فهرس الكتاب

الصفحة 3600 من 3844

5 -باب

حدثنا عمر بن حفص بسنده، حدثنا شقيق قال قال عبد الله رضي الله عنه كأني أنظر إلى النبي صلى الله عليه وسلم يحكي نبيا من الأنبياء الحديث وابن بطال وابن التين أدخلاه في الباب قبله، وقالا حديث ابن مسعود في الذين أدموا نبيهم وضربوه كانوا كفارا، والأنبياء عليهم أفضل الصلاة والسلام شأنهم الصبر على الأذى وكذلك أمروا، قال تعالى لنبيه {فاصبر كما صبر أولو العزم} [الأحقاف 35] فلا حجة للكوفيين فيه.

وذكر القرطبي أنه عليه السلام هو الحاكي وهو المحكي عنه وكأنه أوحي إليه بذلك قبل وقوع قصة أحد، ولم يعين له ذلك الشيء، فلما وقع له ذلك تعين أنه المعني بذلك.

وقد سلف طرق منه في ذكر بني إسرائيل قال القاضي عياض لا نعلم خلافا في استباحة (دم) من (سب) بين علماء الأمصار وسلف الأمة، وقد ذكر غير واحد الإجماع على قتله وتكفيره. وأشار ابن حزم إلى الخلاف في تكفير المستخف به، والمعروف ما قدمناه. قال ابن سحنون أجمع العلماء أن شاتمه والمنتقص له كافر والوعيد جار عليه بعذاب الله تعالى، وحكمه عند الأمة القتل، ومن شك في كفره وعذابه كفر.

قال أبو الفضل وحكم من غمصه أو غيره برعاية الغنم أو السهو أو النسيان أو السحر، وما أصابه من جرح أو هزيمة لبعض جيوشه أو أذى من عدو أو شدة من زمنة أو بالميل إلى نسائه فحكم هذا كله لمن قصد به النقيصة القتل، والحجة في ذلك قوله تعالي {إن الذين يؤذون الله ورسوله} [الأحزاب 57]

وقال تعالى {لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي} [الحجرات 2] إلى قوله {أن تحبط أعمالكم} [الحجرات 2] ولا يحبط العمل إلا الكفر والكافر يقتل. إلى غير ذلك من الآيات وأما الآثار فذكر الدار قطني من حديث عبد العزيز بن محمد بن الحسن بن زبالة، بسنده عن الحسين بن علي، عن أبيه أن رسول الله قال (( من سب نبيا فاقتلوه، ومن سب أصحابي فاضربوه ) ). وأخرجه الطبراني في (( أصغر معاجمه ) )بلفظ (( من سب الأنبياء [قتل] ومن سب أصحابي جلد ) )وفي الصحيح (( من لكعب بن الأشرف ) )وقد سلف، ووجه إليه من قتله غيلة دون دعوة بخلاف غيره من المشركين وعلل بالأذى، فدل أن قتله إياه كان لغير الإشراك بل الأذى، وكذلك قتل أبي رافع. قال البراء كان يؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم ويعين عليه. وفي حديث آخر أن رجلا كان يسبه فقال (( من يكفيني عدوي؟ ) )فقال خالد أنا فبعثه إليه فقتله.

قال ابن حزم وهو حديث صحيح مسند رواه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل من بلقين، قال ابن المديني وهو اسمه، وبه يعرف.

وذكر عبد الرزاق أنه عليه السلام سبه رجل فقال (( من يكفيني عدوي؟ ) )فقال الزبير أنا، فقتله.

وفيه بيان واضح كما قال ابن حزم أن من آذاه وجب قتله.

وروى البزار عن ابن عباس رضي الله عنهما أن عقبة بن أبي معيط نادى يا معاشر قريش مالي أقتل من بينكم صبرا؟ فقال له عليه السلام (( بكفرك وافترائك على رسول الله ) ).

وروى أن امرأة كانت تسبه فقال (( من يكفيني عدوتي؟ ) )فخرج إليها خالد فقتلها.

وعن ابن عباس رضي الله عنهما هجت امرأة من خطمة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال (( من لي بها؟ ) )فقال رجل من قومها أنا يا رسول الله فنهض فقتلها ص 4925 وأخبره، فقال (( لا ينتطح فيها عنزان ) ).

فإن قلت قد جاء في الحديث الصحيح عن عائشة رضي الله عنها ما انتقم رسول الله صلى الله عليه وسلم لنفسه في شيء يؤتى إليه قط إلا أن تنتهك حرمات الله فينتقم لله.

فاعلم أن هذا لا يقتضي أنه لا ينتقم ممن سبه أو آذاه أو كذبه، فإن هذه من حرمات الله التي انتقم لها، وإنما يكون ما لا ينتقم له منه فيما لا يتعلق بسوء أدب مما لم يقصد فاعله أذاه، لكن مما جبلت عليه الأعراب من الجفاء والجهل أو جبل عليه البشر من الغفلة كجبذ الأعرابي، وكرفع صوت الآخر عنده، وكما كان من تظاهر زوجيه عليه، وأشباه هذا مما يحسن الصفح عنه، أو يكون هذا مما آذاه به كافر، رجا بعد ذلك إسلامه، كعفوه عن اليهودي الذي سحره قلت

لكنه لم يسلم وعن الأعرابي الذي أراد قتله، وعن اليهودية التي سمته.

وذكر ابن حزم أن اليهودية واليهودي والسحر كان يتعين قبل نزول سورة براءة، فهو منسوخ ولا يحل العمل بمنسوخ البتة.

قال عياض وأما من قال شيئا من ذلك غير قاصد السب والإيذاء ولا معتقده، ولكنه تكلم بذلك جهلا أو لضجر أو سكر اضطره إليه أو قلة ضبط لسانه وعجرفة وتهور في كلامه، فحكمه حكم الوجه الأول القتل دون تلعثم إذ لا يعذر أحد في الكفر لجهالة ولا لشيء مما ذكرناه إذا كان عقله في فطرته سليما، إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان،

وعبارة ابن حزم أصحابنا توقفوا في كفر من سب النبي صلى الله عليه وسلم من المسلمين.

وقالت طائفة إنه ليس كفرا، روينا عن علي رضي الله عنه أنه قال لا أوتى برجل قذف داود بالزنا إلا جلدته حدين.

ومن سب أحدا من الصحابة جلد، وإن سب عائشة رضي الله عنها قتل، كما ذكره في (( الزاهي ) )عن مالك قال لقوله تعالى {يعظكم الله أن تعودوا لمثله أبدا} [النور 17] فمن عاد لمثله كفر، ومن كفر قتل، (قال) وفي سب أمهات المؤمنين غير عائشة قولان أحدهما يقتل؛ لأنه سب النبي صلى الله عليه وسلم بسبه الحليلة. والثاني أنها كالصحابي يحد حد المفتري.

وقيل من سب عائشة رضي الله عنها بما في القرآن براءتها منه فهو كفر، وإن سبها بخلافه فلا.

وقوله عليه السلام لعائشة رضي الله عنها (( إن الله رفيق يحب الرفق ) )قال الشيخ أبو الحسن بن القابسي لم يقع في كل حديث، ويجب إثبات هذا الاسم لهذا الحديث لصحته؛ إذ الأسماء لا تؤخذ إلا من الكتاب والسنة والإجماع.

ورده عليه السلام على اليهود (( وعليكم ) )رواه أنس رضي الله عنه بالواو ورواية عائشة (( بل عليكم ) )، وفي رواية ابن عمر (( عليك ) )، وفي لفظ (( عليكم ) )بغير واو.

وقال ابن أبي حبيب لم يقل وعليك؛ لأنه إذا قلتها حققت على نفسك ما قال، ثم أشركته معك فيه، ولكن عليك كأنه رد عليه.

والقاضي أبو محمد يقول الراد وعليكم بالواو.

وقال الشيخ أبو محمد في (( رسالته ) )ومن قال عليك السلام بكسر السين وهي الحجارة فقد قيل ذلك.

وذكر عن ابن طاوس يرد عليهم علاك السام، أي ارتفع عليك، والسام الموت. واختلف هل يرد عليهم السلام؟ فأباه أكثر العلماء وسمح فيه بعضهم.

واختلف هل يبدءون؟ فمنعه الأكثر وأجازه بعضهم إذا كنت مفتقرا إليه لحاجة، وقد سلف كل ذلك في موضعه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت