فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
9 -باب ما يقول عند الخلاء
قوله (( أعوذ بك من الخبث ) )إلى آخره، هذا الحديث أخرجه (خ) في الدعوات أيضًا وأخرجه (م) والأربعة، ورواته سلف تعريفهم خلا سعيد بن زيد هو أبو الحسن أخو حماد بن زيد الجهضم البصري.
روى عن ابن جدعان وغيره، وعنه عارم ومسلم، واستشهد به (خ) ، وثقه ابن معين ولينه جماعة. مات سنة سبع وستين ومائة قبل أخيه حماد.
وموسى هو ابن إسماعيل التبوذكي البصري الحافظ الثقة الثبت، سلف في الوحي، وروى له (م) مقرونًا بغيره.
قوله (( كان إذا دخل الخلاء ) )لفظة كان دالة على الملازمة والمداومة، ومعنى (( إذا دخل ) )إذا أراد كما صرح به في رواية سعيد، ويبعد أن يراد به ابتداء الدخول، وإن أبداه القشيري احتمالًا، فإن كان المحل الذي يقضي فيه الحاجة غير معد لذلك كالصحراء مثلًا، جاز ذكر الله تعالى في ذلك المكان، وإن كان معدا لذلك كالكنف ففي جواز الذكر فيه خلاف للمالكية.
وحديث (( إن هذه الحشوش محتضرة ) ). أي للجاني والشياطين فيه بيان لمناسبة هذا الدعاء المخصوص بهذا المكان.
وقال ابن بطال المعنى متقارب في قوله (( إذا دخل ) )وفي قوله (( إذا أراد أن يدخل ) ).
و (( الخلاء ) )بفتح الخاء وبالمد موضع قضاء الحاجة، سمي بذلك لخلائه في غير أوقات قضاء الحاجة، وهو الكنيف، والحش، والمرفق، والمرحاض أيضًا، وأصله المكان الخالي، ثم كثر استعماله حتى تجوز به عن ذلك.
وأما (( الخلا ) )بالقصر فهو الحشيش الرطب، والكلام الحسن أيضًا، وقد يكون خلا مستعملًا في باب الاستثناء، فإن كسرت الخاء مع المد فهو عيب في الإبل كالحران في الخيل، وانتصب الخلاء على أنه مفعول به لا على الظرف.
قولهم (( اللهم ) )الأفصح فيه استعماله بالألف واللام، و (( أعوذ ) )معناه أستجير وأعتصم، و (( الخبث ) )بضم الخاء قطعًا، والباء ص 449 مضمومة أيضًا، ويجوز الإسكان، وإن غلط الخطابي المحدثين فيه، فقد حكاه أبو عبيد القاسم بن سلام ونقله القاضي عن الأكثرين، لكن لا يسلم له ذلك بل الأكثر على الضم، وهو جمع خبيث، والخبائث جمع خبيثة فكأنه استعاذ من ذكران الشياطين وإناثهم، وفيه أقوال أخر وأغربها أنه استعاذ من البول والغائط، وكأنه استعاذ من ضررهما.
والظاهر أن سيدنا صلى الله عليه وسلم قال ذلك؛ إظهارًا للعبودية وتعليمًا للأمة، وإلا فهو عليه السلام محفوظ من الجن والإنس، وقد ربط عفريتًا على سارية من سواري المسجد.
أقول ليس في الحديث أنه ربطه، وإنما قال أردت أن أربطه، وفيما قاله أنه محفوظ من الإنس والجن فيه إشكال، وذلك أنه قد يبيح الكفار رأسه الشريف ووجهه وكسروا رباعيته، وقال إن عفريتًا تفلت علي أراد أن يقطع علي الصلاة فيكون الدعاء على حقيقته وطلب من الله تعالى صيانته عن شر الإنس والجن الخبيثين والخبيثات، ولا محذور في ذلك ولا نقص يلزم من ذلك ففيما قاله ابن الملقن نظر.
وفيه دليل على مراقبته لربه ومحافظته على ضبط أوقاته وحالاته واستعاذته عندما ينبغي أن يستعاذ منه، ونطقه بما ينبغي أن ينطق به، وسكوته عندما ينبغي أن يسكت عنده، وقد صح أنه عليه السلام كان إذا خرج من الخلاء قال (( غفرانك ) )على حالة شغلتني عن ذكرك، فيختم بالذكر كما ابتدأ به.
وزاد أبو حاتم في أول الذكر باسم الله، فيستحب مع التعوذ أيضًا، وصيغة التعوذ أعوذ بالله. وفي (م) (( أعوذ بك ) )، والظاهر أنه عليه السلام جهر بهذه الاستعاذة، وهذه الاستعاذة مجمع على استحبابها، وسواء فيها البنيان والصحراء؛ لأنه يصير مأوى لهم بخروج الخارج، وقبل مفارقته أيضًا.
وذكر (خ) في كتاب (( خلق أفعال العباد ) )، عن عطاء الخاتم فيه ذكر الله لا بأس أن يدخل به الإنسان الكنيف أو يلم بأهله وهو في يده لا بأس به، وهو قول الحسن. وذكر وكيع عن سعيد بن المسيب مثله.
قال (خ) وقال طاوس في المنطقة تكون على الرجل فيها الدراهم يقضي حاجته لا بأس بذلك. وقال إبراهيم لا بد للناس من نفقاتهم، وأحب بعض التابعين أن لا يدخل الخلاء بالخاتم فيه ذكر الله.
قال (خ) وهذا من غير تحريم يصح.
قال والدي رحمه الله تعالى
قوله (( الخبث ) )الخطابي بضم الباء جمع الخبيث والخبائث جمع الخبيثة يريد بهما ذكران الشياطين وإناثهم، وعامة أصحاب الحديث يقولون ساكنة الباء وهو غلط والصواب ضمها، وأصل الخبث في كلامهم المكروه فإن كان من الكلام فهو الشتم، وإن كان من الملل فهو الكفر، وإن كان من الطعام فهو الحرام، وإن كان من الشراب فهو الضار.
قال التوربشتي في إيراد الخطابي هذا اللفظ من جملة الألفاظ الملحونة نظر؛ لأن الخبيث إذا جمع يجوز أن تسكن الباء للتخفيف، وهذا مستفيض لا يسع أحدًا مخالفته إلا أن يزعم أن ترك التخفيف أولى لئلا يشتبه بالخبث الذي هو المصدر.