فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
فيه حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (( احتج آدم وموسى .. ) )الحديث.
وسلف في ذكر الأنبياء في باب وفاة موسى عليه السلام الحديث.
وحديثه أيضا في الإسراء مطولا، وقد بوب البخاري لحديث أنس رضي الله عنه في كتاب الأنبياء، باب كان النبي صلى الله عليه وسلم تنام عينه ولا ينام قلبه.
وبوب له في تفسير القرآن، باب قوله تعالى {وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس} الآية [الإسراء 60] .
استدل البخاري على إثبات كلام الله تعالى وإثباته متكلما بقوله تعالى {وكلم الله موسى تكليما} [النساء 164] وأجمع أهل السنة على أن الله عز وجل كلم موسى بلا واسطة ولا ترجمان، وأفهمه معاني كلامه وأسمعه إياها، إذ الكلام مما يصح سماعه، فإن قال قائل من المعتزلة أو من غيرهم فإذا سمع موسى كلام الله بلا واسطة فلا يخلو أن يكون من جنس الكلام المسموع المعهود فيما بيننا، أو لا يكون من جنسن الكلام المسموع فإن كان من جنسه فقد وجب أن يكون محدثا ككلام المحدثين، وإن لم يكن من جنسه، فكيف السبيل إلى إسماعه إياه وفهم معانيه؟
فالجواب أنه لو لزم من حيث سمعه منه تعالى وفهم معانيه أن يكون كسائر المحدثين قياسا عليه؛ للزم أن يكون تعالى بكونه فاعلا وقادرا وعالما وحيا ومريدا، وسائر صفاته من جنس جميع الموصوفين بهذه الصفات فيما بيننا، فإن قالوا نعم. خرجوا من التوحيد، وإن أبوا نقضوا دليلهم واعتمادهم على قياس الغائب على حكم الشاهد.
ثم يقال لهم لو وجب أن يكون كلامه من جنس كلام المخلوقين، من حيث اشترك كلامه تعالى وكلامهم في إدراكهما بالأسماع لوجب إذا كان الباري تعالى موجودا وشيئا أن يكون من جنس الموجودات وسائر الأشياء المشاهدة لنا، فإن لم يجب هذا لم يجب ما عارضوا به.
وقد ثبت أنه تعالى قادر على أن يعلمنا اضطرار كل شيء يصح أن يعلمناه استدلالا ونظرا، وإذا كان ذلك كذلك فواجب أن يكون تعالى قادرا على أن يعلم موسى معاني كلامه الذي لا يشبه كلام المخلوقين، الخارج عن كونه حروفا متضمنة وأصواتا مقطعة اضطرارا وينتخب له دليلا إذا نظر فيه أداه إلى العلم بمعاني كلامه، وإذا كان قادرا على الوجهين جميعا زالت شبهة المعتزلة.
وقال ابن التين اختلف المتكلمون في سماع كلام الله تعالى، فقال الشيخ أبو الحسن كلام الله القائم بذاته الذي ليس بحرف ولا صوت يسمع عند تلاوة كل تال، وقراءة كل قارئ. والقاضي يقول لا يسمع وإنما تسمع التلاوة دون المتلو والقراءة دون المقروء.
ويحمل قوله تعالى {حتى يسمع كلام الله} [التوبة 6] على أنه مجاز، والمعنى حتى يسمع تلاوة كلام الله وقراءته، والطائفة الأولى تحمل ذلك على الحقيقة، ويقولون الفرق بيننا وبين موسى وبين نبينا عليهما السلام أنا نحن نسمع كلام الله بواسطة الكلام، وذلك سامعه بلا واسطة. والقاضي يقول مخالفة كلام الله لكلام الخلق أشد من اختلاف الأصوات التي ندركها، فلما لم ندرك ذلك دل عليها بطلان مقالة من ادعى أنه مسموع، وأن المسموع التلاوة والقراءة دون المتلو والمقروء.
قال المهلب في إفهام الله تعالى موسى من كلامه ما لا عهد له بمثله بتنوير قلبه له، وشرحه ص 5259 لقبوله، لا يخلو أن يكون ما أفهم الله سليمان من كلام الطير ومنطقها هو مثل كلام سليمان، أولا يشبه كلامه، فإن كان يشبه كلام سليمان وبني جنسه فلا وجه لاختصاص سليمان وداود بتعليمه دون بني جنسه، ولا معنى لفخره عليه السلام بالخاصة وامتداحه بقوله {علمنا منطق الطير} الآية أو يكون منطق الطير الذي فهمه سليمان وآله وبني جنسه، فقد أفهمه الله ما لم يفهمه غيره من كلام الهدهد، وكلام النملة التي تبسم صلى الله عليه وسلم ضاحكا من قولها؛ لفهمه عنها ما لم يفهمه غيره منها.
وإنما ذكر حديث أبي هريرة في الشفاعة مختصرا لما في الحديث الطويل من قول إبراهيم (( ولكن ائتوا موسى عبدا اتاه الله التوراة وكلمه تكليما ) )، وكذلك حديث أنس في الإسراء فوجد موسى في السماء السابعة، بتفضيل كلامه عز وجل.
وهذا يدل على أن الله تعالى لم يكلم من الأنبياء إلا موسى، بخلاف ما زعم الأشعريون، ذكروا عن ابن عباس رضي الله عنهما وابن مسعود رضي الله عنه أن الله كلم محمدا بقوله {فأوحى إلى عبده ما أوحى}
[النجم 10] وأنه رأى ربه عز وجل وأعظمت فرية من افترى فيه على الله، وقد سلف.
وأما قول موسى عليه السلام إذ على جبريل بمحمد صلى الله عليه وسلم (( يا رب لم أظن أن ترفع على أحدا ) )، فأعلم الله موسى أن الله لم يكلم أحدا من البشر في الدنيا غيره، إذ بذلك استحق أن يرفع إلى السماء السابعة، وفهم من قول الله {إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي} [الأعراف 144] أنه أراد البشر كلهم، ولم يعلمه، والله تعالى أعلم أن الله تعالى فضل محمدا عليه بما أعطاه من الوسيلة والدعوة المقبولة منه، شفاعته لأمته من شدة موقفهم يوم الحشر حين أحجم الأنبياء عن الوسيلة إلى ربهم لشدة غضبه تعالى وفضله بالإسعاف بالمقام المحمود الذي وعده في كتابه، فبهذا رفع الله محمدا على موسى عليهما أفضل الصلاة والسلام.
وقوله (( فحج آدم موسى ) )أي غلبه بالحجة، قال الداودي إنما حجه في قوله (( أخرجت ذريتك من الجنة ) )ليس في الذنب، وقال أبو عبد الملك ظاهر الحديث أن لا لوم في المعاصي؛ لأنه قد تيب عليه، فكيف تلومني على ذلك وأنت تعلم أن من تيب عليه لا يلام، فلا لوم عليه، قال وقوله (( أخرجت ذريتك من الجنة ) )أي فعلت ما أخرجك فتناسلوا منه بعد خروجك، وقول آدم (( أتلومني على أمر قدر على قبل أن أخلق ) )يريد قدر الله أن أسكن الأرض ويكون مني فيها الولد.
وقيل إن آدم إنما جاوبه عند قوله (( أخرجت الناس من الجنة ) )، وهو معنى قوله (( أتلومني على أمر قدر الله قبل أن أخلق ) )فاحتج أنه خلق ليسكن الأرض.
وحديث أنس رضي الله عنه سلف الكلام عليه، وقول شريك أنه قال (( سمعت أنس بن مالك يقول ليلة أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم من مسجد الكعبة أنه جاءه ثلاثة نفر ) )الحديث فقال أولهم أيهم هو؟ يدل أنه عليه السلام كان معه غيره.
وقوله (فكانت تلك الليلة فلم يرهم حتى أتوه ليلة أخرى) من الليلتين سبع أو ثمان أو تسع أو عشر، أقوال، والصلاة فرضت قبل الهجرة بثلاث سنين أو سنتين أو سنة، أقوال.
واختلف فيما أقام بمكة بعد أن أوحي إليه، هل هو عشر أو ثلاث عشرة؟ كما سلف، وهذا الحديث يدل أن شق بطنه قبل أن يوحى إليه، وتكلم في شريك بسببه، فإنه كان وهو غلام أو عندما نبيء وقيل إنه كان نبئ، وقد سلف وقوله (فلم يرهم) يدل أنه أول ما نبئ؛ لأن جبريل لم ينقطع عند كل كلمة.
