فهرس الكتاب

الصفحة 3429 من 3844

52 -باب الصراط جسر جهنم

فيه حديث أبي هريرة رضي الله عنه. قال قال ناس يا رسول الله، هل نرى ربنا يوم القيامة؟ الحديث بطوله.

وقد أسلفنا في تفسير سورة النساء في (( هل تضارون في رؤية الشمس؟ ) )أربع روايات

وفيه رد على المعتزلة فيم إحالتهم الرؤية، والقرآن والسنة يرده، قال تعالى {وجوه يومئذ ناضرة*إلى ربها ناظرة} [القيامة 22، 23] وقال تعالى {كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون} [المطففين 15] وحديث الباب، وكذا نحو عشرين من الصحابة، منهم علي، وجرير، وصهيب، وأنس رضي الله عنه. قال الداودي وهذا الحديث في وسط الذي قبله، وكذا هو في كتاب مسلم، وقد سلف شرحه.

قوله (( من كان يعبدص 4693 شيئا فليتبعه ) )يحتمل أن يريد فليأته، ويحتمل أن يخلق في تلك الأشياء إدراك فتسير معهم.

والطاغوت الشيطان في قول عمر، والطاغوت في قوله {يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت} [النساء 60] ، كعب بن الأشرف، قاله مجاهد. قال سيبويه الطاغوت اسم واحد يقع على الجميع.

وقال أبو عبيد هو والجبت كل ما عبد من دون الله. وقال محمد بن يزيد الصواب عندي أن الطاغوت جماعة، بخلاف قول سيبويه، وقال ابن عزير الطاغوت من الجن والإنس شياطينهم، قال ويكون واحدا وجمعا. قال أبو جعفر النحاس فعلى قول سيبويه، إذا جمع فعله ذهب به إلى الشياطين، وإذا وحد ذهب به إلى الشيطان.

قوله (( فيأتيهم الله في غير الصورة التي يعرفون ) ). قيل يحتمل أن تأتيهم صورة مخلوقة، فيقول (( أنا ربكم ) )على (سبيل) الامتحان، فيقولون نعوذ بالله منك، (( فيأتيهم الله في صورته التي يعرفونها ) )والإتيان هنا عبارة عن رؤيتهم الله تعالى، وجرت العادة في المحدثين أن من كان غائبا عن غيره لا يتوصل إليه إلا بالإتيان، فعبر عن الرؤية به مجازا، وقيل معناه ظهور فعله لنا مثل قوله تعالى {فأتى الله بنيانهم من القواعد} [النحل 26] ، وقوله {وجاء ربك} [الفجر 22] .

قوله (( في الصورة ) )يحتمل وجوها كما قال ابن فورك، منها أن يكون (( في ) )بمعنى الباء، كقول ابن عباس {في ظلل من الغمام} [البقرة 210] أي بظلل، وبدل إحداهما بالآخر سائغ في الكلام، تقول الحركة في التحرك، (وبالتحرك) ، وتقديره أن الله يأتيهم بصورة غير صورته التي يعرفونه في الدنيا، وتكون الإضافة في الصورة إليه من طريق الملك والتدبير، كما يقال سماء الله، وأرضه، وبيت الله. فيكون المعنى أن الخلق عرفوا الله في الدنيا بدلالته (المنصوبة، وآياته) التي ركبها في الصور، وهي الأعراض الدالة على (حدث) الأجسام، واقتضائها محدثا بها من حيث كانوا محدثين.

قوله (( ثم يقول أنا ربكم ) )قال بعض العلماء هذه آخر محنة المؤمنين فإنه يظهر هذا القول فعلا من الله في بعض هذه الصور محنة للمكلفين في الدنيا من المؤمنين، فيظهر منهم عن صدق توحيدهم، وصحة إيمانهم ما يكون بإنكار لذلك، والفائدة فيه تعريفنا ما قدر الله سبحاثه لأهل الإيمان به في الدنيا والآخرة، أي يثبتهم في الدنيا على الحق عند اليقين، ويثبتهم في العقبى أيضا في مواضع المحن، وإنما قيل للدنيا دار محن وتكليف مطلقا، وإن كان قد تقع في العقبى المحن، فلا يطلق عليها أنها دار تكليف، بل يقال دار جزاء؛ لأن ذلك الغالب عليها، وهذا كما يقع في الدنيا جزاء، ولا يضاف إليها؛ لأنها لا تغلب عليها ولم تبن له.

قوله قبله (( فإذا أتانا ربنا عرفناه ) )يحتمل أن يكون بإظهار فعل يبديه في قلوبهم عندما يحدث لهم من إدراكه ومعاينته، أو يكون عبارة عن رؤيتهم إياه كما تقدم.

وقوله (( فيأتيهم في الصورة التي يعرفونها ) )أي يظهر لهم نوع الصورة المعهودة لهم شكلا وهيئة، ويخلق إدراكهم له، وخاطبهم بأن أسمعهم كلامه، وأفهمهم مراده، تبينوا وأتقنوا أن المكلم لهم هو ربهم. والفائدة في ذلك تعريفنا ما يفعله الله في العقبى من عصمة أوليائه، وتثبيتهم، وتأييدهم حتى لا تستفزهم مشاهدة تلك الأحوال العظيمة، ولا يستخفهم أمر تلك الصورة المنكرة التي لم يعهدوا مثلها.

ووجه معرفتهم إياه أنهم عرفوه في الدنيا عن معرفة منهم لمعبود لا يشبه شيئا بما عبدوه، فإذا كان (مرئيهم في العقبى معروفهم) في الدنيا اتفقوا أنه هو معبودهم، وحكى ابن أبي عاصم أنه قال في تأويل هذا الحديث إن ذلك تغير يقع في عيون الرائين كنحو ما يتخيل الإثسان الشيء بخلاف ما هو به، فيتوهمه الشيء على الهيئة.

قال ابن فورك وإضافة الصورة إليه بمعنى الملك والفعل ص 4694 لا بمعنى التصور بشيء من الصور تعالى الله عن ذلك لأن الهيئة، والصورة، والتأليف، والتركيب، إنما تصح على الأجسام المحدودة والجواهر المخلوقة.

قال ويحتمل أن تكون الصورة هنا بمعنى الصفة، فيكون تقدير المعنى ما يظهر لهم من شدة بأسه يوم القيامة، وإظهاره معايب الخلق ومساوئهم وفضائحهم، وإنما عرفوه سبحانه ستارا حليما غفورا، فيظهر لهم منها أن ذلك منه، وهو معنى قوله (( فيقول أنا ربكم ) )على معنى قول القائل، قالت رجلي، وقالت أذني، على معنى ظهر ذلك فيه، فيقولون عند ظهور ذلك منه مستعيذين بالله هذا مكاننا. أي نثبت ونصبر حتى تظهر رحمته وكرمه، وهو إتيان الرب لهم بإظهار جوده لهم، وعطفه عليهم، فيأتيهم بعد ذلك عند ثباتهم في الصورة التي يعرفون على معنى إبداء عفوه ومغفرته على الصفة التي عرفوه بها في الدنيا من ستره ومغفرته وحلمه، ومن هذا المعنى تقول عرفني صورة هذا الأمر، أي صفته.

وقيل هو صورة اعتقادي في هذا الأمر، والاعتقاد ليس بصورة مركبة، والمعنى يرون الله تعالى على ما كانوا يعتقدونه عليه من الصفات التي يعرفونها، والإمام مالك نهى أن يتحدث بهذا الحديث، أي لأجل خشية وقوع في محذور. وقال غيره لا يقطع بأخبار الآحاد في المغيبات. قال أبو جعفر فإن ثبت، فمعناه أن يراد بالصورة ما يأتي به في ظلل من الغمام والملائكة، أو يكونوا رأوه حين قبضوا في الموت فعرفوه بذلك، أو حين أخرجهم من صلب آدم فأشهدهم على أنفسهم. قال ويحتمل المجيء والإتيان أن يقربهم ولا يوصف بالنقلة قال وقولهم نعوذ بالله منك أن ندعو ربا لا نعرفه.

قوله (( ويضرب جسر جهنم ) )الجسر واحد الجسور التي يعبر عليها، بفتح الجيم وكسرها، ذكره ابن السكيت والجوهري. قال ابن فارس وهو معروف، قال وقال ابن دريد الجسر القنطرة، يقال لها الجسرة. قال ابن التين وقرأناه بالكسر.

وقوله (( فأكون أول من يجيز ) )أي يخلفه، قال ابن فارس والجوهري جزت الموضع، أجوزه، (جوزا) ، أي سلكته، وسرت فيه، وأجزته خلفته وقطعته.

الكلاليب جمع كلوب، بفتح الكاف، وكلاب بضمها، وهو المنشل، ويسمى المهماز، وهو الحديدة التي على خف الرائض كلابا، والمنشال حديدة ينشل بها اللحم من القدر. وقال الداودي الكلاليب التي يؤخذ بها الحديد المحمى. وفي رواية أخرى (( خطاطيف ) ). قال وهي أصح في المعنى أن تكون الخطاطيف مثل شوك السعدان، قال الجوهري وفي الثل مرعى ولا كالسعدان. والنون في السعدان زائدة؛ لأنه ليس في الكلام فعلال، غير جزعال وقهقار إلا من المضاعف، قال ولهذا النبت شوك، يقال له حسك السعدان، قال غيره وهو شوكة حديد عليه.

وقوله (( غير أنه لا يعلم قدر عظمها إلا الله ) )قال ابن التين قرأناه بضم العين وسكون الظاء، وفي رواية أخرى بكسر العين وفتح الظاء، وهو أشبه؛ لأنه مصدر.

قال الجوهري عظم الشيء عظما، أي كبر، فتقديره لا يعلم قدر كبرها إلا الله، قال وعظم الشيء أكبره.

وقوله (( ومنهم المخردل ) )أي المقطع صغارا صغارا، قال ابن التين بالدال والذال جميعا، وقرأناه بالمهملة، (وهو في(( الصحاح ) )أيضا كذلك، حيث قال خردلت اللحم قطعته صغارا بالدال والذال جميعا.

وقوله (( وحرم الله على النار أن تأكل من ابن آدم أثر السجود ) )أي لم يجعل لها قدرة على ذلك، ويجوز أن يخلق الله فيها إدراكا يحرم عليها ذلك، وآثار السجود في الجبهة والأنف والكفين وأطراف القدمين من باطنهما والركبتين.

وفيه دليل على تبعيض المرء في النار، وكذا قوله عليه السلام (( من أعتق مسلما أعتق الله بكل عضو منه عضوا منه من النار، حتى الفرج بالفرج ) ). فعلى هذا إذا كان المعتق ناقص عضو كان ما قابل ذلك ص 4695 العضو الناقص في النار.

وقوله (( قشبني ريحها ) )هو بفتح الشين، ونحفظه مخففا، وقال ابن التين هو بتشديدها، أي آذاني، كأنه قال سمني، يقال قشبه سقاه السم، وكل مسموم قشيب.

وقوله (( وأحرقني ذكاها ) )وفي بعض النسخ بالمد، يقال ذكت النار. تذكر ذكا مقصور اشتعلت، والمد فيه لغة.

وقال ابن التين قرأناه بالمد وفتح الذال، قال ابن ولاد ذكاء النار التهابها، مقصور يكتب بالألف؛ لأنه من الواو، يقال ذكت تذكر. وكذا ذكره الجوهري. وقال ابن فارس ذكاء اسم الشمس، قال وذلك أنها تذكر كالنار، والصبح ابن ذكاء من ضوئها.

وقوله (( حتى يضحك ) )الضحك من الله محمول على إظهار الرضا والقبول.

قال والدي رحمه الله تعالى

(باب الصراط جسر جهنم) قوله (سعيد) هو ابن المسيب و (عطاء) هو ابن يزيد من الزيادة الليثي مرادف الأسدي و (تضارون) بالتشديد معروفا ومجهولا أي هل تضرون أحدا أو هل يضركم أحد بمنازعة ومضايقة وبالتخفيف من الضير بمعنى الضر و (كذلك) أي واضحا جليا بلا مضارة ولا يلزم منه المشابهة في الجهة والمقابلة وخروج الشعاع ونحوه لأنها أمور لازمة للرؤية عادة لا عقلا و (الطواغيت) الشياطين والأصنام ورؤساء الضلال ولفظ الشمس والقمر والطواغيت مكرر وفي بعضها بدون التكرار وهو مقدر. فإن قلت لم يكن شمس ولا قمر قلت تكون الشمس لكن مكورة والقمر منخسفا أو هو على سبيل التمثيل. قوله (منافقوها) ظن المنافقون أن تسترهم بالمؤمنين في الآخرة ينفعهم فاختلطوا بهم في ذلك اليوم حتى ضرب بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب، قوله (يأتيهم) الإتيان والصورة من المتشابهات والأمة فيها فرقتان المفوضة والمؤولة فمن أوله قال المراد من الإتيان التجلي وكشف الحجاب ومن الصورة الصفة أو أخرج الكلام على سبيل المطابقة، قوله (أنت ربنا) فإن قلت من أين عرفوا قلت يخلق الله تعالى فيهم علما به أو بما عرفوا من وصف الأنبياء لهم أو تصير يوم القيامة جميع المعلومات ضروريات، قوله (جسر) هو جسر ممدود على متن جهنم أدق من الشعرة وأحد من السيف و (يجيز) من أجزت الوادي وجزته بمعنى مشيت عليه وقطعته وقيل معناه لا يجوز أحد على الصراط حتى يجوز هو صلى الله عليه وسلم فكأنه يجيز الناس والضمير راجع إلى الله تعالى و (الكلاليب) جمع الكلوب كتنور ويقال فيه أيضا كلاب كزنار وهو المنشار و (السعدان) نبت وهو من أفضل مراعي الإبل وله شوك عظيم من الجوانب مثل الحسك و (تخطف) بفتح المهملة وكسرها و (الموبق) أي المهلك و (المخردل) المصروع وما تقطع أعضاؤه أي جعل كل قطعة منه بمقدار خردلة قال الأصيلي هو المجردل بالجيم والجردلة الإشراف على السقوط و (الفراغ) أي الخلاص عن المهام وهو محال على الله تعالى فالمراد إتمام الحكم بين العباد و (أثر السجود) هو الجبهة ويحتمل أن يراد بالأعظم السبعة و (الحبة) بكسر المهملة بزر الرياحين و (الحميل) بمعنى المحمول يعني ينبتون سريعا و (قشبني) بالقاف والمعجمة والموحدة

ـ آذاني وشتمني والقشب أيضا الإصابة بكل ما يكره ويستقذر و (الزكا) بفتح المعجمة والقصر شدة الحر واللهب والاشتعال وقيل بالمد أيضا لغة و (ما أغدرك) فعل التعجب من الغدر وهو نقض العهد وترك الوفاء. قوله (أشقى خلقك) فإن قلت ليس هو أشقى الخلق لأنه مؤمن خارج من النار قلت الأشقى بمعنى الشقي أو يخصص الخلق بالخارجين منها، فإن قلت الضحك لا يصح على الله تعالى قلت هو مجاز عن الرضابة و (من كذا) أي من الجنس الفلاني وذلك ص 4696 الرجل قيل اسمه هناد بالنون والمهملة وقيل جهينة يقول أهل الجنة سلوه هل بقى في النار من المؤمنين أحد وعند جهينة الخبر اليقين

فإن قلت فما وجه الجمع بين الروايتين قلت يحتمل أن يكون قد أخبر أولا بالمثل ثم أطلقه بتفصيله بالعشرة وفيه وقوع الرؤية يوم القيامة والعبور على الصراط وفضيلة السجود وخروج العاصي من النار وتأنيس الله تعالى وألطافه بعبده فإن شبه هذا الكلام في مثل هذا المقام كالتمكين له من زيادة الإدلال والتوسيع عليه في المبالغة في السؤال وبيان كرم أكرم الأكرمين وجواز نقض العهد بما هو أفضل كأن من باب من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليكفر عن يمينه وليات الذي هو خير مر في الصلاة في باب فضل السجود.

الزركشي

(فيأتيهم الله في غير الصورة التي يعرفون) قيل معناه أن الله تعالى يظهر لهم صورة هائلة امتحانا لهم، وكما قال مسلم في هذا الحديث (( فيأتيهم في صورة غير التي يعرفون ) )، أي بصورة ف (( في ) )بمعنى الباء كقوله تعالى

{يأتيهم الله في ظلل} [البقرة 210] أي بظلل.

وقال بعض الأئمة المراد بالصورة الصفة، وكأنه يتجلى لكل أحد بحسب عقيدته، فقوله (( فيأتيهم الله في صورة غير الصورة التي يعرفونها فيقول أنا ربكم ) )خطابه هذا للمنافقين ومن كان يعتقده على خلاف ما هو به، وأما تجليه على ما هو به من نعوت الجلال فهو في حق المؤمنين، فالرائي هنالك مختلف الأحوال، وأما العزيز فهو الذي لا يلحقه تحول ولا زوال ولا تبدل ولا انتقال ولا تضرب له الأمثال، وهذا محتمل، والتسليم أسلم، والله بمراد رسوله أعلم انتهى كلام الزركشي.

أقوله قوله ما أغدرك ما أغدرك الغدر أن يظهر أو يفعل خلافة ويخلف فيسمى ذلك غدرا قوله الصراط جهنم قيل هو أرق من الشعر وأحد من السيف قيل هذا عبارة عن عشرة ويسره على قدر الطاعات قال القرطبي الإيمان واجب بذلك والقافه على ... الطير في الهواء فإنه على أن يمسكه على المؤمن فيجر به أو يمشيه وقال سعيد ومن النار من يجوز على الصراط .... الله ويدخلون الجنة يرحمه الله ويقتسمون المنازل بأعمالهم قوله نعوذ بالله منك بقوله المؤمنون لما سبق لهم من يعرفهم بالله في دار الدنيا بأنه منزه عن صفات هذه الصورة قوله .... الله في الصورة التي يعرفون وهي صفته التي هو عليها من الحلال والكمال بعد أن رفع الموانع عن أنصارهم قوله حفظت مثله معروف عند أحمد بالعكس.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت