فهرس الكتاب

الصفحة 168 من 3844

قوله صوت إنسانين يعذبان إلى آخره. هذا الحديث أخرجه (خ) هنا وفي موضعين إثره، وفي الجنائز والحج وفي الأدب في موضعين. وأخرجه (م) والأربعة.

وجه مطابقة هذا الحديث للترجمة أنه كبيرة؛ كونه عذب عليه، وقد قال ابن عباس ما عصي الله به فهو كبيرة، وللعلماء في ضابط الكبيرة اختلاف، سنذكره.

قوله (( بحائط من حيطان المدينة أو مكة ) )كذا ذكره هنا على الشك، وفي الأدب ذكره على الصواب فقال بالمدينة.

قوله (( يستتر ) )بتائين مثناتين فوق من السترة. وروي (( لا يستبرئ ) )وروي (( لا يستنزه ) )، وهذه الثلاث في (خ) وغيره. وروي أيضًا (( لا يستنثر ) ). والنميمة نقل كلام الناس بعضهم إلى بعض على جهة الإفساد. والجريدة السعفة. وجمعها جريد.

قوله (( كسرها كسرتين ) )أي قطعها قطعتين.

قوله (( ما يعذبان في كبير ) )أي عندهما أي عند الله كبير، وإليه يرشد قوله بعده (( بلى ) )أي بل إنه عند الله كبير وفي هنا للسبب، وهو حجة على من أنكر حجيتها له.

قوله (( لعله أن يخفف عنهما ما لم ييبسا أو إلى أن ييبسا ) )، الظاهر أنه شك من الراوي، و (( ييبسا ) )مفتوح الباء ويجوز كسرها، وقد حصل ما ترجاه في الحال وأورقا من ساعتهما، ففرح بذلك.

وقال (( رفع عنهما العذاب بشفاعتي ) )وأبعد من قال إن صاحب هذين القبرين كانا من غير أهل القبلة، وعين بعضهم صاحب أحد القبرين بما لا أوثر ذكره، وإن ذكره القرطبي في (( تذكرته ) )حكاية ووهاه.

أقول ص 527 ذكر الطبراني في (( الأوسط ) )عن أنس قال مر النبي صلى الله عليه وسلم بقبرين لبني النجار يعذبان بالنميمة والبول، وفي الحديث إثبات عذاب القبر ولا عبرة بمن أنكر ذلك.

وفيه وجوب الاستنجاء، إذ هو المراد بعدم الاستتار من البول. فلا يجعل بينه وبينه حجابًا من ماء أو حجر، ويبعد أن يكون المراد الاستتار عن الأعين.

وفيه نجاسة الأبوال، وسواء قليلها وكثيرها، وسهل فيه الشعبي وغيره، وعفا أبو حنيفة عن قدر الدرهم الكبير، ورخص الكوفيون في مثل رءوس الإبل منه.

وفيه حرمة النميمة وهو إجماع.

وفيه التسبب إلى تحصيل ما يخفف عن الميت، فإن وضعه _ صلى الله عليه وسلم _ الجريدة على القبر؛ كشفاعته لهما.

وقد روى البيهقي في أواخر"دلائله"أنه _ صلى الله عليه وسلم _ أمر أن يضع إحداهما عند رأسه والأخرى عند رجليه. وقال"فلعله أن يرفه أو يخفف عنه ما لم ييبسا".

قال والدي رحمه الله تعالى

قوله (( أو مكة ) )فإن قلت لم عرف المدينة باللام ولم يعرف مكة. قلت لأن مكة علم ومدينة اسم جنس فجئ باللام ليكون معهودًا عن مدينة النبي صلى الله عليه وسلم. فإن قلت ابن عباس كان عنده هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة ابن ثلاث سنين فكيف ضبط ما وقع بمكة قلت أما لأنه وقع بعد مراجعة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مكة سنة الفتح أو سنة الحج، وأما أنه سمع من النبي صلى الله عليه وسلم ذلك، وأما أنه من مراسيل الصحابة.

قوله (( فقبورهما ) )فإن قلت لهما قبران لا قبور قلت هو نحو {صغت قلوبكما} قال المالكي يعني به ابن مالك رحمه الله في الشواهد علم من إضافة الصوت إلى أنسانين جواز إفراد المضاف المثنى معنى إذا كان جزء ما أضيف إليه نحو أكلت رأس شاتين، وجمعه أجود كما في قلوبكم، والثنية مع أصالتها قليلة الاستعمال وإن لم يكن المضاف جزءه فالأكثر مجيئه بلفظ الثنية نحو الزيدان سيفيهما وإن أمن اللبس جاز جعل المضاف بلفظ الجمع، وفي يعذبان في قبورهما مما شاهد عليه.

قوله (( بلى كان ) )فإن قلت لفظ بل مختص بإيجاب النفي فمعناه على أنهما يعذبان في كبير فما وجه التلفيق بينه وبين وما يعذبان في كبير. قلت قال ابن بطال وما يعذبان بكبير يعني عندكم وهو كبير يعني عند الله كقوله تعالى {وتحسبونه هينا وهو عند الله عظيم} واختلف في الكبائر فقيل ابن سبع، وقيل تسع وقيل كل معصية وقيل كل ذنب ختمه الله بالنار أو لعنة أو غضب أو عذاب، وقال رجل لابن عباس الكبائر سبع فقال هي إلى سبعمائة أقرب أنه لا كبيرة مع الاستغفار ولا صغيرة مع الإصرار، والحديث حجة له لأن ترك التحرز من البول لم يتقدم فيه وعيد، قال في شرح السنة معنى ما يعذبان في كبير أنهما لا يعذبان في أمر كان يكبر أو يشق عليهما الاحتراز عنه إذ لا مشقة في الاستتار عند البول وترك النميمة ولم يرد أنهما غير كبيرين في أمر الدين. النووي ذكر العلماء له تأويلين أحدهما أنه ليس بكبير في زعمهما، والثاني ليس بكبير عليهما. وقال سبب كونهما كبيرين أن عدم التنزه من البول يلزم منه بطلان الصلاة وتركها كبيرة بلا شك، والمشي بالنميمة من أقبح القبائح لاسيما مع قوله صلى الله عليه وسلم كان يمشي بلفظ كان التي للحال المستمرة عاليا، وأقول هذا لا يصح على قاعدة الفقهاء لأنهم يقولون الكبيرة هي الموجبة للحدو لا حد على المشي بالنميمة إلا أن يقال الاستمرار المستفاد منه يجعله كبيرة؛ لأن الإصرار علي الصغيرة حكمه حكم الكبيرة أو لا يريد بالكبيرة معناها الاصطلاحي.

قوله (( كان لا يستتر ) )ولفظ كان الثاني تأكيد لكان الأولى أو زائد ولم يوجد في بعضها. قال ابن بطال معناه لا يستر جسده ولا ثيابه من مماسة البول ولما عذب على استخفافه بغسله وبالتحرز منه دل أنه من ترك البول في مخرجه ولم يغسله أنه حقيق بالعذاب، ص 528 واختلف في إزالة النجاسات. فقال مالك إزالتها ليست بفرض، وأبو حنيفة إزالتها فرض ما زاد على مقدار الدرهم واحتج من أوجب الإزالة مطلقا؛ أي الشافعي ونحوه بأنه صلى الله عليه وسلم أخبر أنه عذب في القبر بسبب البول وذلك وعيد، واستدل لمالك بأنه يحتمل أنه عذب فيه؛ لأنه كان يدع البول يسيل عليه فيصلي بغير طهر؛ لأن الوضوء لا يصح مع وجوده ويحتمل أنه فعله على عمد لغير عذر ومن ترك سنة النبي صلى الله عليه وسلم بغير عذر فهو مأثوم.

قوله (( لعله ) )فأتي بأن في خبرة. قال المالكي روي بتخفيف عنها على التوحيد والتأنيث وهو ضمير النفس وجاز إعادة الضمير في لعله وعنها إلى الميت باعتبار كونه إنسانا وكونه نفسًا ويجوز كون الهاء في لعله ضمير الشأن وجاز تفسيره بأن وصلتها لأنها في حكم جملة لاشتمالها على مسند ومسند إليه، ويجوز أن تكون أن زائدة مع كونها ناصبة كزيادة الباء مع كونها جارة، وأقول ويحتمل أن يكون الضمير منهما تفسيره ما بعد ولا يكون ضمير الشأن كقوله تعالى {ما هي إلا حياتنا الدنيا} .

قوله (( ما لم ييبسا ) )بفتح الموحدة وكسرها لغة أيضا، والضمير فيه راجع إلى الكسرتين، وفي بعضها إلى أن ييبسا وفي بعضها إلا أن ييبسا. النووي قال العلماء هو محمول على أنه صلى الله عليه وسلم سأل الشفاعة لهما فأجيبت شفاعته بالتخفيف عنهما إلى أن ييبسا وقيل ويحتمل أنه صلى الله عليه وسلم يدعو لهما تلك المدة وقيل لكونهما يسبحان ما داما رطبين وليس لليابس تسبيح قالوا في قوله تعالى {وإن من شيء إلا يسبح بحمده} معناه وإن من شيء حي ثم حياة كل شيء بحسبه فحياة الخشب ما لم ييبس وحياة الحجر ما لم يقطع، وذهب المحققون إلى أنه عمومه ثم اختلفوا هل يسبح حقيقة أم فيه دلالة على الصانع فيكون مسبحًا منزها بصورة حاله، وأهل التحقيق على أنه تسبيح وإذا كان العقل لا يحيل جعل التميز فيها وجاء النص به وجب المصير إليه. الخطابي لعله يخفف ذلك من ناحية التبرك بأثر النبي صلى الله عليه وسلم ودعائه بالتخفيف عنها فكأنه صلى الله عليه وسلم جعل مدة بقاء النداوة فيهما حدًا لما وقعت له المسئلة من تخفيف العذاب عنهما وليس ذلك من أجل أن في الرطب معنى ليس في اليابس والعامة تفرش الخوص في قبور موتاهم وأراهم ذهبوا إلى هذا وليس لما تعاطوه من ذلك وجه البتة انتهى كلام والدي رحمه الله.

أقول وأهل مصر قد اعتادوا أن يضعوا الربا حين ... على قبور موتاهم نظرًا إلى هذا الحديث فإنه صلى الله عليه وسلم علل بالرطوبة بقوله ما لم ييبسا ففهم أن كل يثاب رطب أن حياة فتحصل منه ما حصل من الجريد الرطب.

وقد ذكر القرطبي في التذكرة في تحت هذا الحديث بعد أن ذكر ما فيه من الفوائد تنبيه على غلط ذكر بعض أصحابنا فيما يقل البناء عنه أن القبر الذي عرس على النبي صلى الله عليه وسلم العسبب هو سعد بن معاذ وهذا باطل، وإنما صح أن القبر ضغطة ثم فرخ عنها وكان سبب ذلك ما رواه يونس سنده عن أمية بن عبد الله أنه سئل بعض أهل سعد ما يلهكم في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا قال وذكر لنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن ذلك فقال كان يقصر في بعض الطهور من البول وذكر هناد ص 529 بن السري سنده عن الحسن قال أصاب سعد بن معاذ جراحة فجعل النبي صلى الله عليه وسلم عند امرأة بداوية فمات من الليل فأتاه جبريل فأخبره يقال لقد مات الليلة فيكم رجل لقد اهتز العرش لحب لقاء الله إياه فإذا هو سعد قال فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم في قبره يكثر ويهلل ويسبح فلما خرج قيل له يا رسول الله ما رأيناك صنعت هكذا قط قال إنه صم في القبر صمة حتى صار مل الشعرة فدعوت الله تعالى أن يرد عنه وذلك بأنه كان لا يستبرئ عن البول.

وقال السالمي أبو محمد عبد الغالب وأما الإخبار في عذاب القبر فبالغه مبلغ الاستفاضة منهما قوله صلى الله عليه وسلم في سعد بن معاذ ولقد ضغطته الأرض ضغطة اختلفت لها صلاته قال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ينقم من أمره شيئًا إلا أنه كان لا يستبر في أسفاره من القول.

قال الشيخ رضي الله عنه فقوله صلى الله عليه وسلم ثم فرج عنه دليل على أنه صوري على ذلك للتقصير منه لا أنه بعدت بعد ذلك في قبره هذا لا يقوله أحد إلا ساك من ناب في فصله أترى من أخبر له عرس الرحمن وتلفت ووجه الملائكة الكرام فرجي بقدومها عليهم بعدت في قبره بعدما فرح عنه هيهات لا يظن ذلك إلا جاهل يخفى مجيء بفضله.

قال وقد خرج أبو داود والطيالسي حديث ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنى غل فبريرة فقال إنهما ليعذبان في غير كبير أما أحدهما فكان يأكل لحوم البأس، وأما الآخر فكان صاحب نميمة ثم دعا بجريدة فسقها نصفين فوضع نصفها على هذا القبر ونصفها على الآخر وقال عسى أن يخفف عنهما ما داما رطبين ثم قيل يجوز أن يكونا كافرين.

وقوله (( إنهما ليعذبان في غير كبير ) )يريد بالإضافة إلى الكفر والشرك وإن كانا مؤمنين فقد أخبرك أنهما يعذبان لشيء كان منهما ليس بكفر لكنهما لم يقوما منه، وإن كانا كافرين فهما يعذبان في هذين الذميين زيادة على عذابهما بكفرهما وتكذيبهما وجميع خطاياهما وأن يكونا كافرين أطهر والله أعلم فإنهما لو كانا مؤمنين لعلما لقرب العهد بتداون المسلمين يومئذ قاله ابن برجان في كتاب الإرشاد الهادي إلى التوفيق والسداد.

قال الشيخ رضي الله عنه والأظهر أنهما كانا مؤمنين وهو ظاهر الأحاديث. الطحاوي عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال أمر بعبد من عباد الله أن يضرب في قبره مائة جلدة فلم يزل يسئل الله ويدعوه حتى صرت واحدة فامتلأ قبره عليه بارا فلما ارتفع عنه أفاق فقال علام جلدتموني قال إنك صليت صلاة بغير طهور ومررت على مظلوم فلم ينصره انتهى كلام القرطبي.

وقال الطحاوي فيه ما يدل على أن تارك الصلاة ليس بكافر لأن من صلى صلاة بغير طهور فلم يصلي وقد اختفت دعوته ولو كان كافرًا ما سمعت دعوته لأن الله تعالى يقول وما دعا الكافرين إلا في ضلال.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت