15 -باب الاستنجاء بالماء
قوله (( أجيء أنا وغلام ) )إلى آخره، الاستنجاء مأخوذ من النجو وهو القطع. وقيل من الارتفاع. وقيل من طلب النجاة، وهو الخلاص، ورواته سلفوا خلا عطاء بن أبي ميمونة وهو بصري تابعي مولى أنس، وقيل مولى عمران بن حصين مات بعد الثلاثين ومائة، وكان يرى القدر.
و (( الغلام ) )هو الذي طر شاربه. وقيل هو من حين يولد إلى أن يشب، و (( الإداوة ) )بكسر الهمزة إناء صغير من جلد يتخذ للماء كالسطيحة ونحوها، والجمع أداوى، و (( الحاجة ) )هنا الغائط أو البول. وهذا الغلام من الأنصار كما سيأتي.
وفيه خدمة الصالحين وأهل الفضل والتبرك بذلك، وتفقد حاجاتهم خصوصًا المتعلقة بالطهارة.
وفيه استخدام الرجل الفاضل بعض أتباعه الأحرار خصوصًا إذا أرصدوا لذلك، والاستعانة في مثل ذلك فيحصل الشرف لهم بذلك. وقد صرح الروياني من أصحابنا بأنه يجوز أن يعير ولده الصغير، ليخدم من يتعلم منه، وخالفه صاحب (( العدة ) ).
وفيه التباعد لقضاء الحاجة عن الناس، وقد اشتهر ذلك من فعله صلى الله عليه وسلم.
وفيه جواز الاستعانة في أسباب الوضوء.
وفيه جواز الاستنجاء بالماء كما ترجم عليه، واعترضه الأصيلي فقال استدلالًا به ليس بالبين؛ لأن قوله (( يستنجي به ) )ليس من قول أنس، إنما هو من قول أبي الوليد، وقد رواه سليمان بن حرب، عن شعبة، (( لم يذكر يستنجي به، فيحتمل أن يكون الماء لطهوره أو لوضوئه. وذكر خلاف العلماء في المسألة وهو أنه يجوز الاستنجاء بالحجر مع وجود الماء أم لا.
ومذهب جمهور السلف والخلف أن الأفضل أن يجمع بين الماء والحجر فيقدم الحجر أولًا ثم يستعمل الماء، فتخف النجاسة وتقل مباشرتها بيده، ويكون أبلغ في النظافة، فإن أراد الاقتصار على أحدهما فالماء أفضل؛ لكونه يزيل عين النجاسة وأثرها، والحجر يزيل العين دون الأثر، لكنه معفو عنه في حق نفسه وتصح الصلاة معه كسائر النجاسات المعفو عنها.
وفيه اتخاذ آنية الوضوء كالإداوة ونحوها، وحمل الماء معه إلى الكنيف [1] .
قال والدي رحمه الله تعالى
الجوهري النجو ما يخرج من البطن يقال أنجا أي أحدث، واستنجى أي مسح موضع النجو أو غسله. فإن قلت الاستفعال للطلب فيكون معناه طلب النجو. قلت الاستفعال قد جاء أيضًا لطلب المزيد فيه نحو الاستعتاب، فإنه ليس لطلب العتب بل لطلب الأعتاب والهمزة فيه للسلب فكذا ههنا هو لطلب الإنجاء وتجعل الهمزة للسلب والإزالة.
أقول ويحتمل أن يكون على حقيقة بابه فإنه يطلب خروجه من باب بدنه وسقوطه في الكنيف ولا محذور من ذلك لا لفظًا ولا معنى.
الخطابي الاستنجاء في اللغة الذهاب إلى النجوة من الأرض لقضاء الحاجة والنجوة المرتفعة منها كانوا يستترون بها إذا قعدوا للتخلي، فقيل قد استنجى الرجل إذا أزال النجو عن بدنه، والنجو كناية عن الحدث، وقيل أصل الاستنجاء نزع الشيء من موضعه وتخليصه منه. يقال استنجيت الرطب إذا جنيته، ومعناه اصطلاحًا إزالة النجو من أحد المخرجين بالحجر أو بالماء.
قوله (( كان النبي ) )هذه اللفظة مشعرة باستمرار ذلك واعتياده له. و (( غلام ) )مرفوع، ويحتمل النصب بأنه مفعول معه. و (( إداوة ) )مبتدأ و (( معنا ) )خبره مقدم عليه، وهي جملة اسمية وقعت حالًا بدون الواو نحو قوله تعالى {اهبطوا بعضكم لبعض عدو} ومعنا يجوز فيه سكون العين.
قال صاحب (( المحكم ) )مع اسم معناه الصحبة متحركة وساكنة غير أن المحركة العين يجوز أن يكون اسمًا وحرفًا، والمسكنة حرف لا غير، وبعضهم يسكنون العين من مع فيقولون معكم ومعنا، ص 458 وعند اجتماعه بالألف واللام بفتح العين ويكسر، فيقال مع القوم فتحًا وكسرًا. الجوهري مع للمصاحبة وقد تسكن وتنون فيقال جاءوا معًا.
قوله (( يعني ) )فاعله أنس وفاعل يستنجي رسول الله وهو من كلام أحد الرواة، والظاهر أنه من كلام عطاء.
[1] في هامش المخطوط أقول فإن قلت إذا كانت فضلاته صلى الله عليه وسلم طاهرة قد شرب دمه صحابي، وشرب بوله صحابية وهي حاضنته بركة وفي فضلاته خلاف والصحيح أنها طاهرة فكأن الظاهر أن لا يتباعد فإن شئت التباعد إبعاد الأذى عن الناس وفيه ذلك منتف، قلت إنما فعل ذلك تعليمًا للأمة أو لأنه لازم لكشف العورة، وفي العرب تفسر إزالة القدر مع ستر العورة، فإن قلت إذا كانت فضلاته طاهرة فما مدة الاستنجاء. قلت لدفع ما يبقى على المخرج تنظفًا وتعليمًا لغيره من الأمة ولهذا ذكر أنه عليه السلام لم يستنج بماء غيره ذكره ابن التين في شرحه كما سلف ذكره.