل يمهل حتى يمضي شطر الليل الأول، ثم يأمر مناديًا يقول هل من داع فيستجاب له ) )الحديث. وصححه عبد الحق.
وجاء هنا (( حين يبقى ثلث الليل الآخر ) ).
أخرجه (خ) في ثلاثة مواضع من (( صحيحه ) )، وأخرجه (م) بألفاظ أحدها هذا.
ثانيها (( حين يمضي ثلث الليل الأول ) ).
ثالثها (( شطر الليل أو ثلث الليل الآخر ) ).
وذكر (ت) أن الرواية الأولى أصح، وصححه غيره، فذكر القاضي عياض أن النزول عند مضي الثلث الأول. و (( من يدعوني ... ) )إلى آخره في الثلث الآخر.
وقال النووي يحتمل أن الشارع أعلم بالأول فأخبر به ثم بالثاني فأخبر به، فسمع أبو هريرة الخبرين فنقلهما، وأبو سعيد خبر الثلث الأول فأخبر به مع أبي هريرة.
وقال ابن حبان في (( صحيحه ) )صح (( حين يمضي شطر الليل أو ثلثاه ) )، و (( حين يبقى ثلث الليل الآخر ) )، و (( حتى يذهب ثلث الليل الأول ) )، فيحتمل أنه في بعض الليالي حين يبقى ثلث الليل الآخر، وفي بعضها حين يبقى ثلث الليل الأول.
وأهل البدع يحملونها إذا وردت في القرآن على التأويل الصحيح ويأتون من جمل الأخبار على مثل ذلك جحدًا منهم لسنة المصطفى صلى الله عليه وسلم، واستخفافًا بذوي النهى الناقلين، {ويأبى الله إلا أن يتم نوره} [التوبة32] .
ولا فرق بين الإتيان والمجيء والنزول إذا أضيف إلى جسم يجوز عليه الحركة والنقلة التي هي تفريغ مكان وشغل غيره، فإذا أضيف ذلك إلى من لا يليق به الانتقال والحركة كان تأويل ذلك على حسب ما يليق بنعته وصفته تعالى، فالنزول لغة يستعمل لمعان خمسة مختلفة
1 بمعنى الانتقال {وأنزلنا من السماء ماء} [الفرقان48] .
2 الإعلام {نزل به الروح الأمين} [الشعراء193] أي أعلم به الروح الأمين محمدًا صلى الله عليه وسلم.
3 بمعنى القول {سأنزل مثل ما أنزل الله} [الأنعام93] أي سأقول مثل ما قال.
4 الإقبال على الشيء، وذلك مستعمل في كلامهم جار في عرفهم، يقولون نزل فلان من مكارم الأخلاق إلى دنيها. أي أقبل إلى دنيها ونزل قدر فلان عند فلان إذا انخفض.
5 بمعنى ص 1238 نزول الحكم، من ذلك قولهم كنا في خير وعدل حتى نزل بنا بنو فلان؛ أي حكمهم.
وذلك كله متعارف عند أهل اللغة. وإذا كانت مشتركة المعنى وجب حمل ما وصف به الرب جل وعلا من النزول على ما يليق به من بعض هذه المعاني.
ويحتمل أن يكون ذلك فعلًا يظهر بأمره فيضاف إليه كما يقال ضرب الأمير اللص، وإنما أمر بذلك فيضاف إليه الفعل كما مضى أنه عن أمره ظهر، وإذا احتمل ذلك في اللغة لم ينكر أن يكون لله ملائكة يأمرهم بالنزول إلى السماء الدنيا بهذا الدعاء والنداء فيضاف ذلك إلى الله تعالى.
وذكر حديث كاتب مالك عنه أنه قال في هذا الخبر ينزل أمره ورحمته، وقد رواه مطرف أيضًا عنه، وأنكر بعض المتأخرين هذا اللفظ، فقال كيف يفارقه أمره؟.
وهذا كلام من اعتقد أنه أمره القديم، وليس كذلك، وإنما المراد ما أشرنا إليه، وهو ما يحدث عن أمره، وحكي عن بعض السلف في هذا الحديث وشبهه الإيمان بها وإجراؤها على ظاهرها، ونفي الكيفية عنها.
فصارت مذاهب العلماء في هذا الحديث وشبهه ثلاثة
فرقة قائلة بالتأويل محتجين بالحديث الآخر (( إذا تقرب إلي باعًا ) ).
وفرقة قالت بالوقف عن جميعها. وفرقة قالت بالتأويل في بعضها.
سئل مالك في (( العتبية ) )عن الحديث الذي جاء في جنازة سعد بن معاذ في العرش قال لا يتحدث به، وما يدعو الإنسان إلى أن يتحدث به، وهو يرى ما فيه من التغرير؟!
وحديث (( إن الله خلق آدم على صورته ) ). وحديث الساق.
قال ابن القاسم لا ينبغي لمن يتقي الله أن يتحدث بمثل هذا.
قيل له فالحديث الذي جاء إن الله تعالى يضحك. فلم يره من هذا وأجازوه، وكذلك حديث النزول.
ويحتمل أن يفرق بينهما من وجهين
أحدهما أن حديث النزول والضحك صحيحان لا طعن فيهما، وحديث اهتزاز العرش قد سلف الإنكار عليه والمخالفة فيه من الصحابة.
وحديث الصورة والساق ليس تبلغ أسانيدهما في الصحة درجة حديث النزول.
والثاني أن التأويل في النزول أبين وأقرب، والعذر بسوء التأويل فيها أبعد.
وفي الحديث أن آخر الليل أفضل للدعاء والاستغفار، قال تعالى {وبالأسحار هم يستغفرون} [الذاريات18] وروى محارب بن دثار، عن عمه، أنه كان يأتي المسجد في السحر ويمر بدار ابن مسعود، فيسمعه يقول اللهم إنك أمرتني فأطعت ودعوتني فأجبت، وهذا سحر فاغفر لي.
فسئل ابن مسعود عن ذلك فقال إن يعقوب أخر نيته إلى السحر بقوله {سوف أستغفر لكم ربي} .
وروى الجريري أن داود عليه السلام سأل جبريل، أي الليل أسمع؟ فقال لا أدري غير أن العرش يهتز في السحر.
وقوله (( أسمع ) )يريد أنها أرفع للسمع، والمعنى أنها أولى بالدعاء وأرجى للاستجابة.
قال والدي رحمه الله تعالى
قوله (( ما يهجعون ) )أي ينامون وما مزيدة و (( قليلا ) )ظرف أو صفة للمصدر؛ أي هجوعًا قليلًا أو مصدرية أو موصولة أي كانوا قليلًا من الليل هجوعهم أو ما يهجعون وارتفاعه بقليلًا على الفاعلية.
قوله (( الأغر ) )بإعجام الغين وشدة الراء.
سلمان الجهني وهو مشهور بالأغر ولم يكتف (خ) به بل كناه أيضًا ليمتاز عن الأغر أبي مسلم.
قال الغساني الأغر أبو عبد الله والأغر أبو مسلم رجلان ومن أهل العلم من جعلهما واحدًا لروايتهما عن أبي هريرة حديث ص 1239 النزول.
قوله (( ينزل ربنا ) )فإن قلت النزول هو انتقال الجسم من فوق إلى تحت والله منزه عنه فما معناه. قلت هو من المتشابهات فالمفوضة يؤمنون بها ويفوضون تأويله إلى الله مع الجزم بتنزيهه عن صفات النقصان والمؤولة يؤولونها على ما يليق بها بحسب المواطن، وأولوا هذا الحديث بوجهين بأن معناه ينزل أمره أو ملائكته وبأنه استعارة ومعناه التلطف بالداعين والإجابة لهم.
الخطابي هذا الحديث من أحاديث الصفات مذهب السلف فيه الإيمان بها وإجراؤها على ظاهرها ونفي الكيفية عنه.
{ليس كمثله شيء وهو السميع البصير} قال أما ابن المبارك حين قال له رجل كيف ينزل الله قال له بالفارسية توكد خداي كار خويش كن ينزل كما نسا [1] .
القاضي البيضاوي لما ثبت بالقواطع العقلية أنه منزه عن الجسمية والتحيز امتنع عليه النزول على معنى الانتقال من موضع أعلى إلى ما هو أخفض منه، فالمراد دنو رحمته وقد روي يهبط الله من السماء العليا إلى السماء الدنيا؛ أي ينتقل من مقتضى صفات الجلال التي تقتضي الأنفة من الأراذل وقهر الأعداء والانتقام من العصاة إلى مقتضى صفات الإكرام المقتضية للرأفة والرحمة والعفو.
قوله (( تبارك وتعالى ) )جملتان معترضتان بين الفعل وظرفه لما أسند ما لا يليق إسناده بالحقيقة إلى الله أي بما يدل على التنزيه على سبيل الاعتراض.
قوله (( الآخر ) )بالرفع صفة للثلث والتخصيص بالثلث؛ لأنه وقت التعرض لنفحات رحمة الله لأنه زمان عبادة أهل الإخلاص.
فإن قلت ما الفرق بين الدعاء والسؤال قلت المطلوب إما لدفع غير الملائم، وإما لجذب الملائم وذلك إما دنيوي أو ديني والاستغفار هو طلب ستر الذنب إشارة إلى الأول، والسؤال إلى الثاني والدعاء إلى الثالث أو الدعاء لا طلب فيه نحو قولنا يا الله يا رحمن والسؤال هو الطلب إذ المقصود واحد واختلاف العبارات لتحقيق القضية وتأكيدها [2] .
الزركشي
(( ينزل ) )بفتح أوله وهو نزول معنوي بمقتضى رحمته ومزيد لطفه على عباده، وقيده بعضهم بضم أوله من أنزل فيكون معدى إلى مفعول محذوف؛ أي ملكًا والرواية الأولى محمولة عليها على حذف مضاف كقوله تعالى {واسأل القرية} .
ويؤيده رواية (ن) أمر الله ملكًا ينادي. قال صاحب (( المفهم ) )وبهذا يرتفع الإشكال.
قلت لكن روى ابن حبان في (( صحيحه ) )ينزل الله إلى السماء الدنيا فيقول لا أسأل عن عبادي غيري حين يبقى ثلث الليل الآخر بضم الآخر صفة لثلث فأستجيب له.
قال أبو البقاء الجيد نصب هذه الأفعال على تقدير مبتدأ؛ أي فأنا أعطيه فأنا أثنيه.
[1] في هامش المخطوط (( أقول معناه بالعربية أنت دبر أمر نفسك ) ).
[2] في هامش المخطوط (( أقول قال ابن العربي ينزل ويجيء ويأتي وما أشبه ذلك من الألفاظ التي لا تجوز على الله في ذاته معانيها فإنها ترجع إلى أفعاله وهنا نكتة وهي أن أفعالك أيها العبد إنما هي في ذاتك وأفعال الله لا يجوز أن تكون في ذاته ولا ترجع إليه وإنما تكون في مخلوقاته ) ).