فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
فيه حديث أنس السالف في الباب قبله وفي آخره وسمعتهم يصرخون بهما جميعًا.
ولا شك أن الإهلال رفع الصوت بالتلبية، ومنه استهلال المولود وهو صياحه إذا سقط من بطن أمه، ومنه قوله تعالى {وما أهل لغير الله} [المائدة3] يعني ما رفع فيه الصوت عند ذبح الأهلة، وكل رافع صوته بشيء فهو يهل به، ومنه استهلال المطر والدمع، وهو صوت وقعه بالأرض.
ويقال أهل القوم الهلال إذا رأوه، وأرى أن ذلك من الإهلال الذي هو الصوت؛ لأنه كان ترفع عند رؤيته الأصوات إما بدعاء أو غيره، ولما كانت من شعائر الحج أعلن بها كالأذان.
وأوجب أهل الظاهر رفع الصوت بالإهلال ولابد، وهو فرض ولو مرة، واستدل بحديث خلاد بن السائب عن أبيه مرفوعًا (( جاءني جبريل فقال يا محمد، مر أصحابك فليرفعوا أصواتهم بالتلبية ) )، وهذا أمر، والحديث أخرجه أصحاب السنن الأربعة، قال (ت) حسن صحيح.
ولعبد الله بن وهب في (( مسنده ) ) (( بالإهلال والتلبية ) )يريد أحدهما، زاد الكجي في (( سننه ) ) (( فإنها من شعائر الحج ) )، وفي (ت) والحاكم من حديث أبي بكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل أي الأعمال أفضل؟ قال (( العج والثج ) )، استغربه (ت) ، و (( العج ) )رفع الصوت بالتلبية، و (( الثج ) )نحر البدن.
والجماعة كلهم على خلاف ما قاله أهل الظاهر، وإنما هو مستحب، وكان ابن عباس يرفع صوته بها ويقول هي قرينة الحج. وبه قال أبو حنيفة، والثوري، والشافعي.
وعندنا أن التلبية المقترنة بالإحرام لا يجهر بها، ثم هذا في الرجل، أما المرأة فتخفض صوتها بحيث تقتصر على إسماع نفسها، وهو إجماع، فإن رفعت فالأصح عدم التحريم، وعن معاوية أنه سمع تلبية عائشة.
قال ابن المنذر في (( إشرافه ) )وروينا عن ميمونة أم المؤمنين أنها كانت تجهر بها.
قوله (( يصرخون بهما جميعًا ) )فقد يستدل به على أنه عليه السلام كان قارنًا.
وقال المهلب إنما سمع أنس من قرن خاصة؛ لثبوت الإفراد، وليس في حديثه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يصرخ بها، وإنما أخبر بذلك عن قوم يفعلوه، وقد يمكن أن يسمع قوم يصرخون بحج، وقوم بعمرة.
وقد روى أنس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يرد روايته هذه، وهو قوله (( لولا أن معي الهدي لأحللت ) )، كما سيأتي.
وفيه رد قول أهل الظاهر في إجازتهم تقصير الصلاة في مقدار ما بين المدينة وذي الحليفة، وفي أقل من ذلك؛ لأنه عليه السلام إنما قصر بها لأنه كان خارجًا إلى مكة، وبين المدينة وذي الحليفة ستة أميال.
قام الإجماع على مشروعية التلبية، وفيها مذاهب
1 أنها سنة، قاله الشافعي، والحسن بن حي.
2 أنها واجبة يجب بتركها دم، قاله أصحاب مالك؛ لأنها نسك، ومن ترك نسكا أراق دمًا.
3 أنها من شروط الإحرام، لا يصح إلا بها، قاله الثوري، وأبو حنيفة.
قال أبو حنيفة لا يكون محرمًا حتى يلبي ويذكر، ويسوق هديه قالا كالتلبية للصلاة.
وعندنا قول أنه لا ينعقد إلا بالإهلال، لكن يقوم مقامها سوق الهدي، والتقليد، والتوجه معه.