(( وقال ابن المسيب المرأة بمنزلة الرجل ) )هذا رواه ابن أبي شيبة بإسناد صحيح. قال (خ) (( وسئل مالك .. إلى آخره ) ).
قال ابن التين قرأناه غير مهموز، وضبط في بعض الكتب بالهمز، وضم الياء على أنه رباعي من أجزأ، ومراده بحديث عبد الله بن زيد الذي ساقه.
قوله (( إن رجلًا قال لعبد الله بن زيد ) )إلى آخره، هذا الحديث أخرجه (خ) هنا، وسيأتي قريبًا في مواضع وعقبه في المضمضة، ومسح الرأس مرة، والوضوء من المخضب ومن التور. وأخرجه (م) وباقي الجماعة في الطهارة أيضًا.
وفيه سؤال التعلم ممن لديه علم. هذا الإناء الذي أفرغ منه كان من تور كما يأتي.
وفيه الإفراغ على اليدين معًا وقد سلف، وفيه تنبيه على غسل اليد، وفيه استحباب غسل اليد قبل إدخالها الإناء في ابتداء الوضوء.
وفيه جواز إدخال اليدين الإناء بعد غسلهما، وأنه لا يفتقر إلى نية الاغتراف، وفيه الترتيب بين غسل اليدين والمضمضة. ولم يذكر هنا الاستنشاق، وذكر بدلها الاستنثار، وقد قيل إنه هو، لكن الأصح التغاير.
وفيه تثليث المضمضة والاستنثار، وذلك سنة، والأصح الجمع في المضمضة بثلاث غرفات، وورد الفصل أيضًا بغرفتين وصحح، لكن الأصح الأول.
وفيه تثليث غسل الوجه، وقام الإجماع على سنية ذلك، وفيه تثنية غسل اليدين إلى المرفقين، وهو جائز، والأفضل ثلاثًا كما بين.
وفيه استيعاب الرأس بالمسح، والإجماع قائم على مطلوبيته، لكن هل ذلك على وجه الوجوب أو الندب؟ فيه خلاف، والكيفية المذكورة في هذا الحديث هي المشهورة في الحديث.
ومما احتج به على عدم وجوب الاستيعاب حديث المغيرة بن شعبة أنه عليه السلام مسح بناصيته وعلى عمامته.
وأجاب ابن القصار عنه بأنه يحتمل أيضًا إرادة الكل لقوله تعالى {فيؤخذ بالنواصي والأقدام} [الرحمن41] ، فإنها هنا الرءوس ولا يراد بعضها. ثم أعل حديث المغيرة بمعقل بن مسلم قال وصحيحه مرسل عن المغيرة.
قال ولو صح فلا حجة فيه؛ لأنه لم يقتصر عليها بل على العمامة أيضًا، ويصرف مسحه عليها للعذر، وفي الحديث جواز غسل بعض أعضاء الوضوء مرة وبعضها أكثر من ذلك.
وادعى ابن بطال أن قوله في الحديث جميعه ثم لم يرد بها المهلة، وإنما أراد بها الإخبار عن صفة الغسل، وأن ثم هنا بمعنى الواو، ولا يسلم له ذلك.
قال والدي رحمه الله تعالى
قوله (( بمنزلة الرجل ) )أي في وجوب مسح جميع الرأس، وهذا اللفظ يحتمل أن يراد به أنها بمنزلته في وجوب أصل المسح. قوله (( أيجزي ) )بفتح الياء أي أيكفي، وفي بعضها بضمها من الأجزاء، وهو الأداء الكافي لسقوط التعبد به.
قوله (( بعض رأسه ) )في بعضها (( ببعض ) )وفي بعضها (( الرأس ) ). و (( فاحتج ) )أي على عدم الأجزاء بحديث عبد الله بن الزبير بن عاصم الأنصاري المازني.
قوله (( المرفق ) )بفتح الميم وكسر الفاء وبعكسه موصل الذراع في العضد.
فإن قلت ما بعد إلى مخالف لما قبلها فلا يجب غسل المرفق. قلت قد صرح أهل العربية بعدم وجوب المخالفة ثم من أوجب غسل المرفق فإنما أوجبه للاحتياط.
قوله (( بدأ إلى لفظ منه ) )بيان لقوله أقبل وأدبر، ولهذا لم تدخل الواو عليه، واعلم أن الحديث لا يتم الاحتجاج به على وجوب مسح كل الرأس إذ ليس جميع ما ذكر فيه واجبًا، وإلا لوجب المضمضة والاستنثار.
فإن قلت هما واجبتان عند بعض الفقهاء قلت نحن من وراء النزاع معهم، ولئن سلمنا فلا يجب التثليث فيهما اتفاقًا وكذا في غسل الوجه، وقد قيدهما بلفظ (( ثلاثًا ) )وكذا غسل اليدين لا تثنية فيه وقيده بها.
فإن قلت المسح بيان لقوله تعالى {وامسحوا برؤوسكم} ص 501 والبيان تابع للمبين في الوجوب، ونحوه فالوجوب مستفاد من كونه بيانًا بخلاف التثليث والتثنية. قلت فعلى هذا يجب الرد إلى المكان الذي بدأ منه وهو غير واجب بالاتفاق، ثم إن التثليث وكذا التثنية بيان لقوله تعالى {فاغسلوا وجوهكم وأيديكم} ثم إنه لو كان واجبًا لما جاز الاكتفاء بالمسح بالناصية، وقد ثبت أنه مسح بناصيته، فالحق أنه أمر بإيجاد ماهية المسح سواء كان في ضمن الجميع أو في ضمن البعض فيكفي أقل ما ينطلق عليه اسم المسح.
وهذا الحديث إنما ورد في كمال الوضوء لا فيما لا بد منه بدليل الأحاديث الأخر التي لم يذكر فيها الإقبال والإدبار، واستدل أيضًا على كفاية ما ينطلق بأن الباء يجري المتعدي لما علم الفرق بين مسحت المنديل وبالمنديل.
واعترض عليه بأنه لم يثبت ذلك، وقال الله تعالى {وليطوفوا بالبيت العتيق} والطواف لا يصح بالبعض وفيه مجال للمناقشة. وقال الحنفية الواجب ربع الرأس لأن لفظ القرآن يحتمل الكل والبعض وحديث مسح بناصيته مبين له، والناصية ربع الرأس، وما جاء في حديث عبد الله مما جاوز الناصية كان على الفضل لا على الوجوب حتى لا يتضاد الحديثان، وأيضًا القياس على مسح الخف يقتضي عدم الاستيعاب.
فإن قلت نحن نقيس على مسح الوجه في التيمم. قلت قياس مسح الوضوء على مسح الوضوء أولى وأشبه من قياسه على مسح التيمم فقياسنا أرجح، ثم إن مسح الوجه في التيمم بدل من عموم غسله، فلا بد أن يأتي بالمسح على جميع مواضع الغسل منه، ومسح الرأس أصل لا بدل ولا قياس مع الفارق.
وأقول لفظ مسح بناصيته يحتمل كل الناصية، وبعضها فلا يتعين الربع، ثم يحتمل أن يقال الكل هو الواجب، وما نقص في حديث مسح بالناصية كان لعذر حتى لا يتضاد الحديثان، ثم إن الحديث روايته المغيرة هكذا مسح بناصيته وعلى عمامته ولما قرن بذلك مسح العمامة علم أنه لا تعين بلربع ولا اقتصار عليه وأنه كان به عذر.
قال ابن بطال الأمة مجمعة على أن من مسح كله فهو مؤد لفرضه، واختلفوا فيمن مسح بعضه فيجب الاستيعاب أداء لفرض الوضوء بيقين، وللخصم أن يغلب عليه بأن يقول الأمة مجمعة على وجوب الأقل، فإن من قال بالكل قال بالأقل، ومن قال بالربع قال بالأقل والزائد عليه أصله براءة الذمة عنه، فلا يجب إلا الأقل الذي هو فرض الوضوء بيقين.
فإن قلت لم ذكر في المضمضة والاستنثار وغسل الوجه لفظ ثلاثًا وفي غسل اليد لفظ مرتين، ولم يذكر في المسح وغسل الرجل العدد أصلًا. قلت إشعارًا بجواز الأمور كلها وأقل ما يؤدي به الفرض هو المرة إذ به يحصل الامتثال، والتثليث هو الأكمل والتثنية متوسطة بين الأقل والأكمل.
وفيه دلالة على جواز مخالفة الأعضاء في غسل بعضها ثلاثًا، وبعضها مرتين وبعضها مرة والوضوء على هذه الصفة صحيح لكن الأكمل التثليث، وإنما كانت مخالفتها من النبي صلى الله عليه وسلم في بعض الأوقات بيانًا للجواز كما توضأ أيضًا في بعض الأزمنة مرة مرة بيانًا له، وكان ذلك أفضل في حقه صلى الله عليه وسلم.
فإن قلت البيان يحصل بالقول. قلت إنه بالفعل أوقع في النفوس وأبعد من التأويل، واعلم أن ميل (خ) إلى وجوب الاستيعاب حيث جعل ظاهر القرآن دالًا عليه في ترجمة الباب.
وقال محيي السنة في (( شرح السنة ) )القرآن يوجب مسح الجميع والسنة خصته بقدر الناصية فلا يسقط الفرض بأقل من قدر الناصية.
وأقول لا نسلم دلالة الآية على الاستيعاب بل تدل على عدم الاستيعاب وتتبع كلام العرب يشهد بذلك، ثم إن السنة ما خصته بقدرها لحديث عبد الله.
قال ابن بطال كلمة ثم في جميع الحديث لم يرد ص 502 بها المهلة، وإنما أراد بها الإخبار عن صفة الغسل وهو ههنا بمعنى الواو.