فهرس الكتاب

الصفحة 377 من 3844

ذكر فيه حديثين

أحدهما حديث جابر كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم فنظر إلى القمر .. الحديث.

الكلام فيه من وجوه

1 هذا الحديث أخرجه (م) وأيضًا ذكره (خ) في باب فضل صلاة الفجر، وفي التفسير والتوحيد. وأخرجه الأربعة.

ولفظ (خ) في التوحيد (( إنكم سترون ربكم عيانا ) )، وفي التفسير فنظر إلى القمر ليلة أربع عشرة، وفي آخر قريبا (( لا تضامون ) )أو (( لا تضاهون في رؤيته ) ).

2 تظافرت الأخبار والقرآن وإجماع الصحابة فمن بعدهم على إثبات رؤية الله تعالى في الآخرة للمؤمنين، رواها عن النبي صلى الله عليه وسلم نحو من عشرين صحابيًا وإذا تأملت ما ذكره اللالكائي، والآجري وأبو نعيم زاد على العشرين.

وقد صرح بذلك ابن التين في شرحه، وهي مختصة بالمؤمنين ممنوعة من الكفار.

وعن ابن عمر (( من أهل الجنة من ينظر إلى وجهه تعالى غدوة وعشية ) ).

وأبعد من قال يراه المنافقون أيضًا.

ومنع من ذلك المعتزلة والخوارج بناء على أن الرؤية تلزمها شروط عقلية اعتقدوها، وأهل السنة لا يشترطون شيئًا من ذلك.

3 (( لا تضامون ) )بضم المثناة فوق مع تخفيف الهمزة، وعليها أكثر الرواة. والمعنى لا ينالكم ضيم. والضيم أصله الظلم. وهو الضيم يلحق الرائي من وجهين أحدهما من مزاحمة الناظرين له، أي لا تزدحمون في رؤيته، فيراه بعضكم دون بعض، ولا يظلم بعضكم بعضًا.

والثاني من تأخره عن مقام الناظر المحقق، فكأن المتقدمين [ضا] موه.

ورؤية الرب جل وعز يستوي فيها الكل بلا ضيم ولا ضرر.

ورواية (خ) (( لا تضامون ) )أو (( لا تضاهون ) )على الشك، أي لا يشتبه عليكم وترتابون فيعارض بعضكم بعضًا في رؤيته.

وقيل لا يشبهونه بغيره من المرئيات تقدس وتعالى.

وروي (( تضامون ) )بضم التاء وتشديد الميم، وروي بفتح التاء وتشديد الميم، حكاهما الزجاج فيما حكاه ابن الجوزي.

وقال المعنى فيهما لا تضاممون. أي لا ينضم بعضكم إلى بعض في وقت النظر؛ لإشكاله وخفائه، كما يفعلون عند النظر إلى الهلال.

وروي (( تضارون ) )بالراء المشددة والتاء مضمومة ومفتوحة ذكرهما الزجاج أيضًا.

قال والمعنى لا تضارون أي لا يضار بعضكم بعضا بالمخالفة.

وقال ابن الأنباري هو يتفاعلون. من الضر أي لا يتنازعون. وروي (( تضارون ) )بضم التاء وتخفيف الراء أي لا يقع بكم في رؤيته ضير ما بالمخالفة والمنازعة أو الخفاء المرئي.

وروي (( تمارون ) )مخفف الراء، أي تجادلون، أي لا يدخلكم شك.

4 قوله (( فإن استطعتم أن لا تغلبوا ) )أي لا يغلبكم عليها أحد.

وقول إسماعيل افعلوا لا تفوتنكم. زاد أبو نعيم في قول إسماعيل هذا قبل طلوع الشمس وقبل أن تغرب.

وقال المهلب (( أن لا تغلبوا على صلاة ) )يعني شهودها في الجماعة، وخص هذين الوقتين؛ لاجتماع الملائكة فيهما؛ ورفع أعمالهم فيها لئلا يفوتهم هذا ص 851 الفضل العظيم، والصلاتان الفجر والعصر.

قوله (( ثم قرأ {فسبح} ) ) [ق39] جرير هو قرأه من عند مسلم.

قالوا وجه مناسبة ذكر الرؤية والصلاتين أن الصلاتين من أفضل القرب، فإنه قال تعالى {وقرآن الفجر} الآية.

وصلاة العصر هي الوسطى، فكأنه يقول دوموا على أفضل القرب تنالوا أفضل العطايا وهو الرؤية، فإن بالمحافظة يتحقق الإيمان. والتسبيح في الآية الصلاة.

الحديث 2 حديث أبي هريرة (( يتعاقبون فيكم .. ) ).

الكلام فيه من وجوه1 هذا الحديث أخرجه (خ) أيضًا في التوحيد، وأخرجه (م) أيضًا.

وفي رواية لأبي القاسم الجوذي في آخره قال فحسبت أنهم يقولون فاغفر لهم يوم الدين.

2 (( يتعاقبون ) )فيه دلالة لمن قال من النحاة بجواز إظهار ضمير الجمع والتثنية في الفعل إذا تقدم، وهو لغة فاشية.

وحمل عليه الأخفش ومن وافقه قوله تعالى {وأسروا النجوى الذين ظلموا} [الأنبياء3] وقال سيبويه والأكثرون لا يجوز إظهار الضمير، ويتأولون ما خالفهم ويجعلون الدين بعده بدل من الضمير، ولا يرفعونه بالفعل، كأنه لما قيل {وأسروا النجوى} [الأنبياء3] قيل من هم؟ قال هم الذين ظلموا، وكذا (( يتعاقبون ) )ونظائره.

ومعنى (( يتعاقبون ) )أي طائفة بعد طائفة، ومنه تعقيب الجيوش، وهو أن يذهب قوم ويجيء آخرون.

أقول هو على لغة بني الحارث يقولون أكلوني البراغيث وكان النبي صلى الله عليه وسلم يعرف لغة جميع العرب.

وقال السهيلي في هذا الحديث أن الواو فيه علامة إضمار لأنه حديث مختصر رواه البزار مطولًا مجردًا فقال فيه إن لله ملائكة يتعاقبون فيكم.

أقول وسيأتي في (خ) في باب كلام الرب مع جبريل بهذا اللفظ فلا حاجة إلى مسند البزار ولفظ (خ) في باب كلام الرب مع جبريل عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (( يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار ) )الحديث.

ولكن ليس فيه الزيادة التي في مسند البزار وهو قوله (( إن لله ملائكة يتعاقبون ) )فعلى ما في مسند البزار لا يرد الإشكال وعلى ما في (خ) في الموضعين الإشكال باق فتأمله.

أقول قال المهدوي في تفسيره يجوز أن يكون الذي ظلموا بدلًا من المضمر المرفوع في {أسروا} وهو عائد على الناس المتقدم ذكرهم وأجاز الفراء كون الذين نعتًا للناس فيكون جزاء فلا توقف على هذين الوجهين على النجوى ويجوز أن يكون {الذين} خبر مبتدأ محذوف أو يكون في موضع نصب بإضمار أعني أو تضمير قبله القول فيجوز الوقف على النجوى على هذه الوجوه.

أقول وقال ابن الجوزي في (( زاد المسير ) )والذين في موضع رفع على البدل من الضمير في وأسروا ثم بين سرهم الذين تناجوا فيه فقال هل هذا إلا بشر مثلكم؟ وبعضهم يقول أسروا ههنا بمعنى أظهروا؛ لأنه من الأضداد.

قال ابن الملقن رحمه الله

3 اجتماعهم في الفجر والعصر فهو من لطف الله بعباده المؤمنين أن يجعل اجتماع الملائكة عندهم ومفارقتهم لهم في أوقات عباداتهم واجتماعهم على طاعة ربهم، فتكون شهادتهم لهم بما شاهدوه من الخير.

وقال ابن حبان في (( صحيحه ) )فيه بيان أن ملائكة الليل إنما تنزل والناس في العصر، وحينئذ تصعد ملائكة النهار حد قول من زعم أن ملائكة الليل تنزل بعد الغروب.

4 هؤلاء الملائكة هم الحفظة عند الأكثرين، وحينئذ فسؤال الله لهم (( كيف تركتم عبادي؟ ) )إنما هو سؤال عما أمرهم به من حفظهم لأعمالهم وكتبه إياها عليهم، ويحتمل أن يكونوا غيرهم، فسؤاله لهم إنما هو على جهة التوبيخ لمن قال {أتجعل فيها من يفسد فيها} [البقرة30] وإظهار ص 852 لما قال {إني أعلم ما لا تعلمون} [البقرة30] .

وهذه حكمة اجتماعهم في هاتين الصلاتين، أو يكون سؤاله لهم استدعاء لشهادتهم لهم، ولذلك قالوا (( أتيناهم وهم يصلون ) )، وهذا من خفي لطفه وجميل ستره، إذ لم يطلعهم إلا على حال عبادتهم ولم يطلعهم على حال شهواتهم وانهماكهم في معاصيهم.

