فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
عن عائشة أن امرأة سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن غسلها. الحديث.
هذا الحديث أخرجه (خ) عقب ذلك وبوب عليه باب غسل المحيض عن عائشة أن امرأة من الأنصار قالت للنبي صلى الله عليه وسلم كيف أغتسل. الحديث.
وأخرجه في كتاب الاعتصام، عن يحيى أيضًا، ومن تراجمه عليه باب الأحكام التي تعرف بالدلائل، وأخرجه (م) أيضًا.
ويحيى هذا هو ابن موسى البلخي السجستاني الثقة، يقال له خت وبخط بعض الحفاظ المتأخرين أنه لقب موسى، وبه صرح الجياني، مات بعد الأربعين ومائتين أو قبلها.
وأغرب ابن حزم فطعن في (( محلاه ) )، في رواية (( فتطهري بها ) )، وفي رواية (( فتوخي بها ) )بأن قال لم تسند هذه اللفظة إلا من طريق إبراهيم بن مهاجر ص 630 وهو ضعيف، ومن طريق منصور ابن صفية وقد ضعف. وليس ممن يحتج به هذا كلامه.
وإبراهيم قد احتج به (م) ، ووثقه أحمد و (ن) وغيرهما، وتضعيفه أيضًا منصور ابن حفصة من أفراده، وقد أخرج الشيخان الحديث من جهته، ووثقه الناس أحمد، وابن عيينة، وغيرهما.
وهذه السائلة هي أسماء بنت شكل، كذا ثبت في (م) والكاف منه مفتوحة وحكي إسكانها.
وتبعه على ذلك جماعات منهم ابن طاهر وأبو موسى في كتابه (( معرفة الصحابة ) )، وقال الخطيب في (( مبهماته ) )إنها أسماء بنت يزيد بن السكن خطيبة النساء، وروى حديثًا كذلك وبه جزم ابن الجوزي في (( تلقيحه ) )لكنه جزم بالأول في (( مشكل الصحيحين ) )، وصوبه بعض الحفاظ المتأخرين؛ لأنه ليس في الأنصار من اسمه شكل، ويجوز تعدد الواقعة، ويؤيده تفريق ابن منده بين الزوجين، وأن سعيد والطبراني وغيرهما لم يذكروا هذا الحديث في ترجمة بنت يزيد، ولم ينفرد (م) بذلك، فقد أخرجه ابن أبي شيبة في (( مسنده ) )وأبو نعيم في (( مستخرجه ) )كما ذكره (م) سواء.
وترجم (خ) على هذا الحديث دلك المرأة نفسها، ولم يذكره فيها وكأنه أراد أصل الحديث، إذ في (م) ثم تصب على رأسها، فتدلكه دلكًا شديدًا، حتى تبلغ شئون رأسها. أو يكون فهم من قولها (( تتبعي بها أثر الدم ) )الدلك، وقد قيل، وترجم عليه أيضًا غسل المحيض، ولم يذكر فيه إلا التطيب، وقد ذكره (م) كما أشرنا إليه، فكأنه أراد أصل الحديث.
والمحيض هنا الحيض، وفيه أنه لا عار على من سأل عن أمر دينه.
والفرصة مثلث الفاء كما حكاه ابن سيده، والكسر أشهرها هي القطعة من القطن أو الصوف.
وفي (د) عن أبي الأحوص أنه كان يقول قرصة بالقاف؛ أي شيئًا يسيرًا مثل القرصة بطرف الإصبعين.
وقال أبو عبيدة وابن قتيبة إنما هو قرضه بالقاف المضمومة والضاد المعجمة، وتدل عليه الروايات السالفة فرصة ممسكة.
والمسك بكسر الميم يذكر ويؤنث وهو المعروف، وممسكة في الرواية الأخرى بتشديد السين، أي مطيبة بالمسك، وأبعد من خفف السين، وفتحها وكسرها، أي من الإمساك.
وادعى القاضي أن الفتح في المسك رواية الأكثرين وهو الجلد، أي قطع فيه شعر، وبه جزم ابن قتيبة، وأن معناه الإمساك؛ لأنه لم يكن للقوم وسع في المال بحيث يستعملون الطيب في مثل هذا.
وقال الزمخشري ممسكة، أي خلقًا فإنه أصلح لذلك، ولا يستعمل الجديدة للارتفاق به، وذلك غريب منهما، وكيف يصح أن يقال خذي قطعة من إمساك، والمسك عند أهل الحجاز كثير.
ولما ذكر الخطابي قول ابن قتيبة أن المسك لم يكن عندهم ممتهنًا، قال الذي قاله أشبه، ولما ذكر قوله قطعة قطن أو صوف مطيبة بمسك قال فيه بعد.
قوله (( سبحان الله! ) )، هنا المراد به التعجب، أي كيف يخفى مثل هذا الظاهر قولها (( تتبعي بها أثر الدم ) )يعني الفرج، وأغرب المحاملي، فقال مقنعة كل موضع أصابه الدم من بدنها، ومعنى (( توضئي بها ) )تنظفي بها.
فيه استحباب تطييب فرج المرأة، في أخذ قطعة من صوف ونحوها، وتجعل عليها مسكًا أو نحوه، وتدخله في فرجها بعد الغسل ص 631 والنفساء مثلها قالا.
وفيه استعمال الكنايات فيما يتعلق بالعورات، وفيه تكرير الجواب واستعمال الحياء والإعراض بالوجه، وأن السائل إذا لم يفهم وفهمه من في المجلس والعالم يسمع ذلك، إن ذلك سماع من العالم يجوز أن يقول فيه حدثني وأخبرني.
ثم اعلم أن غسل المرأة من الحيض كغسلها من الجنابة سواء، وتزيد على ذلك استعمال الطيب.
قال والدي رحمه الله تعالى
قوله (( يحيى ) )قال الغساني في (( تقييد المهمل ) )قال ابن السكن بالمهملة والكاف المفتوحتين، يحيى ابن عيينة المذكور في باب الحيض هو يحيى بن موسى، وقال في موضع آخر منه على سبيل القاعدة الكلية كل ما كان للبخاري في هذا الصحيح عن يحيى غير منسوب فهو يحيى بن موسى البلخي المعروف بخت بفتح المنقطة وشدة المثناة، ويعرف بالبهمي وبابن خت أيضًا كان من خيار المسلمين مات سنة أربعين ومائتين.
قوله (( امرأة ) )هي أسماء بنت يزيد بن السكن خطيبة النساء والمحيض هو الحيض ولفظ (( قال ) )هو بيان لأمرها.
فإن قلت كيف يكون بيانًا للاغتسال وهو إيصال الماء إلى جميع البشرة لا أخذ الفرصة. قلت السؤال لم يكن من نفس الاغتسال لأن ذلك معلوم لكل أحد بل ما كان مختصًا بغسل الحيض فلذلك أجاب به أو هو جملة حالية لا بيانية.
(( والمسك ) )بكسر الميم هو الطيب المعروف وهو معرب وكانت العرب تسميه بالمشموم وروي بفتح الميم وهو الجلد. قال القاضي هو رواية الأكثرين.
قوله (( فاجتذبتها ) )وفي بعضها (( فاجتذبها ) )وهو مقول عائشة رضي الله عنها (( وتتبعي ) )بلفظ الأمر من التتبع وهو المراد من تطهري. الخطابي الفرصة القطعة من القطن أو الصوف ونحوهما.
و (( من مسك ) )جاء في سائر الروايات (( ممسكة ) )وتأولوها على معنيين
أحدهما مطيبة المسك، والآخر من الإمساك، يقال أمسكت الشيء ومسكته بمعنى واحد، وإليه ذهب القتيبي وأنكر القول الأول، وقال متى كان أهل ذلك الزمان يتوسعون في المعاش حتى يمتهنوا المسك في التطهر به، فعلى هذا تكون الرواية بفتح ميم المسك أولى؛ أي فرصة من جلد عليه صوف، وأما الكسر فلا يصح لها معنى على التفسير الأول لأنها في التقدير كأنه قال قطعة من قطن من مسك، وهذا لا يستقيم إلا أن يضمر فيه شيء فيقال قطعة من قطن مطيبة من مسك، وفيه بعد.
وفي (( معالم السنن ) )وقد تتأول الممسكة على معنى الإمساك دون الطيب يريد أنها تمسكها بيدها فتستعملها.
ابن بطال لا أرى التفسير بالمشموم وبالجلد الذي عليه الصوف صحيحًا إذ ما كان منهن من تستطيع أن تمتهن بالمسك هذا الامتهان، ولا يعلم بالصوف معنى حتى يخصه به دون القطن ونحوه، والذي عندي فيه أن الناس يقولون للحائض احتملي معك كذا يريدون عالجي به قبلك، أو أمسكي معك كذا يكنون به فيكون أحسن من الإفصاح فمعنى ممسكة محتملة يريد تحملينها معك لمسح القبل به.
أقول وفيه جواز تفسير كلام الرئيس بحضوره، وفيه ورود الأمر بغير الإيجاب ولفظ (خ) مشعر بأن الرواية عنده مسك بفتح الميم حيث جعل لأمر الطيب بابًا مستقلًا وترجمة مستقلة.
فإن قلت كيف يدل على الحديث دلكها نفسها. قلت لأن تتبع أثر الدم يستلزمه.
(( باب غسل المحيض ) )قوله (( امرأة ) )أي أسماء المذكورة و (( توضئي ) )بلفظ الأمر خطابًا للمؤنث، والمراد به معناه اللغوي؛ أي تنظفي وتطهري، ولفظ ثلاثًا متعلق بقال لا بتوضئ، ويحتمل تعلقه بقالت أيضًا بدليل الحديث المتقدم.
قوله (( أو قال ) )شك من عائشة، والفرق بين الروايتين زيادة لفظ بها يعني تطهري بالفرصة.
فإن قلت الترجمة ص 632 بغسل الحيض، والحديث لم يدل عليها. قلت إن كان لفظ الغسل في الترجمة بفتح الغين، والمحيض اسم المكان فالمعنى ظاهر، وإن كان بضم الغين والمحيض مصدر فالإضافة بمعنى اللام الاختصاصية، فلهذا ذكر خاصة هذا الغسل ومما به يمتاز عن سائر الأغسال والله أعلم.