فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
38 -باب في العطار وبيع المسك
فيه حديث أبي موسى قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( مثل الجليس الصالح ) )، الحديث.
ويأتي _ إن شاء الله تعالى _ في الذبائح، والمسك طاهر بالإجماع، ولا عبرة بخلاف الشيعة أن أصله دم.
قال ابن بطال واختلف فيمن استحب المسك ومن كرهه، والحديث حجة على الجواز؛ لأنه عليه السلام ضرب مثل الجليس الصالح بصاحب المسك، وأخبر بعادة الناس في شرائه ورغبتهم في شمه، ولو لم يجز شراؤه لبينه، وقد حرم الله بيع الأنجاس واستعمال روائح الميتة، فلا معنى لقول من كرهه، وإنما خرج كلامه عليه السلام في هذا الحديث على المثل في النهي عن مجالسة من يتأذى بمجالسته، كالمغتاب والخائض في الباطل، والندب إلى مجالسة من ينال في مجالسته الخير، من ذكر الله وتعلم العلم وأفعال البر كلها.
وقد روي عن إبراهيم الخليل عليه السلام أنه كان عطارًا، فيما ذكره ابن بطال.
ووجه إدخال هذا الحديث في الذبائح؛ ليدل على تحليله؛ إذ أصله التحريم؛ لأنه دم فلما تغير عن الحالة المكروهة من الدم _ وهو الزهم وقبح الرائحة _ صار حلالًا بطيبها، وانتقلت حاله، وكانت حاله كحال الخمر، فتحل إن كانت حرامًا بانتقال الحال.
وحديث الباب حجة في طهارة المسك؛ لأنه لا يجوز حمل النجاسة في الصلاة ولا يأثم بذلك؛ فدل على طهارته، وممن أجاز الانتفاع به علي، وابن عمر، وأنس، وسلمان الفارسي، ومن التابعين سعيد بن المسيب، وابن سيرين، ومن الفقهاء الليث والأربعة وإسحاق.
وممن خالف في ذلك عمر فيما ذكره ابن أبي شيبة أنه كره المسك وقال [لا] تحنطوني به، وكرهه عطاء، والحسن وعمر بن عبد العزيز، ومجاهد، والضحاك، وعن أكثرهم لا يصلح للحي ولا للميت؛ لأنه ميتة، وهو عندهم بمنزلة ما قطع من الميتة ولا يصح ذلك إلا عن عطاء، كما قاله ابن المنذر، والذي رأيته في (( المصنف ) )عنه خلافه.
ثم هو قياس غير صحيح؛ لأن ما قطع من الحي يجري فيه الدم وليس هذا سبيل نافجة المسك؛ لأنها مسك عند الاحتكاك [كـ] ـسقوط الشعر، وهو في معنى الجبن والبيض واللبن.
وفي أفراد (م) من حديث أبي سعيد قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( المسك أطيب الطيب ) )، وهو نص يقطع الخلاف.
وفي (د) (( كان له سكة يتطيب بها ) )، وقال ابن المنذر روينا عن النبي صلى الله عليه وسلم بإسناد جيد أنه كان له مسك يتطيب به، وذكره (خ) هنا بلفظ (( يحذيك ) )يعني يعطيه، تقول حذوته وأحذيته إذا أعطيته، والاسم الحذيا مقصور. انتهى.
أقول قال ابن البيطار قال ابن وافد النبتي أفضل من الصيني، وأجود المسك وأطيبه ما خرج من الظباء بعد بلوغه النهاية والنضج، ولا فرق بين غزلاننا وبين غزلان المسك إلا بأنياب لها كأنياب الفيلة لكل ظبي نابان جارحان من الفكين قائمان نمو الشبر فينصب لها ببلاد التبت والصين الحبائل فتصاد، وربما رموها بالسهام فيصرعونها ويقطعون عنها نوافجها، والدم في سررها حام لم ينضج، وطري لم يدرك، فتكون لرائحته نهوكة فيبقى زمانًا بذلك الأراييح الكريهة، ويستحيل بمواد من الهواء، ويصير مسكًا، وسبيل ذلك ص 1962 سبيل الثمار إذا نبتت على الأشجار، وقطعت قبل استحكام نضجها في شجرها.
وخير المسك ما نضج في وعائه فأدرك في سرته، واستحكم في حيوانه، وذلك أن الطبيعة تدفع مواد الدم إلى سرته فإذا استحكم كون الدم فيها ونضج آذاه ذلك وحكة فيفزع حينئذ إلى أحد الصخور الحادة من حر الشمس فيحتك بها، ملتذًا بذلك، فينفجر حينئذ ويسيل على تلك الأحجار كانفجار الجراح والدمل إذا نضج ما فيه عند ترادف المواد عليه، ويجد لخروجه لذة، فإذا فرغ ما في نافجته، اندمل حينئذ، ثم اندفعت إليه مواد من الدم تجتمع ثانية ككونها بدأ، فتخرج رجال التبت يقصدون مرعاها بين تلك الحجارة فيجدون الدم قد جف على تلك الصخور والأحجار، قد أحكمته المواد وأنضجته الطبيعة في حيوانه، وجففته الشمس، وأثر فيه الهواء، فيأخذونه، فذلك أفضل المسك فيودعونه نوافج معهم، قد أخذوها من غزلان اصطادوها معدة معهم.
والتبت ذو مدن كثيرة، فيضاف مسك كل ناحية إليها، ولغزاله نابان صغيران محدودان الأعلى منها تدلى على أسنانه السفلى، ويداه قصيرتان ورجلاه طويلتان وبلدهم وعر صعود وهبوط، فتصاد إذا صاروا في الهبوط.
ابن عمران ينفع المشايخ والمرطوبين، وخاصة في البلاد الباردة، ويصدع الشباب والمحرورين ولا سيما في البلاد الحارة، ويعقل النظر ويزيد صفرة الوجه، ويبطل عمل السموم، وجماعة من أطباء فارس ذكروا أن فيه رطوبة تعين بسببها على الباه.
الرازي يبخر الفم إذا حل في الطبيخ.
ابن رضوان ينفع من أوجاع البواسير الظاهرة طلاء عليها. انتهى كلام ابن بيطار.
وقال الكمال الدميري في كتاب (( حياة الحيوان ) )قال (( وفي مشكل الوسيط لابن الصلاح ) )، عن ابن عقيل البغدادي أن النافجة في جوف الظبية، كالأنفحة في جوف الجدي، ونقل عن علي بن مهدي الطبري، أحد أئمة أصحابنا، أنها تلقيها من جوفها كما تلقي البيضة الدجاجة. والمشهور أنها ليست مودعة في الظبية بل خارجة ملتحمة في سرتها.
ونقل عن القفال الشاشي أنها تندبغ بما فيها من المسك فتطهر طهارة المدبوغات.
وفيه الحض على صحبة الصالح وتجنب الجليس السوء، وفي الحديث (( دين المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل ) ).
وفيه جواز اشتراء المسك وهو إجماع.
والكير الموضع الذي يجمع فيه الحداد، قاله الداودي، وقيل الفرن المبني، وقيل الزق الذي ينفخ فيه.
قوله (( لا يعدمك ) )بفتح الياء؛ أي لا يعدوك، وضبطه في أصل الدمياطي بضم أوله وكسر ثالثه.
قال ابن التين وهو ما ضبط هنا.
وفيه إباحة المقايسات في الدين، استنبطه ابن حبان في (( صحيحه ) ). المسك ذكر، ومن أنثه ذهب إلى رائحته.