وقوله (حتى أتوه ليلة أخرى فيما يرى قلبه، وتنام عينه ولا ينام قلبه، وكذلك الأنبياء عليهم السلام تنام أعينهم ولا تنام قلوبهم) وقال
الداودي إنه يريد في بعض ص 5260 الأوقات؛ بدليل حديث الوادي قال وقيل إنما يدرك بحاسة البصر.
وقوله (ما بين نحره إلى لبته) . قال الداودي إلى عانته؛ لأن اللبة العانة، قال ابن التين وهو الأشبه. والتور إناء يشرب فيه، قاله الجوهري.
وقال (فحشا صدره ولغاديده) يعني عروق حلقه، وفي (( الصحاح ) )هي اللحمات التي بين الحنك وصفحة العنق، واحدها لغدود.
وقوله (( مرحبا وأهلا ) )أي أتيت سعة ورأيت أهلا، فاستأنس ولا تستوحش.
وقوله (بنهرين يطردان) أي يجريان فالنيل ينزل ماؤه إلى أرض السودان، فيجري إلى مصر، فإذا الخريف فنزل الغيث زاد، فكانت الزيادة التي يريد.
وقوله (عنصرهما) . أي أصلهما، بضم الصاد وفتحها، والزبرجد هو بفتح الجيم (جوهر) معروف.
وقوله (مسك أذفر) أي زكي الرائحة، وكذلك إذا أنتن يقال أذفر أيضا؛ لأن الذفر كل ريح زكية من طيب أو نتن.
وقوله (هذا الكوثر) ويروي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال الكوثر الخير الكثير الذي أعطاه الله إياه، والكوثر في اللغة فوعل من الكثرة.
وقوله (كل سماء فيها أنبياء قد سماهم فأوعيت منهم إدريس في الثانية، وهارون في الرابعة، وآخر في الخامسة لم أحفظ اسمه، وإبراهيم في السادسة، وموسى في السابعة بتفضيل كلام الله) . ذكره في الثانية إدريس وهم، إنما هو في الرابعة، روي عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه في تفسير قوله تعالى {ورفعناه مكانا عليا} [مريم 57] قال السماء الرابعة.
وروي عن هلال بن يساف قال كنا عند كعب الأحبار إذ أقبل ابن عباس رضي الله عنهما، فقال هذا ابن عم نبيكم، فوسعنا له، فقال
يا كعب، ما معنى {ورفعناه مكانا عليا} ؟ فقال كعب كان لإدريس صديق من الملائكة، فأوحي الله إليه إني أرفع لك كل يوم مثل عمل أهل الأرض، فقال إدريس للملك كلم لي ملك الموت حتى يؤخر قبض روحي، فحمله الملك تحت طرف جناحه، فلما بلغ السماء الرابعة لقي ملك الموت فكلمه، فقال أين هو؟ فقال ها هو ذا، فقال من العجيب! إني أمرت أن أقبض روحه في السماء الرابعة! فقبضها هناك.
قال الداودي واتفقت الأخبار كلها أن إدريس في الرابعة، وهارون في الخامسة، واختلفت في إبراهيم وموسى، فقيل إبراهيم في السابعة وموسى في السادسة. وقيل عكسه وعيسى ويحيى في الثانية، ويوسف في الثالثة. وجاء حديث بذلك أخرجه ابن وهب عن يعقوب بن عبد الرحمن الزهري، بسنده عن أنس، فذكر حديث الإسراء فوجد آدم في السماء الدنيا، وفي الثانية عيسى ويحيى بن زكريا ابني الخالة وفي الثالثة يوسف، وفي الرابعة إدريس، وفي الخامسة هارون، وفي السادسة موسى، وفي السابعة إبراهيم صلى الله عليه وسلم.
وقوله (فدنا الجبار) أي قربت رحمته وعطفه وفضله لا دنو مسافة ونقلة، لاستحالة الحركة والنقلة على الله تعالى، إذ لا تحويه الأمكنة؛ لأنه من صفات المحدث، وليس هذا في أكثر الروايات.
وقوله (حتى كان منه قاب قوسين أو أدنى) ، وقالت عائشة رضي الله عنها إنما كان قاب قوسين من جبريل عليه السلام.
وبه جزم ابن بطال فقال هو جبريل الذي تدلي فكان من الله أو من مقداره على مقدار ذلك، عن الحسن {فأوحى إلى عبده ما أوحى} إلى جبريل وكتب القلم حتى سمع محمد صلى الله عليه وسلم صريفه في كتابه، وبلغ جبريل محمدا صلى الله عليه وسلم وهو عند سدرة المنتهى، قيل إليها تنتهي أرواح الشهداء.
{ما كذب الفؤاد ما رأى} قال ابن عباس رأى محمد ربه بقلبه.
وعن ابن مسعود رأى جبريل.
وهو قول عائشة رضي الله عنها كما سلف وقتادة.
وقال الحسن ما رأى من مقدور الله (وملكوته) .
{فتمارونه على ما يرى} هو محمد رأى جبريل في صورته التي خلقه الله عليها، له سبعمائة جناح ص 5261 رفرفا أخضر سد ما بين الخافقين ولم يره قط في صورته التي هو عليها إلا مرتين، وإنما يراه في صورة كان يتشكل عليها من صورة الآدميين، وأكثرها صورة دحية الكلبي، وفي قوله {أفتمارونه} دليل على أن العيان أكبر أسباب العلم ولا يتمارى فيه، ولذلك قال عليه السلام (( ليس الخبر كالمعاينة ) ).
فإن قلت ما وجه الحكمة في لقاء الشارع الأنبياء في السموات دون عليين، والأنبياء مقرهم في ساحة الجنة ورياضها تحت العرش، ومن دونهم من العرش هناك، فما وجه لقائهم في سماء سماء؟ قلت وجهه أنهم تلقوه كما يتلقى القادم، يتسابق (الناس) إليه على قدر سرورهم بلقائه.
قوله (فرفعه يعني جبريل عند الخامسة) قال الداودي رفعه بعد الخامسة ليس بثابت، والذي في الروايات (( أستحيي من ربي فنودي أمضيت فريضتي، وخففت عن عبادي، وجعلت الخمسة بعشر أمثالها ) ).
وقوله (ارجع إلى ربك فليخفف عنك) أيضا، كذا وقع هنا بعد أن قال (لا يبدل القول لدي) قال الداودي هي لا تثبت؛ لأن الروايات تواطأت على خلافه، وما كان موسى ليأمره بالرجوع بعد أن قال الله لنبيه (لا يبدل القول لدي) ولم يرجع بعد الخمس.
وقوله قال (فاهبط باسم الله) . قال واستيقظ وهو في المسجد الحرام.
ادعى الداودي أن الذي قال له (اهبط باسم الله) جبريل، وظاهر ما في الكتاب خلافه، قال وقوله (فاستيقظ) أي فارقه الوحي، وما كان يأخذه عند الوحي؛ لاشتغاله بالوحي وعظمته في نفسه وثقله عليه.
وقوله (وهو في المسجد الحرام) أسلفنا اختلاف الناس في مسراه، هل كان بجسده ونفسه أو بروحه دون جسمه؟ ثم قالت طائفة منهم إنه صلى بالأنبياء ببيت المقدس ثم عرج به إلى السماء، فأوحى الله تعالى إليه وفرض عليه الصلاة، ثم رجع إلى المسجد الحرام من ليلته فصل به صلاة الصبح. روى ذلك الطبري في حديث الإسراء عن أنس رضي الله عنه.
ذكر من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أنه صلي عليه السلام ببيت المقدس، ولم يذكر أنه صلى خلفه أحد.
وقالت أخرى منهم، أنه يدخله، ولم يصل فيه، ولم ينزل عن البراق حتى رجع إلى مكة، روي ذلك عن حذيفة، قال في قوله {سبحان الذي أسرى بعبده} [الإسراء 1] . قال لم يصل فيه، ولو صلى (فيه) لكتبت عليكم الصلاة كما كتبت الصلاة عليكم عند الكعبة.
قال الخطابي ليس في هذا الكتاب حديث (أشبع) ظاهرا من هذا الحديث، قال ولذلك سردته كاملا في كتابي ليعتبر الناظر أوله بآخره، فلا يشكل عليه بإذن الله معناه وذلك أنه ذكر في أول الحديث جاءه ثلاثة نفر قبل أن يوحى إليه وهو نائم في المسجد الحرام، فيما يرى قلبه. وقال في آخره فاستيقظ (ورؤيا) الرؤيا أمثلة تضرب لتتأول على هذا الوجه الذي يجب أن يصرف إليه معنى التعبير في مثله، وبعضها كالمشاهدة والعيان.
ثم القصة بطولها إنما هي حكايته يحكيها أنس من تلقاء نفسه لم يعزها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا رواها عنه، ولا أضافها إلى قوله، فحاصل الأمر في الذكر، وإطلاق اللفظ على الوجه الذي قد تضمنه
الخبر أنه روي إما من أنس وإما من رواية شريك بن عبد الله بن أبي نمر، فإنه كثير التفرد بمناكير الألفاظ في مثل هذه الأحاديث إذا رواها من حيث لا يتابعه عليها سائر الرواة، وأيهما صح القول عنه، وأضيف إليه، فقد خالفه فيه عامة السلف المتقدمين وأهل السنة منهم ومن المتأخرين. والذي قيل في الآية ثلاثة أقوال
أحدها أن الذي دنا جبريل من محمد. أي تقرب، وهو على التقديم والتأخير، أي تدلى فدنى، وذلك أن التدلي سبب للدنو. وقيل تدلى له جبريل بعد الانتصاب ص 5262 والارتفاع كما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم، متدليا كما رآه، وكان ذلك من آيات قدرة الله حين أقدره على أن يتدلى في الهواء من غير اعتماد على شيء ولا يمسك بشيء.
وقيل دنا جبريل وتدلى محمد ساجدا لربه شكرا على ما أناله من كرامته، ولم يثبت فيه شيء مما روي عن السلف أن التدلي مضاف إلى الله تعالى عن صفات المخلوقين.
قال وروي هذا الحديث عن أنس من غير طريق شريك بن عبد الله، فلم يذكر هذه الألفاظ السبعة؛ فإن ذلك مما يقوي الظن أنها صادرة من قبل شريك.
قال وفي هذا الحديث (لفظة) أخرى تفرد بها شريك أيضا لا يذكرها غيره، وهي قوله (وهو مكانه) . والمكان لا يضاف إلى الله، إنما هو مكان الشيء في مقامه الأول الذي يقيم فيه.
قال والدي رحمه الله تعالى
(باب قوله وكلم الله موسى تكليما) قوله (( يحيى بن بكير ) )بضم الموحدة و (عقيل) بالضم وكذا (حميد) و (احتج) أي تحاجا وتناظرا و (أخرجت) أي كنت سبب خروجهم بواسطة أكل الشجرة و (بم تلومني) أي بما تلزمني وفي بعضها ثم بالمثلثة و (فحج) أي غلب آدم موسى بالحجة. فإن قلت فما قولك في مناظرة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وعلي رضي الله تعالى عنه حيث قال صلى الله عليه وسلم ألا تصلون فقال علي أنفسنا بيد الله إن شاء أن يبعثنا للصلاة بعثنا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (وكان الإنسان أكثر شيء جدلا) قلت ههنا علي رضي الله تعالى عنه صار محجوجا لأن هذه الآية كانت في دار التكليف والاعتبار فيها إنما هو بالشريعة بخلاف مناظرتهما فإنه في دار أخرى وقد كشف الغطاء وظهرت الحقائق ولا فائدة لتلك المناظرة إلا تخجيل آدم فقط وليس ذلك مكانه مر مرارا. قوله (مسلم) بفاعل الإسلام الأزدي و (هشام) أي الدستوائي والرجال كلهم بصريون. قوله (يجمع) أي في صعيد العرصات و (لو استشفعنا) جزاؤه محذوف أو هو للتمني و (يريحنا) من الإراحة بالراء يعني يخلصنا من رب الموقف وفزع المقام الهائل وخطيئته التي أصاب هي قربان الشجرة فإن قلت أي الترجمة قلت تمام الحديث وهو قول
إبراهيم عليه السلام علكم بموسى فإنه كليم الله وهذا هو مرة أخرى من حديث الشفاعة. قوله (سليمان) أي ابن بلال و (شريك) بفتح المعجمة ابن عبد الله بن أبي نمر بالنون القرشي المدني. قال النووي جاء في رواية شريك أوهام أنكرها العلماء من جملتها أنه قال ذلك قبل أن يوحى إليه وهو غلط لو يوافق عليه وايضا العلماء أجمعوا على أن فرض الصلاة كان ليلة الإسراء فكيف يكون قبل الوحي، أقول وقول جبريل في جواب بواب السماء إذ قال أبعث نعم صريح في أنه كان بعده. قوله (أيهم هو) وكان عند رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلان آخران قيل أنهما حمزة وجعفر و (هو خيرهم) أي مطلوبك هو خير هؤلاء وقال خذوا خيرهم لأجل أن يعرج به إلى السماء و (كانت) أي هذه الرؤيا وهذه القصة في تلك الليلة لم يقع شيء آخر فيها. فإن قلت ثبت في الروايات الأخر أن الإسراء كان في اليقظة قلت إن قلنا بتعدده فظاهر وإن قلنا باتحاده فيمكن أن يقال كان أول الأمر وآخره في النوم وليس فيه ما يدل على كونه نائما في القصة كلها قوله (لبته) بفتح اللام وشدة الموحدة موضع القلادة من الصدر و (فزع) بالتشديد و (الطست) بفتح الطاء وقيل بكسرها ويقال طس بالإدغام الإناء المعروف و (التور) بفتح الفوقانية وبالواو والراء إناء يشرب فيه. فإن قلت الإيمان والحكمة معنيان فكيف يحشى بهما قلت معناه أن الطست كان فيه شيء يحصل به كمالهما فالمراد سببهما مجازا و (اللغاديد) جمعه اللغدود بالمعجمة وبالمهملتين و (عرج) بفتح الراء و (يطردان) ص 5263 يجريان و (النيل) نهر مصر و (الفرات) بالفاء الممدودة في الخط وصلا ووقفا نهر عليه ريف العراق و (عنصرهما) بضم الصاد وفتحها أصلهما وهو مرفوع بالبدلية و (أذفر) بالمعجمة والفاء والراء مسك جيدا إلى الغاية شديد ذكاء الريح، قوله (( إبراهيم عليه السلام ) )في السادسة و (( موسى عليه السلام ) )في السابعة فإن قلت مر في أواخر كتاب الفضائل أن موسى عليه السلام كان في السادسة وإبراهيم عليه السلام كان في السابعة قلت قال النووي إن كان الإسراء مرتين فلا إشكال وإن كان مرة واحدة فلعله وجده في السادسة ثم ارتقى هو أيضا إلى السابعة. قوله (بتفضيل) أي بسبب أن له فضل كلام الله تعالى و {سدرة المنتهى} أي منتهى علم الملائكة أو صعودهم أو أمر الله تعالى أو أعمال العباد ونحوه، قوله (دنا) قيل مجاز عن قربه المعنوي وظهور عظيم منزلته عند الله تعالى و (تدلى) أي طلب زيادة القرب و (قاب قوسين) هو منه صلى الله عليه وسلم عبارة عن لطف المحل وإيضاح المعرفة ومن الله تعالى إجابته وترفيع درجته إليه و (القاب) ما بين القوس و (السية) بكسر المهملة وخفة التحتانية وهي ما طف من طرفها ولكل قوس قابان وأصله قابي قوس. الخطابي ليس في هذا الكتاب حديث أبشع مذاقا ولا أشنع ظاهرا من هذا الحديث لقوله ودنا الجبار فتدلى حتى كان قاب قوسين أو أدنى فإن الدنو يوجب تحديد المسافة والتدلي يوجب التشبيه والتمثيل بالمخلوق الذي تعلق من فوق إلى أسفل ولقوله (وهو مكانه) لكن إذا اعتبر الناظر أول الحديث بآخره لا يشكل عليه معناه فإنه إن كان في الرؤيا فبعضها مثل ضرب ليتأول على الوجه الذي يجب أن يصرف إليه معنى التعبير في مثله ثم إن القصة إنما هي حكاية يحكيها أنس بن مالك بعبارته من تلقاء نفسه لم يعزها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم إن شريكا كثير التفرد بمناكير لا يتابعه عليها سائر الرواة ثم إنهم أولوا التدلي فقيل تدلى جبريل بعد الارتفاع حتى رآه النبي صلى الله عليه وسلم متدليا كما رآه مرتفعا وقيل تدلى محمد شاكرا لربه على كرامته ولم يثبت في شيء صريحا أن التدلي مضاف إلى الله تعالى ثم أولوا مكانه بمكان النبي صلى الله عليه وسلم، قوله (عهد إليك) أي أمرك أو أوصى لك و (راودت) أي طلبت وأردت، فإن قلت ما الفرق بين الأجساد والأبدان قلت قال أهل
اللغة البدن من الجسد ما سوى الرأس والأطراف و (يلتفت) في بعضها يتلفت و (عند الخامسة) أي المرة الخامسة، فإن قلت إذا خفف في كل مرة عشرا وفي المرة الأخيرة خمس تكون هذه الوقفة السادسة قلت ليس فيه هذا الحصر فربما خفف بمرة واحدة خمس عشرة مرة أو أراد به عند تمام الخامسة. قوله (ضعفاء أجسادهم) هو نحو قول النحاة قعود غلمانه، فإن قلت ما قولك في النسخ فإنه تبديل القول قلت ليس هو تبديلا بل هو بيان انتهاء الحكم و (أم الكتاب) هو اللوح المحفوظ. قوله (قد والله راودت) فإن قلت أين جواب القسم قلت محذوف أي والله لقد راودت واختلف بلفظ المضارع وفي بعضها بالماضي أي ترددت وذهبت ورجعت و (استيقظ بالغائب) وفي بعضها بالمتكلم ففيه التفات، فإن قلت ما وجه تخصيصه بموسى عليه السلام من بين سائر الأنبياء قلت إما لأنه في السماء السابعة فهو أول من وصل إليه أو لأن أمته أكثر من غيرهم وإيذائهم له أكثر من غيره أو لان دينه فيه الأحكام الكثيرة والتشريعات الوافرة إذ ص 5264 الإنجيل مثلا اكثره واعظ وهلم جرا وفيه أن للسماء أبوابا وحفظة لها وإثبات الاستئذان ودق الباب والتصريح باسم الداق وترحيب أهل الفضل عند الملاقاة وعلو مرتبة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم فوق مراتب الكل وأن الكوثر مخلوق اليوم وشرف ماء النيل والفرات والحديث مخرج مطولا ومختصرا أكثر من عشر مرات أولها في كتاب الصلاة.
الزركشي
(باب وكلم الله موسى) .
فيه حديث شريك عن أنس، وقد خلط فيه شريك بأشياء وذكر ألفاظا منكرة وقدم وأخر، ووضع الأنبياء في غير مواضعهم في السماوات، وقد خالفه الثقات الحفاظ عن أنس، وقد رواه قتادة عن أنس وأتى به ملخصا مرتبا على ما تقدم من حديث المعراج.
وكذلك رواه مسلم من حديث ثابت عن أنس على نحو رواية قتادة، فليتمسك برواية هذين الإمامين عن أنس ولا يعول على رواية شريك، قاله أبو العباس القرطبي رحمه الله.
وقال ابن حزم في هذا الحديث ألفاظ مقحمة، منها قوله (( قبل أن يوحى إليه ) )وهو باطل، ولا خلاف أن الإسراء كان بعد النبوة بمدة.
وأوله غيره على أن المراد يوحى إليه في شأن الصلاة أو الإسراء ونحوه.
وأجراه الشيخ شهاب الدين أبو شامة على ظاهره والتزم أن الإسراء كان مرتين قبل النبوة وبعدها.
ومنها قوله (( دنا الجبار ) )وعائشة تروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الذي دنا فتدلى جبريل.
وأجاب ابن الجوزي رحمه الله بأن هذا كان مناما وحكم المنام غير حكم اليقظة.
قلت عجيب فإن رؤيا الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.
(اللبة) بفتح اللام وتشديد الباء الموحدة اللهزمة التي فوق الصدر، وفيها تنحر الإبل.
(ثم أتي بطست محشوا إيمانا) كذا وقع (( محشوا ) )بالنصب، وهو حال
وصاحب الحال (( طست ) )؛ لأنه وإن كان نكرة فقد وصف بقوله (( من ذهب ) )فقرب من المعرفة.
ويجوز أن يكون حالا من الضمير في الجار والمجرور؛ لأن تقديره بطست كائن من ذهب أو مصنوع من ذهب فنقل الضمير في اسم الفاعل إلى الجار.
ورواه البخاري في باب الإسراء بالجر على الصفة.
وأما (( إيمانا وحكمة ) )فمنصوبان على التمييز.
(لغاديد) بالمعجمة جمع لغدود، وهي لحمة عند اللهوات، ويقال له لغد أيضا، ويجمع ألغاد.
(يطردان) أي يجريان، يفتعلان من الطرد.
(عنصرهما) بضم العين وفتح الصاد الأصل، وقد تضم الصاد والنون مع الفتح زائدة عند سيبويه؛ لأنه ليس عنده فعلل بالفتح.
(مسك أذفر) بذال معجمة، أي طيب الريح، والذفر بالتحريك يقع على الطيب والكريه، ويفرق بينهما بما يضاف إليه ويوصف به.