قال والدي رحمه الله تعالى

قوله (( ليلة ) )الظاهر أنه من باب تنازع الفعلين عليه.

قوله (( لا تغلبوا ) )بلفظ المجهول. فإن قلت ما المراد بلفظ افعلوا إذ لا يصح أن يراد افعلوا الاستطاعة أو افعلوا عدم المغلوبية.

قلت عدم المغلوبية كناية عن الإتيان بالصلاة لأنه لازم الإتيان فكأنه قال فأتوا بالصلاة فاعلين لها.

قوله (( فسبح ) )التلاوة بالواو (( ولا يفوتنكم ) )بنون التأكيد والفاعل ضمير عائد إلى الصلاة، وهذا كلام يراد به أن معنى افعلوا هو لا يفوتنكم فيكون لفظ لا يفوتنكم من كلام إسماعيل تفسيرًا لما هو المقصود من افعلوا، وفيه أن رؤية الله ممكنة وأنها ستقع في الآخرة للمؤمنين كما هو مذهب الجماعة.

ومعنى التشبيه فيه أنكم ترونه رؤية محققة لا شك فيها ولا شبهة ولا خفاء كما ترون القمر كذلك فهو تشبيه للرؤية بالرؤية لا المرئي بالمرئي.

وفيه زيادة شرف الصلاتين, وذلك لتعاقب الملائكة, ولأن وقت الصبح وقت لذيذ النوم والقيام فيه أشق على النفس من القيام في غيره وصلاة العصر وقت الفراغ عن الصناعات والمسلم إذا حافظ عليها مع ما فيه من التثاقل والتشاغل فلن يحافظ على غيرها بالطريق الأولى.

قوله (( يتعاقبون ) )أي تأتي طائفة بعد طائفة ومنه تعقيب الجيش وهو أن يذهب إلى العدو قوم ويجيء آخرون، وقيل معناه يذهبون ويرجعون, وفيه دليل من قال يجوز إظهار ضمير الجمع إذا تقدم وهو لغة بني الحارث نحو أكلوني البراغيث.

وأكثر النحاة على امتناعه وأولوه بأنه ليس فاعلًا بل بدل أو بيان كأنه قال من هم فقيل ملائكة والفاعل مضمر وكرر ملائكة وجيء بها نكرة دلالة على أن الثانية غير الأولى كقوله {غدوها شهر ورواحها شهر} .

قوله (( في صلاة ) )أي في وقت صلاة و (( بهم ) )بالمؤمنين وصلة أفعل التفضيل محذوف أي من الملائكة.

فإن قلت سألهم عن كيفية الترك فما الفائدة في ذكر الجزء الثاني من الجواب، وهو قوله {وأتيناهم} قلت زادوا على الجواب إظهارًا لبيان فضيلتهم وحرصا على ذكر ما يوجب مغفرتهم كما هو وظيفتهم فيما أخبر الله تعالى عنهم بقوله {يستغفرون للذين آمنوا} .

وأما تعاقبهم في هذين الوقتين فلأنهما وقتا الفراغ من وظيفتي الليل والنهار ووقت رفع أعمال العباد إلى الله تعالى.

فإن قلت ما وجه التخصيص بالذين باتوا وترك ذكر الذين ظلوا. قلت إما للاكتفاء بذكر أحدهما عن الآخر كقوله {سرابيل تقيكم الحر} وإما لأن الليل مظنة المعصية ومظنة الراحة فلما لم يعصوا واشتغلوا بالطاعة فالنهار أولى بذلك.

وإما لأن حكم طرفي النهار من حكم طرفي الليل فذكره يكون تكرارًا.

فإن قلت قال الشافعية للعصر خمسة أوقات وقت الفضيلة وهو أول الوقت ووقت المختار وهو إلى مصير ظل الشيء مثليه ووقت الجواز بلا كراهة وهو قبل الاصفرار، ووقت الجواز مع الكراهة وهو زمان الاصفرار إلى المغرب، ووقت العذر وهو وقت الظهر عند الجمع بينهما بالتقديم والفضيلة الواردة في حق صلاة ص 853 العصر هل هي مختصة لمن صلاها أول الوقت أو هي عامة جميع أحوالها.

قلت لما كانت هي أداء إلى المغرب صادقًا عليها صلاة العصر في جميع أحوالها كانت عامة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت