قال الزهري في حديثه الملتحف المتوشح وهو المخالف بين طرفيه على عاتقه وهو الاشتمال على منكبيه.
وقالت أم هانئ التحف النبي صلى الله عليه وسلم بثوب وخالف بين طرفيه على عاتقيه. وهذا ذكره بعد مسندًا، والعاتق يذكر ويؤنث.
ثم ساق من حديث عمر بن أبي سلمة أنه عليه السلام صلى في ثوب واحد قد خالف بين طرفيه، ثم ساق من حديثه أيضًا أنه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي في ثوب واحد في بيت أم سلمة، ثم ساق من حديثه أيضا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي في ثوب واحد مشتملًا ببيت أم سلمة، واضعًا طرفيه على عاتقيه.
ثم ساق حديث أبي مرة مولى أم هانئ بنت أبي طالب عن أم هانئ أنها ذهبت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الفتح، فوجدته يغتسل، وفاطمة ابنته تستره. الحديث.
ثم ساق حديث أبي هريرة أن سائلًا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الصلاة في ثوب. الحديث.
أما حديث عمر بن أبي سلمة فخرجه (م) أيضًا في الصلاة والأربعة، وأما حديث أم هانئ فسلف في الغسل مختصرًا.
وأما حديث أبي هريرة فأخرجه (م) أيضًا (د، ن، ق) ، وبقية الباب سلف في الباب قبله وهو صريح قوله (( أولكلكم ثوبان ) ).
والتوشح أن يأخذ طرف الثوب الذي ألقاه على منكبه الأيمن من تحت يده اليسرى، ويأخذ طرفه الذي ألقاه على الأيسر من تحت يده اليمنى، ثم يعقدهما على صدره، صرح به ابن سيده وغيره.
الجوهري التحفت بالثوب تغطيت به وكل شيء تغطيت به فقد التحفت به، والتوشح هو نوع من الاشتمال تجوز الصلاة فيه؛ لأن فيه مخالفة طرفي الثوب على عاتقه كما فعله الشارع وأمر به، واشتمال الصماء المنهي عنه خلاف هذا، ومعنى مخالفته ص 702 بين طرفيه لئلا ينظر المصلي إلى عورة نفسه إذا ركع، وقد يقال المعنى عدم السقوط إذا ركع وإذا سجد، ثم في حديث أم هانئ فوائد
فيه سلام المرأة والتكنية والملاطفة بقوله مرحبًا أي صادفت رحبًا وسعة.
والكلام على الاغتسال وهذه الصلاة صلاة الضحى كما جاء في بعض طرقه، وفي بعضها أنها صلاة الإشراق، وهذا يرد قول من ادعى أنها صلاة الصبح، ومعنى زعم ذكر هنا أمرًا لا أعتقد موافقته فيه.
وقولها (( ابن أمي ) )تعني عليًا، فإنه أخوها شقيقها، وإنما قالت ابن أمي؛ لتؤكد الحرمة والقرابة والمشاركة في بطن وكثرة ملازمة الأم في قوله تعالى حكاية عن هارون لموسى {قال يبنؤم لا تأخذ بلحيتي} [طه94] .
قولها (( فلان بن هبيرة ) )هو الحارث بن هشام بن المغيرة المخزومي، كذا هو في كتاب الزبير بن بكار، وفي الطبراني (( فقلت يا رسول الله، إني أجرت حموي ) )، وفي رواية (( حموي بن هبيرة ) ).
وفي كتاب الأزرقي أنها آجرت عبد الله بن أبي ربيعة المخزومي والحارث بن هشام.
وقال ابن عبد البر استتر عندها رجلان من بني مخزوم وأجارتهما، قيل إنهما الحارث بن هشام، وزهير بن أبي أمية. وقيل أحدهما جعدة بن هبيرة. قال والأول أصح. قال وهبيرة بن وهب زوجها، وولدت له جعدة وغيره.
وقال ابن الجوزي قولها (( فلان بن هبيرة ) )إن كان من أولاده منها، فالظاهر أنه جعدة. قلت لكن رواية حموي تبعده، ولم تكن تحتاج إلى إجارة ابنها.
وفيه أمان المرأة قال ابن عبد البر أجازه العلماء أجاز ذلك الإمام أو لم يجزه وهو ظاهر الأخبار. وشذ ابن الماجشون فمنع أمانها.
قلت وكأنه يقول إنما تمت إجارتها بإجار الشارع، ولو كانت إجارتها لازمة لم يقل (( أجرنا ) ).
قوله (( أولكلكم ثوبان ) )لفظة استخبار، ومعناه إخبار عن ضيق حالهم وتقريرها عندهم، وفي ضمنه الفتوى من طريق الفحوي، ثم استقصر علمهم واستردأ فهمهم، فكأنه قال إذا كان ستر العورة واجبًا والصلاة لازمة، وليس لكل واحد ثوبان، فكيف لم يعلموا أن الصلاة في الثوب الواحد ليست جائزة؟.
قال الطحاوي وصلاته عليه السلام في الثوب الواحد في حال وجود غيره، من الأخبار المتواترة.
قال والدي رحمه الله تعالى
قوله (( في حديثه ) )أي الحديث الذي رواه في باب الستر والالتحاف لغة التغطي، وكل شيء تغطيت به فقد التحفت به، ويقال وشحها توشيحًا فتوشحت هي أي لبسته، والضمير في طرفيه راجع إلى الثوب وفي عاتقيه إلى الملتحف و (( هو ) )أي التوشح على العاتقين.
قوله (( أم هانئ ) )بالنون والهمزة هي فاختة بنت أبي طالب، و (( عمر بن أبي سلمة ) )بالمهملة واللام المفتوحتين عبد الله المخزومي أبو حفص ربيب رسول الله صلى الله عليه وسلم ص 703 ولد بأرض الحبشة في السنة الثانية من الهجرة وقبض زمان عبد الملك بن مروان بالمدينة سنة ثلاث وثمانين.
قوله (( في بيت ) )إما ظرف ليصلي وإما للاشتمال وإما لهما. قوله (( الفتح ) )أي فتح مكة و (( بأم هانئ ) )بحرف الجر، وفي بعضها (( يا أم هانئ ) )بصيغة النداء محذوفًا من الأم همزتها تخفيفًا.
قوله (( يمان ) )بفتح النون، وفي بعضها بالنون المكسورة وبالياء المفتوحة. الجوهري هو في الأصل منسوب إلى اليمن لأنه الجزء الذي صير السبعة ثمانية فهو ثمنها ثم فتحوا أوله؛ لأنهم يغيرون في النسب وحذفوا منه إحدى يائي النسبة وعوضوا منها الألف كما فعلوا في المنسوب إلى اليمن فتثبت ياؤه عند الإضافة كما تثبت ياء القاضي تقول ثماني نسوة وتسقط مع التنوين عند الرفع والجر وتثبت عند النصب لأنه ليس بجمع.
قوله (( فلما انصرف ) )أي من الصلاة (( وزعم ) )تستعمل هنا بمعنى ادعى أو قال (( ابن أبي ) )يعني عليًا، وفي بعضها (( ابن أمي ) )ولا تفاوت في المقصود إذ هي أخت علي من الأب والأم، و (( قاتل ) )اسم فاعل لا فعل ماض.
قوله (( أجرته ) )بفتح الهمزة دون المد من باب الأفعال أي أمنته وأجزت له بالدخول في دار الإسلام فكأنه مشتق من الجور والهمزة فيه للسلب والإزالة ولا يجوز فيه آجرت ممدودًا.
قوله (( فلان ) )مرفوع بأنه خبر مبتدأ محذوف، ومنصوبًا بأنه بدل رجلًا أو بدل الضمير المنصوب، و (( هبيرة ) )بضم الهاء وفتح الموحدة وسكون التحتانية وبالراء، ابن عمرو المخزومي، وكانت أم هانئ قبل إسلامها وقد أسلمت عام الفتح تحت نكاح هبيرة وولدت له أولادًا منهم هانئ الذي كنيت هي به، ولعلها أرادت ابنها من هبيرة أو ربيبها كما أن الإبهام فيه يحتمل أن يكون من أم هانئ، وأن يكون الراوي نسي اسمه فذكره بلفظ فلان.
قوله (( قد أجرنا ) )بالهمزة المقصورة؛ أي أمنا من أمنته أو بمعنى إيمانك لذلك الرجل كإيماننا له فلا يصح لعلي قتله، وفيه أن لكل فرد من أفراد المسلمين ذكرًا أو أنثى إيمان الكافر وإجارته، لكن بالشروط المذكورة في الفقيهات، وفيه تستر الرجال بالنساء، وفيه حج الرجل مع ولده، وجواز السلام من وراء حجاب، وعدم الاكتفاء بأنا في الجواب بل يوضح غاية التوضيح كما في ذكر الكنية والنسب فيها، وفيه الترحيب بالزائر وذكر كنيته، وفيه صلاة الضحى.
قوله (( أولكلكم ) )هو بهمزة الاستفهام. فإن قلت ما المعطوف عليه بالواو. قلت مقدر أي أنت سائل عن مثل هذا الظاهر، ومعناه لا سؤال عن أمثاله ولا ثوبين لكلكم إذ الاستفهام مفيد لمعنى النفي بقرينة المقام وهذا التقدير على سبيل التمثيل.
أقول قال الزركشي قوله (( في ثوب واحد مشتملًا ) )نصب على الحال، وفي بعضها (( مشتمل ) )بالرفع على خبر مبتدأ محذوف، وفي بعضها بالجر على المجاورة كقوله بجاد مزمل.
وأبو مرة اسمه يزيد. قال الزمخشري في (( ربيع الأبرار ) )أجارت أم هانئ الحارث بن هشام يوم فتح مكة فدخل عليها علي فأخذ السيف ليقتله فوثبت فقبضت على يديه فلم يقدر أن يرفع قدميه من الأرض، وجعل يتقلب ولا يقدر فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم فنظر إليهما فتبسم وقال (( قد أجرنا من أجرت ولا تغضبي عليًا فإن الله يغضب لغضبه ) )، وقال (( يا علي أغلبتك امرأة ) )فقال يا رسول الله ما قدرت أن أرفع قدمي من الأرض، فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال (( لو أن أبا طالب ولد الناس لكانوا شجعانًا ) ).