فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
وقال عمر رضي الله عنه صيده ما اصطيد، إلى آخره ثم ساق حديث العنبر من طريق ابن جريج وسفيان، عن عمرو، عن جابر.
في الآية المذكورة خمسة أقوال
أحدها قول عمر (طعامه ما رمى به) والهاء في (طعامه) عائدة على البحر، وكذلك في قول ابن عباس طعامه ما ردع؛ لأنه ينبت. وكذلك قول سعيد بن جبير طعامه الملح منه ما كان طريا، وقيل طعامه أكله، فالهاء في (طعامه) على الصيد؛ لأنه كان يجوز أن يحل لنا صيد دون أكله ونحن حرم، وكذلك في قولة من قال (طعامه) طعام الصيد، أي قد أحل لنا ما نجد في جوفه من حوت أو ضفدع.
ونقل ابن بطال عن ابن عباس طعامه ما لفظه فألقاه ميتا. وقال ابن عباس أشهد على الصديق لسمعته يقول السمكة الطافية حلال لمن أكلها، وقال عن عمر وزيد بن ثابت وعبد الله بن (عمر) وأبي هريرة رضي الله عنه مثل قول ابن عباس في تأويل الآية، ثم روى القول الآخر عن ابن عباس فقال وروي عن ابن عباس قول آخر (طعامه) مملوحه. وقال عن سعيد بن المسيب والنخعي ومجاهد وابن جبير مثله، ومن قال (طعامه) مملوحه، كره أكل ما طفا منه، وروي ذلك عن جابر وابن عباس وعن طاووس وابن سيرين والكوفيين لا يؤكل الطافي إذا مات حتف أنفه ولفظه البحر ميتا ولا يؤكل من البحر غير السمك. وقال مالك يؤكل كل حيوان في البحر، وهو حلال حيا كان أو ميتا وابن حزم قال سواء وجد حيا أو ميتا طفا أو لم يطف أو قتله حيوان بري أو بحري، أو مجوسي، أو وثني، أو غيرهما، وسواء خنزير الماء وإنسانه أو كلبه حلال وخالف في ذلك أبو حنيفة وقاله أيضا الليث، وأجاز الشافعي خنزير الماء، وكرهه مالك
وحديث الباب حجة على الكوفيين ومن وافقهم؛ لأن أبا عبيدة في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أكلوا الحوت الذي لفظه البحر ميتا، ولا يجوز أن يخفى عليهم وجه الصواب في ذلك وأكلوا الميتة وهم ثلاثمائة رجل.
وقال بعض المالكية إنهم لم يأكلوه على وجه ما يؤكل عليه الميتة عند الضرورة إليها،
وقوله ( {أحل لكم صيد البحر} ) يقتضي عمومه إباحة كل ما في البحر من جميع الحيوان حوتا كان أو غيره مما يصطاد خنزيرا كان أو كلبا ويشهد لذلك الحديث المشهور (( هو الطهور ماؤه الحل ميتته ) )أخرجه الترمذي والبخاري وابن خزيمة وابن حبان وابن السكن، وأخرجه أحمد وابن ماجه وابن حبان من حديث جابر، وهذا أصح ما في الباب.
فأطلق على جميع ميتته وأباحها؛ فسقط قول الكوفيين، ويزيل ما قد يتوهم أن الشارع قد أكل منه في المدينة بعد ما قدموا وأخبروه بذلك كما سيأتي، وقد قال الصديق كل دابة في البحر فقد ذكاها الله لكم. ولم يخص ولا مخالف له، وأيضا فإن البحر لما عفي عن الذكاة فيما يخرج منه عفي عن مراعاة صورها، وبعضها كصور الحيات، وأيضا فإن اسم سبع وكلب وخنزير لا يتناول حيوان الماء؛ لأنك تقول خنزير الماء، ص 4049 وكلب الماء بالإضافة، وكذلك الجري داخل في صيد البحر، ولم يرو كراهيته إلا عن علي بإسناد لا يصح، وأجازه الكوفيون؛ لأنه داخل في عموم السمك وحرموا الضفادع، وبه قال الشافعي.
وأثر أبي بكر رضي الله عنه الطافي حلال. أخرجه ابن أبي شيبة، بسنده عن ابن عباس والطافي ما على على الماء ولم يرسب، وهو غير مهموز من طفا يطفو.
وأثر ابن عباس طعامه ميتته. أخرجه ابن أبي شيبة، بسنده عن محمد بن كعب عنه وذكر قوله تعالى {والجري لا تأكله اليهود} . هو بفتح الجيم كما ذكره عياض، وفيه الكسر أيضا، وبه ضبطه الدمياطي بخطه، وهو ما لا قشر له من الحوت وهذا عن ابن عباس أيضا أخرجه ابن أبي شيبة بسنده عن عكرمة سئل ابن عباس عن الجري، فقال لا بأس به إنما يحرمه اليهود ونحن نأكله.
وعن علي بن أبي طالب وذكر الجري كثير طيب يشبع العيال. وفي لفظ آخر نأكله ولا نرى به بأسا، وعنه أنه كرهه.
وعن إبراهيم لا بأس به وعليك بأذنابه.
وقال عطاء لما سئل عن الجري كل ذنب سمين منه.
وإلى أكله ذهب مالك وأصحابه وقال ابن حبيب أنا أكرهه؛ لأنه يقال إنه من المسوخ. وفي (( الغريبين ) )الجري الجريث أراه الحوت هو المرماهي وهو نوع من السمك.
قال الأزهري المارماهي بالفارسية، وهي لغة في الجريث وهو نوع من السمك يشبه الحيات، وقيل سمك لا قشر له. والأنقليس شبه الحيات رديء الغذاء، وهي المارماهي بالفارسية والسلور مثله.
وقوله (( وقال شريح صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم ) )إلى آخره أخرجه أبو نعيم في كتاب (( الصحابة ) )بسنده عن أبي الزبير، عن شريح بن أبي شريح الحجازي وكان من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( إن الله جل وعز ذبح ما في البحر لبني آدم ) ). قال أبو نعيم كذا رواه خالد، عن أبي عاصم مرفوعا، ورواه مسدد، عن يحيى بن سعيد، عن ابن جريج موقوفا،
وقال الجياني هذا التعليق لم يكن في رواية أبي زيد وأبي أحمد وأبي علي، وفي أصل أبي محمد وقال (أبو) شريح. وهو وهم، والحديث محفوظ لشريح لا لأبي شريح وكذا ذكره البخاري في (( تاريخه ) )وهذا شريح صحابي كما جزم به البخاري حجازي روى عنه أبو الزبير وعمرو بن دينار سمعاه يحدث عن أبي بكر الصديق قال كل شيء في البحر مذبوح، ذبح الله لكم كل دابة خلقها في البحر. قال أبو الزبير وعمرو بن دينار وكان شريح هذا قد أدرك النبي صلى الله عليه وسلم.
قال أبو حاتم له صحبة. وذكره في (( الاستيعاب ) )ولا يعرف له غيره.
وأثر عطاء أما الطير فأرى أن يذبحه. أخرجه ابن منده في (( الصحابة ) )إثر حديث شريح المتقدم وقول ابن جريج، عن عطاء أخرجه أبو قرة، موسى بن طارق السكسكي في (( سننه ) )عنه.
والقلات بالمثناة فوق النقرة في الصخرة، ذكره في (( المجمل ) ). وفي (( الصحاح ) )نقرة في الجبل يستنقع فيها الماء إذا نضب السيل. وعبارة ابن التين والقلات جمع قلت، كبحر وبحار. وإنما أراد ما ساق السيل من الماء وبقي في الغدر الصغار، وكان فيها حيتان.
(وركب الحسن .. ) على ما ذكر، لا يحضرني وكذا أثر الشعبي في الضفدع. وفي أبي داود والنسائي و (( مستدرك الحاكم ) )، وقال صحيح الإسناد من حديث عبد الرحمن بن عثمان بن عبيد الله التيمي الصحابي، وهو ابن أخي طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه قال ذكر طبيب عند رسول الله صلى الله عليه وسلم دواء وذكر الضفدع يجعل فيه، فنهى النبي صلى الله عليه وسلم عن قتل الضفدع، قال البيهقي وهذا أقوى ما روي في النهي عن قتله.
قال الدارمي فيكره أكله إذ نهي عن قتله؛ وأن أكل من ... قيل فهو ميتة
لم يبين الشعبي ص 4050 هل تذكى الضفادع أم لا؟ واختلف مذهب مالك في ذلك
ذكر الجاحظ في (( الحيوان ) )في النهي عن قتلها من حديث ابن المسيب عن عبد الرحمن بن عثمان التميمي أنه عليه السلام نهى عن قتلها، ومن حديث زرارة أنه سمع عبد الله بن عمرو يقول لا تسبوا الضفادع فإن أصواتها تسبيح. وفي لفظ فإن نقيقهن تسبيح. قال والضفدع لا يصيح ولا يمكنه الصياح حتى يدخل حنكه الأسفل في الماء، وهي من الحيوان الذي يعيش في الماء ويبيض في الشط مثل الرق والسلحفاة وأشباه ذلك، وهي تنق فإذا أبصرت النار أمسكت، وهي من الحيوان الذي يخلق من أرحام الحيوان، ومن أرحام الأرضيين إذا لقحتها المياه، وأما قول من قال إنها من السحاب فكذب، وهي لا عظام لها، وتزعم الأعراب في خرافاتها أنها كانت ذا ذنب وأن الضب سلبه إياه، وتقول العرب لا يكون ذلك حتى يجمع بين الضب والنون. وحتى يجمع بين الضفدع والضب. والضفدع أجحظ الخلق عينا ويصبر عن الماء الأيام الصالحة وهي تعظم ولا تسمن كالأرنب. والأسد ينتابها في الشرائع فيأكلها أكلا شديدا، والحيات تأتي مناقع الماء لطلبها ويقال له ينق ويهدر.
حكى ابن سيده فيه كسر الدال وفتحها مع كسر الضاد وقال هما فصيحتان والأنثى ضفدعة. وفي (( الصحاح ) )وناس يقولون ضفدع بفتح الدال، وقد زعم الخليل أنه ليس في الكلام فعلل إلا أربعة أحرف درهم، وهجرع وهو الطويل وهبلع وقلعم وهو اسم جبل وهو الأكول، زاد غيره الضفدع، وجزم صاحب (( ديوان الأدب ) )بكسر الضاد والدال، وحكى ابن السيد في (( الاقتضاب ) )ضم الضاد وفتح الدال، وهو نادر، وحكى ابن دحية ضمهما.
قوله (ولم ير الحسن بالسلحفاة بأسا) هذا الأثر أخرجه ابن أبي شيبة، وزعم ابن حزم أنها لا تحل إلا بذكاة وأكلها حلال بريها وبحريها وروى محمد بن دينار، عن مالك لا تؤكل إلا بذكاة، وأما أبو حنيفة فكره أكلها، وقال مقاتل إنها من المسوخ.
هي بفتح اللام كما ذكره في (( الصحاح ) )وقدم ذلك في (( المحكم ) )وحكي إسكانها وحكي إسقاط الهاء، وقال إنها من دواب الماء، وقيل هي الأنثى من الغيالم. وحكى الرؤاسي سلحفية مثال بلهنية وهو ملحق بالخماسي بألف،
وأما قول ابن عباس (كل من صيد البحر .. ) إلى آخره، فهو قول جمهور العلماء؛ لأن طعام البحر ميتة ولا يحتاج فيه إلى ذكاة، وقال الحسن فيما ذكره سعيد بن منصور، عن إسماعيل بن عياش، عن عبيد الله ابن عبيد الكلاعي، عن سليمان بن موسى عنه أدرك سبعين رجلا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كلهم يأكل صيد المجوسي الحيتان، وما (يتخلى) في صدورهم منه شيء، وروي ذلك عن عطاء والنخعي، وهو قول الأربعة والأوزاعي وإسحاق وأبي ثور، وقول ابن عباس (كل من صيد البحر) يؤخذ منه أن صيد البر لا يؤكل إن صادوه وقول أبي الدرداء (ذبح الخمر النينان والشمس) كذا ذكره معلقا بصيغة الجزم، وابن أبي شيبة أخرجه من طريق مكحول عنه، ولم يسمع منه، وروي عن مكحول بإسناد جيد أنه كان يكره المري يجعل فيه الخمر. قال أبو ذر إذا طرحت النينان في الخمر ذبحته وحولته وصار مريا، وكذلك إذا ترك في الشمس، وكذا قال ابن أبي صفرة ومعناه أن الخمر تطرح في الحيتان والشمس ذكاة الخمر وذبحها الذي يحللها ص 4051 ويحتج به من يجوز تخليل الخمر، وقد سبق في البيوع ما فيه، وقال الحريمي هو مري يعمل بالشام يؤخذ الخمر فيجعل فيها الملح والسمك ويوضع في الشمس فيغير طعمه إلى طعم المري، يقول كما أن الميتة والخمر حرامان والتذكية تحل الميتة بالذبح فكذلك الملح.
والنينان، بكسر النون الأولى ثم مثناة تحت ثم نون أخرى ثم ألف ثم نون، جمع نون وهو الحوت، كعود وعيدان.
والمزي، بضم الميم وسكون الراء. وفي (( الصحاح ) )المري الذي يؤتدم كأنه منسوب إلى المرارة والعامة تخففه وسئل الحافظ أبو موسى المديني عنه فقال عبر عن قوة الملح والشمس وغلبتهما على الخمر وإزالتهما طعمهما وريحها بالذبح، وإنما ذكر النينان دون الملح؛ لأن المقصود من ذلك هي دون الملح وغيره الذي فيها، ولا يسمى المعمول من ذلك إلا باسمها دون ما أضيف إليها، ولم يرد به أن النينان وحدها هي التي حللته.
وذهب البخاري إلى ظاهر اللفظ وأورده في طهارة صيد البحر وتحليله مريدا أن السمك طاهر حلال، وأن طهارته وحله يتعدى إلى غيره كالملح حتى تصير (الخمر) الحرام النجسة بإضافته عليها طاهرة حلالا، وكان أبو الدرداء ممن يفتي بتحليل تخليل الخمر، وقال إن السمك بالآلة التي أضيفت إليه من الملح وغيره قد غلب على ضراوة الخمر التي كانت فيها وزال شدتها، كما أن الشمس تؤثر في تخليلها فصار خلا لا بأس به، فالخمر مفعول مقدم، والنينان والشمس فاعلان له.
ومعناه أن أهل الريف بالشام وغيرها قد يعجنون المري بالخمر وربما يجعلون فيه أيضا السمك المري بالملح والأبزار نحو ما يسمونه (الصحناء) ، إذ القصد من المري وأكله هضم الطعام، فيضيفون إليه كل ثقيف وحريف ليزيد في جلاء المعدة واستدعاء الطعام بثقافته وحرافته، وكان أبو هريرة وأبو الدرداء وابن عباس وغيرهم من التابعين يأكلون هذا المري المعمول بالخمر ولا يرون به بأسا ويقول أبو الدرداء إنما حرم الله الخمر بعينها وسكرها، وما ذبحته الشمس والملح فنحن نأكله لا نرى به بأسا.
حديث العنبر سلف في المغازي، وكان أميرهم أبو عبيدة كما ذكره هنا أيضا، وهو ثابت في مسلم وغيره، ووقع في كتاب (( الأطعمة ) )لابن أبي عاصم من حديث جابر أن الأمير عليهم يومئذ قيس بن سعد بن عبادة وهو عجيب، فإنه الذي ذبح لهم عند المخمصة جزورا بعد جزور فقط وهو المشار إليه في البخاري وكان فينا رجل، فلما اشتد بنا الجوع نحر ثلاث جزائر .. إلى آخره.
من الأحاديث الضعيفة ما أخرجه الدار قطني وضعفه عن جابر رضي الله عنه مرفوعا (( كلوا ما حسر عنه البحر، وما ألقاه، وما وجدتموه طافيا فوق الماء أو ميتا فلا تأكلوه ) )،
وقال عبد الحق إنما يرويه الثقات من قول جابر وإنما أسنده من وجه ضعيف.
وسلك الطحاوي مسلكا ليس بجيد فطعن في حديث أبي هريرة السالف (( الحل ميتته ) )فقال ذهب الشافعي ومالك إليه وهو حديث قد اضطرب في إسناده اضطرابا لا يصلح الاحتجاج به.
كذا قال،
قال ابن رشد والصواب في هذا ما ذهب إليه مالك، ويحمل ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من النهي عن أكل الطافي وعمن روى ذلك ص 4052 عنه من الصحابة على الكراهة دون التحريم، فتتفق الأقوال.
قوله في حديث جابر (نرصد عيرا لقريش) هو بفتح النون من نرصد أي نرقب، وأرصد رباعي إذا أعد شيئا.
وقوله (نحر ثلاث جزائر) هو جمع جزور.