فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
3 -باب إن أحال دين الميت على رجل جاز
فيه حديث سلمة بن الأكوع كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ أتي بجنازة، الحديث. هو من أفراده، وهو أحد ثلاثياته.
ترجم (خ) على الحوالة وذكر حديثًا في الضمان؛ لأن الحوالة والحمالة عند بعض العلماء معناهما متقارب، وهو قول ابن أبي ليلى، وإليه ذهب أبو ثور؛ فلهذا أجاز أن يعبر عن الضمان بـ (( أحال ) )لأنه كله نقل ص 2100 ذمة رجل إلى ذمة آخر، ونقل ما على رجل من دين إلى آخر.
والحمالة في حديث أبي قتادة براءة لذمة الميت فصار كالحوالة سواء.
وقد اختلف في الرجل يضمن دينًا معلومًا عن ميت بعد موته ولم يترك الميت وفاء، فقالت طائفة إن الضمان له لازم، ترك الميت شيئًا أم لا، هذا قول ابن أبي ليلى، وبه قال مالك والشافعي.
وقال أبو حنيفة لا ضمان على الكفيل؛ لأن الدين قد توي، فإن ترك شيئًا ضمن الكفيل بقدر ما ترك، فإن [ترك] وفاء فهو ضامن لجميع ما تكفل به.
قال ابن المنذر فخالف الحديث.
وفي امتناعه عليه السلام أن يصلي عليه قبل ضمان أبي قتادة وصلاته عليه بعده البيان الواضح على صحة ضمانه، وأن من ضمن عن ميت دينًا فهو له لازم ترك الميت شيئًا أم لا؛ لأنهم قالوا له ما ترك وفاء.
وفيه حجة على أبي حنيفة أيضًا وخالفه أبو يوسف فقال الكفالة جائزة كان له مخاطب أو لم يكن. وقال ابن القاسم لا أحفظ عن مالك فيه شيئًا. وأجازه الشافعي إذا عرف مقدار ما تكفل به.
وقال الطحاوي قد أجاز عليه السلام ضمان أبي قتادة من غير قبول المضمون له، فدل على صحة قول أبي يوسف.
اختلف إذا تكفل عن رجل بمال هل للطالب أن يأخذ من شاء منهما؟ فقال الثوري والكوفيون والأوزاعي والشافعي وأحمد وإسحاق يأخذ أيهما شاء من المطلوب أو الكفيل حتى يستوفي حقه، وهذا كان قول مالك ثم رجع عنه فقال لا يأخذ الكفيل إلا أن يفلس الغريم أو يغيب.
وقالت طائفة الكفالة والحوالة والضمان سواء، ولا يجوز أن يكون شيء واحد عن اثنين على كل واحد منهما.
وتركه عليه السلام الصلاة على المديان إنما هو أدب للأحياء لئلا يستأكلوا أموال الناس فتذهب، وهذا كان في أول الإسلام قبل الفتوح الذي جعل لنبيه منه نصيبًا لقضاء دين المسلم فلما فتحت قال (( أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فمن توفي وعليه دين فعلي قضاؤه، ومن ترك مالًا فهو لورثته ) )، أخرجاه من حديث أبي هريرة.
وهذه عقوبة في أمور الدين أصلها المال، فلما جاز أن يعاقب في طريق دينه على سبب المال جاز أن يعاقب في المال على سبيل الدين، كما توعد عليه السلام من لم يخرج إلى المسجد أن يحرق بيته، وسيأتي ناسخه في آخر باب من تكفل عن ميت دينًا إن شاء الله تعالى.
فرع لا رجوع إذا ضمن عن الميت في التركة لتطوعه، خلافًا لمالك إن ادعى الرجوع.
وفيه إشعار بصعوبة أمر الدين، وإنما لا ينبغي تحملها إلا من ضرورة، وأبعد بعضهم فقال إنما كان يمتنع من دين غير جائز، والصواب ما قدمناه.
وحديث أبي هريرة السالف صريح في نسخ المنع، وفي رواية للحازمي _ وإن قال إنها غير محفوظ إلا أنه جيد في باب المتابعات _ من حديث ابن عباس أنه لما امتنع من الصلاة جاءه جبريل فنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال (( إن الله عز وجل يقول إنما الظالم عندي في الديون التي حملت في البغي والإسراف والمعصية، فأما المتعفف ذو العيال فأنا ضامن أن أؤدي عنه ) )، فصلى عليه النبي صلى الله عليه وسلم، وقال بعد ذلك (( من ترك ضياعًا ) )، الحديث، وقيل نسخه قوله تعالى {والغارمين} [التوبة60] ذكر أن ذلك في ص 2101 الأخيار [1] .
وقضاء دين الميت المعسر كان من خصائصه وفي الإمام بعده وجه لسد رمقه، وإن كان يحتمل _كما قال القرطبي _ أنه يكون تبرعًا من مكارم أخلاقه، وقيل كان يقضيه من ماله.
قال ابن بطال في باب من تكفل عن ميت دينًا فإن لم يعط الإمام عنه شيئًا وقع القصاص منه في الآخرة، ولم يحبس الميت عن الجنة بدين له مثله في بيت المال؛ إلا أن يكون دينه أكثر مما في بيت المال، وإن لم يتعين عنده مال من ماله، يعلمه الذي أحصى كل شيء عددًا، ومحال أن يحبس عن الجنة من له الحسنات عند من طلب ولا يقدر على الانتصاف منه في الدنيا مما يفي بدينه.
الجنازة _ بالكسر _ للسرير، وبالفتح للميت وقيل عكسه، وقيل لغتان كما سلف في موضعه.
قوله في الأولى (( هل ترك شيئًا؟ ) )قال الداودي لا أراه محفوظًا؛ لأنه إذا لم يكن عليه دين لا يسأل عما ترك.
وفيه أن ضمان الدين عن الميت يبرأ به؛ لأنه صلى عليه إذ ذاك.
قال والدي رحمه الله تعالى
قوله (( المكي ) )بلفظ المنسوب إلى مكة شرفها الله تعالى و (( يزيد ) )من الزيادة و (( سلمة ) )بالمفتوحات (( ابن الأكوع ) )وهذا سابع ثلاثيات (خ) .
قوله (( فصلى عليها ) )فإن قلت العلة في امتناعه عن الصلاة الدين ويحتمل أن هذه الثلاثة الدنانير لا تفي بالدين لكونه أكثر منها؟.
قلت يمكن أنه صلى الله عليه وسلم علم الوفاء بقرائن الحال أو بغيرها.
فإن قلت لفظ (( علي دينه ) )ضمان لا حوالة، والترجمة لها؟.
قلت الضمان عن الميت المفلس نقل الدين من ذمته إلى ذمة نفسه وهو معنى الحوالة، وقد يقال هما متقاربان حيث أن كل واحد منهما يتضمن مطالبة غير الأصيل.
وقال ابن بطال أدخل حديث الضمان في الباب؛ لأن الحوالة والحمالة عند بعضهم متقاربان وهو قول ابن أبي ليلى وإليه ذهب أبو ثور، ولهذا جاز أن يعبر عن الضمان بالحوالة؛ لأن كله نقل من ذمة إلى ذمة، والحمالة في حديث أبي قتادة براءة لذمة الميت فصار كالحوالة سواء.
الخطابي فيه أن ضمان الدين عن الميت يبرئه إذا كان معلومًا سواء خلف الميت وفاء أو لم يخلف، وذلك أنه صلى الله عليه وسلم إنما امتنع من الصلاة لارتهان ذمته بالدين، فلو لم يبرأ بضمان أبي قتادة لما صلى عليه والعلة المانعة قائمة.
وفيه فساد قول مالك إن المؤدي عنه الدين يملكه أولًا عن الضامن؛ لأن الميت لا يملك, وإنما كان هذا قبل أن يكون للمسلمين بيت مال إذ بعده كان القضاء عليه.
القاضي البيضاوي لعله صلى الله عليه وسلم امتنع عن الصلاة على المديون الذي لم يترك وفاء تحذيرًا عن الدين وزجرًا عن المماطلة، أو كراهة أن يوقف دعاؤه عن الإجابة بسبب ما عليه من مظلمة الخلق. والحديث حجة على أبي حنيفة حيث قال لا يصح الضمان عن الميت إذا لم يترك وفاء.
[1] كذا في المخطوط، ولعل الصواب (( الأحياء ) ).