فهرس الكتاب

الصفحة 60 من 3844

42 -باب قول النبي صلى الله عليه وسلم (( الدين النصيحة لله ولرسوله ولأئمة المسلمين ) )إلى آخره

هذا الحديث خرجه (خ) هنا كما ترى، وفي كتاب البيوع بلفظ والسمع والطاعة والنصح لكل مسلم، وأخرجه (م) بلفظين أحدهما كلفظ (خ) الأول، والثاني بلفظ فلقيني والنصح لكل مسلم.

ورجال السند مسدد، ويحيى، وإسماعيل سلفوا.

وجرير هو أبو عبد الله أو أبو عمرو جرير بن عبد الله بن جابر بن مالك بن نصر بن ثعلبة البجلي الأحمسي بالحاء والسين المهملتين الكوفي.

وبجيلة قبيلة معروفة نسبوا إلى بجيلة بنت صعب بن سعد العشيرة. قال ابن إسحاق جرير سيد قبيلته. يعني بجيلة. قال وبجيلة بن أنمار بن نزار بن معد بن عدنان.

نزل جرير الكوفة، ثم تحول إلى قرقيسيا وبها توفي سنة إحدى وخمسين. وقيل غير ذلك. له مائة حديث اتفقا منها على ثمانية، وانفرد (خ) بحديث و (م) بستة، كذا في شرح للشيخ قطب الدين، وفي شرح النووي روي له (( مائتا ) )حديث، انفرد (خ) بحديث، وقيل بستة. ولعل صوابه و (م) بستة.

كان قدومه على رسول الله صلى الله عليه وسلم سنة عشر في رمضان، فبايعه وأسلم، وقيل أسلم قبل وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم بأربعين يومًا، وكان يصلي إلى سنام البعير، وكانت نعله ذراعًا، واعتزل الفتنة، وكان يدعى يوسف هذه الأمة لحسنه.

روى عنه بنوه عبد الله، والمنذر، وإبراهيم، وابن ابنه أبو زرعة هرم، ومناقبه جمة، منها أن وكيله اشترى له فرسًا بثلاثمائة، فتخيل جرير أنها تساوي أربعمائة، فقال لصاحبها أتبيعها بأربعمائة؟ قال نعم. ثم تخيل أنها تساوي خمسمائة قال أتبيعها بخمسمائة؟ قال نعم.

فلم يزل كذلك حتى اشتراها منه بثمانمائة وقال بايعت رسول الله على النصح لكل مسلم.

فائدة

ليس في الصحابة جرير بن عبد الله البجلي إلا هذا، وفيهم جرير بن عبد الله الحميري فقط. وفيهم جرير بن الأرقط، وفيهم جرير بن أوس الطائي ص 261 وقيل خريم، وجرير أو أبو جرير.

والراوي عنه هو أبو عبد الله قيس بن أبي حازم. واسم أبي حازم عبد عوف بن الحارث، ويقال عوف بن عبد الحارث بن عوف الأحمسي البجلي الكوفي التابعي المخضرم.

أدرك الجاهلية، وجاء ليبايع النبي صلى الله عليه وسلم فقبض وهو في الطريق ووالده صحابي سمع خلقًا من الصحابة منهم العشرة المشهود لهم بالجنة، وليس في التابعين من يروي عنهم غيره. وقيل لم يسمع عبد الرحمن بن عوف، وعنه جماعة من التابعين، وجلالته متفق عليها.

ومن طرف أحواله أنه روى عن جماعة من الصحابة لم يرو عنهم غيره منهم أبوه، ودكين بن سعد وغيرهما. مات سنة أربع، وقيل سبع وثمانين، وقيل ثمان وتسعين.

والإسناد الثاني فالراوي عن جرير زياد وهو أبو غالب زياد بن علاقة بكسر العين المهملة بن مالك الثعلبي بالمثلثة الكوفي، سمع جريرًا وعمه قطبة بن مالك وغيرهما من الصحابة، وعنه جماعات من التابعين منهم الأعمش، وكان يخضب بالسواد، وثقوه.

والراوي عنه هو أبو عوانة بفتح المهملة الزجاج بن عبد الله اليشكري الواسطي سلفت ترجمته.

والراوي عنه هو أبو النعمان محمد بن الفضل السدوسي البصري المعروف بعارم وكان بعيدًا منه، لأن العرامة الشراسة والفساد، يقال عرم يعرم عرامة بالفتح وصبي عارم؛ أي شرس بين العرامة بالضم. قاله الجوهري.

سمع ابن المبارك وخلائق، وعنه البخاري وغيره من الأعلام.

وكان سليمان بن حرب يقدمه على نفسه إذا خالفه في شيء رجع إلى ما يقول عارم.

وقال عبد الرحمن سمعت أبي يقول اختلط أبو النعمان آخر عمره وزال عقله، فمن سمع منه قبل الاختلاط فسماعه صحيح، وكتب عنه قبل الاختلاط سنة أربع عشرة.

وقد سلف أن (خ) روى عنه بغير واسطة، وروى (م) عنه بواسطة والأربعة. مات سنة أربع وعشرين ومائتين.

ذكر (خ) في الباب ثلاثة أحاديث حديثين مسندين عن جرير، والثالث حديث (( الدين النصيحة ) )ذكره معلقًا، وقد أخرجه (م) في (( صحيحه ) )مسندًا.

قوله النصح هو نقيض الغش. نصح له ونصحه ينصح نصحًا ونصوحًا ونصاحة ونصاحة قاله ابن سيده، وقال صاحب (( الجامع ) )النصح بذل المودة والاجتهاد في المشورة.

وقال ابن طريف نصح قلب الإنسان خلص من الغش، قال الجوهري وهو باللام أفصح. وفي (( الغريبين ) )نصحته صدقته.

هذا الحديث عظيم حفيل عليه مدار الإسلام لا كما قيل إنه ربعه؛ فإن النصيحة كلمة ص 262 جامعة معناها حيازة الحظ للمنصوح له، وهو من وجيز الأسماء ومختصر الكلام، ويقال إنه ليس في كلام العرب كلمة مفردة تستوفي بها العبارة عن معنى هذه الكلمة كما قالوا في الفلاح ليس في كلام العرب كلمة أجمع لخير الدنيا والآخرة منه.

وقيل النصيحة مأخوذة من نصح الرجل ثوبه إذا خاطه. والنصاح الخيط، فشبهوا فعل الناصح فيما يتحراه من صلاح المنصوح له بفعل الخياط فيما يسده من خلل الثوب.

وقيل إنها مأخوذة من نصحت العسل إذا صفيته من السمع. شبهوا تخليص القول من الغش بتخليص العسل من الخلط.

ومعنى الحديث عماد الديق وقوامه النصيحة كقوله (( الحج عرفة ) )أي عماده ومعظمه، كما يقال الناس تميم، والمال الإبل.

وإنما استفصلت الكلمة؛ لأنها من باب المضاف ولكتابه فجعلها شائعة في كل سهم من سهام الدين، وفي كل طبقة من طباق أهله.

وأما النصيحة فمعناها ينصرف إلى الإيمان به ونفي الشرك عنه، وترك الإلحاد في صفاته، ووصفه بصفات الكمال والجلال كلها، وتنزيهه سبحانه وتعالى عن جميع أنواع النقائص وصفات المحدث، والقيام بطاعته واجتناب مخالفته، والحب فيه والبغض فيه، وموالاة من والاه ومعاداة من عصاه، وجهاد من كفر به، والاعتراف بنعمه التي لا تحصى وشكره عليها، والإخلاص له في جميع الأمور، وحقيقة هذه الإضافة راجعة إلى العبد في نصحه نفسه؛ فالله تعالى غني عن نصح الناصح وعن العالمين.

وأما النصيحة لكتابه تعالى فالإيمان بأنه كلام الله تعالى وتنزيله، لا يشبهه شيء من كلام الخلق، ولا يقدر الإنس والجن لو اجتمعوا على الإتيان بسورة مثله، ثم تعظيمه وتلاوته حقها وتحسينها والخشوع عندها وإقامة ألفاظه، والذب عنه لتأويل الملحدين وتحريف المحرفين وتعرض طاعن، والتصديق بما فيه، والوقوف مع أحكامه، وتفهم علومه وأمثاله، والاعتبار، والتفكر في عجائبه، والعمل بمحكمه، والإيمان بمتشابهه، إلى غير ذلك.

وأما النصيحة لرسوله صلى الله عليه وسلم فمعناها تصديقه في إرساله، وقبول ما جاء به والدعاء إليه، والطاعة له فيما سن وحكم وشرع وبين من أمر الدين، وإعظام حقه، وتوقيره، ومؤازرته، وإحياء طريقته في بث الدعوة، وإشاعة السنة ونفي التهمة عنه فيما قاله، فإنه كما قال تعالى {وما ينطق عن الهوى} [النجم3] .

وأما النصيحة لأئمة المسلمين فهم الخلفاء الراشدون، ومن بعدهم ممن يلي أمر الأمة ويقوم به، ومن نصحهم بذل الطاعة لهم، والصلاة خلفهم، وجهاد الكفار معهم، وأداء الصدقات إليهم، وترك الخروج عليهم بالسيف إذا ظهر منهم سوء سيرة، وتنبيههم عند الغفلة، وقد يتأول ذلك في الأئمة الذين هم علماء الدين، ومن نصحهم قبول ما رووا إذا انفردوا، وتقليدهم، ومبايعتهم، وحسن الظن بهم.

وأما نصيحة عامة المسلمين فتعليمهم ما يجهلونه، وإرشادهم ص 263 إلى مصالحهم، وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر، والشفقة عليهم، وتوقير كبيرهم، ورحمة صغيرهم، وتخولهم بالموعظة كما قال تعالى {ادع إلى سبيل ربك بالحكمة} الآية [النحل125] .

ومراد (خ) بهذا الباب وقوع الدين على العمل؛ فإنه سمى النصيحة دينًا وإسلامًا، وبايعه على النصح لكل مسلم كما بايعه على الصلاة والزكاة، فالنصح معتبر بعد الإسلام.

وظن ابن بطال في (( شرحه ) )أن مقصود (خ) الرد على من زعم أن الإسلام القول دون العمل، وهو ظاهر العكس؛ لأنه لما بايعه على الإسلام شرط عليه (( والنصح ) )فلو دخلت في الإسلام لما استأنف له بيعه.

والنصيحة فرض على الكفاية لازمة على قدر الطاقة إذا علم الناصح أنه يقبل نصحه ويطاع أمره وأمن على نفسه المكروه، فإن خشي فهو سعة، فيجب على من علم بالمبيع عيبًا أن يبينه بائعًا كان أو أجنبيا، ويجب على الوكيل والشريك والخازن النصح.

والبيعة قد تكون عامة وقد تكون خاصة، وقد سلف ذلك عند حديث عبادة إثر باب علامة الإيمان حب الأنصار.

وقول جرير (( عليكم الوقار والسكينة ) )أي الزموهما.

ويؤخذ منه أن العالم إذا رأى أمرًا يخشى منه الفتنة على الناس أن يعظهم في ذلك ويرغبهم في الألفة وترك الفرقة.

ومعنى قوله (( حتى يأتيكم أمير ) )أي يقوم بأمركم وينظر في مصالحكم.

قوله (( فإنه كان يحب العفو ) )جعل الوسيلة إلى عفو الله بالدعاء بأغلب خلال الخير عليه وما كان يحبه في حياته من العفو عمن أذنب إليه، وكذلك يجزى كل أحد يوم القيامة بأحسن خلقه وعمله في الدنيا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت