وقالت عائشة حضرت الصبح إلى آخره، هكذا أخرجه هنا معلقًا وقد أخرجه في مواضع من كتابه مختصرًا ومطولًا، قوله (( وحانت صلاة العصر ) )إلى آخره، هذا الحديث أيضًا أخرجه في علامات النبوة، وأخرجه (م، ت) في الفضائل وفي الطهارة وموضع الترجمة من الفقه التنبيه على أن الوضوء لا يجب قبل دخول الوقت كما نبه عليه أن المنير لأنه عليه السلام لم ينكر عليهم تأخير طلب الماء إلى حين وقت الصلاة فدل على جوازه.
وذكر ابن بطال أنه إجماع الأمة، وإن توضأ قبل الوقت فحسن، ولا يجوز التيمم عند أهل الحجاز قبل دخول الوقت، وأجازه أهل العراق.
قوله (( وحانت صلاة العصر ) )زاد قتادة وهو بالزوراء، وهو سوق بالمدينة، والوضوء هنا بالفتح؛ لأنه الماء، وكذا قوله فأتي بوضوء، وجاء هنا (( فأتي بوضوء ) )وفي رواية ابن المبارك فانطلق رجل من القوم، فجاء بقدح من ماء يسير. وفي رواية (( رحراح [1] ) )وهو القصير، فأخذه عليه السلام فتوضأ، ثم مد أصابعه على القدح فصغر أن يبسط كفه عليه، فضم أصابعه.
وروى المهلب أنه كان بمقدار وضوء رجل واحد. قال أبو حاتم بن حبان في (( صحيحه ) )وهذا اتفق له صلى الله عليه وسلم في مواطن متعددة ففي بعضها (( أتي بقدح رحراح ) )وفي بعضها (( زجاج ) )وفي بعضها (( جفنة ) )، وفي بعضها (( ميضأة ) ). وفي بعضها (( مزادة ) )وفي بعضها (( وكانوا خمس عشرة مائة ) ). وفي بعضها (( ثمانمائة ) ). وفي بعضها (( زهاء ثلاثمائة ) ). وفي بعضها (( ثمانين ) ). وفي بعضها (( سبعين ) ).
وهذه المعجزة أعظم من تفجر الحجر بالماء؛ لأن ذلك من عادة الحجر، قال تعالى {وإن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار} [البقرة74] وأما من لحم ودم فلم يعهد من غيره عليه السلام.
قوله (( ينبع ) )بضم الباء وكسرها. وفي رواية أخرى (( ينتبع ) )وفي لفظ (( يفور من بين أصابعه ) )، وفي أخرى (( يتفجر من أصابعه كأمثال العيون ) )، وفي أخرى (( سكب ماء في ركوة، ووضع أصبعه وسطها غمسها في الماء ) ).
قال القاضي وهذه القصة رواها الثقات من العدد الكثير عن الجماء الغفير، عن الكافة متصلًا عمن حدث بها من جملة الصحابة، وإخبارهم أن ذلك كان في مواطن اجتماع الكثير منهم من محافل المسلمين، ولم يؤثر عن أحد من الصحابة مخالفة للراوي فيما حكاه، ولا إنكار عما ذكر عنهم أنهم رأوه كما رآه، فسكوت الساكت منهم كنطق الناطق، إذ هم المنزهون عن السكوت على باطل والمداهنة في كذب، وليس هناك رغبة ولا رهبة تمنعهم، فهذا النوع كأنه يلحق بالقطعي من معجزاته عليه أفضل السلام.
وفيه رد على قول ابن بطال في (( شرحه ) )إن هذا الحديث شهده جماعة كثيرة من الصحابة، إلا أنه لم يرو إلا من ص 480 طريق أنس وذلك والله أعلم لطول عمره، ولطلب الناس العلو في السند، واستنبط المهلب منه أن الأملاك ترتفع عند الضرورة؛ لا أنه إذا أتي رسول الله بالماء لم يكن أحد أحق به من غيره بل كانوا فيه سواء ونوقش فيه، وإنما فيه المواساة عند الضرورة لمن كان في مائه فضل عن وضوئه.
قال والدي رحمه الله تعالى
قوله (( حانت ) )أي قربت يقال حان حينه أي قرب وقته أو أي آنت يقال حان له أن يفعل كذا أي آن. قوله (( حضرت الصبح ) )أنث فعل الحضور باعتبار صلاة الصبح و (( فالتمس ) )بصيغة المجهول، وفي بعضها (( فالتمسوا بالمعروف ) ). و (( فنزل التيمم ) )أي آية التيمم وهذا تعليق بصيغة التصحيح.
قوله (( رأيت النبي ) )أي أبصرته. و (( يجدوا ) )مشتق من الوجدان بمعنى الإصابة وفي بعضها (( فلم يجدوه ) )بإظهار الضمير. و (( فأتى ) )بصيغة المجهول. قوله (( في ذلك أي الإناء ) )فإن قلت لم يتقدم ذكر الإناء فكيف أشير إليه. قلت الوضوء دل عليه إذ الماء لابد له من إناء. و (( منه ) )أي من الماء الذي في ذلك الإناء الذي يده المباركة فيه.
قوله (( قال ) )أي أنس و (( ينبع ) )فيه اللغات الثلاث فتح التاء وكسرها وضمها، ومعناه يخرج وهو حال من المفعول إذ رأيت بمعنى أبصرت لا يقتضي إلا مفعولًا واحدًا.
قوله (( حتى توضئوا من آخرهم ) )حتى للتدريج ومن للبيان؛ أي توضأ الناس حتى توضأ الذين هم عند آخرهم وهو كناية عن جميعهم.
فإن قلت الشخص الذي هو آخرهم داخل في هذا الحكم أم لا. قلت لما كان السياق يقتضي العموم والمبالغة تجعل عند وإن كان للظرفية الخاصة لمطلق الظرفية حتى تكون بمعنى في فكأنه قال الذين هم في آخرهم.
فإن قلت هل دخل أنس في هذا الإخبار حتى يكون هو من المتوضئين به أم لا؟ قلت لا شك أن لفظ الناس عام، ولكن الأصوليين اختلفوا في أن المخاطب وأكثر العلماء عليه بكسر الطاء داخل في عموم متعلق خطابه أمرًا أو نهيًا أو خبرًا أم لا، وفي كيفية هذا التبع احتمالان
أحدهما أن الماء كان يخرج من نفس أصابعه وينبع من ذاتها، وثانيهما أن الله تعالى أكثر الماء في ذاته فصار يفور من بين أصابعه لا من نفسها وكلاهما معجزة ظاهرة.
النووي من في من عند آخرهم بمعنى إلى وهي لغة، أقول ورد من بمعنى إلى شاذ قلما يقع في فصيح الكلام ثم إن إلى لا يجوز أن تدخل على عند ثم أن ما بعد إلى مخالف لما قبلها فيلزم خروج من عند آخرهم عنه. التيمي توضئوا من عند آخرهم أي توضأ كلهم حتى وصلت النوبة إلى الآخر.
[1] في هامش المخطوط القدح الرحراح هو القريب القعر مع سعة فيه. قاله ابن الأثير.