فهرس الكتاب

الصفحة 1189 من 3844

فيه حديث أبي إسحاق الشيباني _ واسمه سليمان _ عن ابن أبي أوفى قال كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر، فقال لرجل (( انزل فاجدح لي ) )، الحديث.

تابعه جرير ... إلى آخره.

وحديث مالك ويحيى، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة أن حمزة بن عمرو الأسلمي قال يا رسول الله، الحديث.

حديث ابن أبي أوفى أخرجه (م) أيضًا، وزاد أنه في شهر رمضان و (( إذا غابت الشمس من ههنا ) ).

وفي بعض طرق (خ) أن الرجل إنما جدح في المرة الرابعة بما أمره رسول الله وفي كل ذلك يراجعه، وفي أخرى أنه جدح في الثالثة.

ومتابعة جرير خرجها في الطلاق، ومتابعة أبي بكر بن عياش ستأتي، وحديث عائشة أخرجه (م) أيضًا.

الرجل الذي قال له اجدح لنا جاء في بعض طرق الحديث أنه بلال.

والجدح _ بجيم مفتوحة ثم دال ساكنة ثم حاء مهملة _ أن يحرك السويق بالماء فيخوض حتى يستوي، وكذلك اللبن ونحوه.

والمجدح _ بكسر الميم _ عود مجنح الرأس يساط به الأشربة، وربما يكون له ثلاث شعب.

وقال الداودي اجدح يعني احلب، قال ومنه قيل لبعض النجوم التي تكون عند ارتفاعها وهبوطها مجادح، ورده عياض وغيره.

وقال ابن سيده وصاحب (( العين ) )المجدح خشبة في رأسها خشبتان معترضتان، وكلما خلط فهو جدح، وعن القزاز هو كالملعقة، وقال الجوهري جدحت السويق واجتدحته؛ أي لينته. وفي (( المنتهى ) )شراب مجدوح، ومجدح؛ أي مخوض، والمجدح عود ذو جوانب، وقيل هو عود يعرض رأسه، والجمع مجادح.

قوله (( يا رسول الله، الشمس ) )ظن أن الفطر لا يحل إلا بعد ذلك لما رأى من ضوء الشمس ساطعًا، وإن كان جرمها غائبًا نوره، فلذلك قال ذلك، وفي بعض روايات (( الصحيح ) )إن عليك نهارًا، وهو معنى رواية أخرى لو أمسيت؛ أي تأخرت حتى يدخل المساء.

وتكريره المراجعة لغلبة اعتقاده أن ذلك نهارًا يحرم فيه الأكل مع تجويزه أنه عليه السلام لم ينظر إلى ذلك الضوء نظرًا تامًا، فقصد زيادة الإعلام، فأعرض عليه السلام عن الضوء واعتبر غيبوبة الشمس، ثم بين ما يعتبره من لم يتمكن من رؤية جرم الشمس وهي إقبال الظلمة من المشرق؛ فإنها لا تقبل منه إلا وقد سقط القرص.

ومعنى (( أفطر ) )دخل في وقت فطره.

فيه استحباب تعجيل الفطر، وأن الصوم ينقضي بمجرد الغروب، وتذكير العالم يخاف ص 1842 أنه يكون نسيه، وإسراع الناس إلى إنكار ما يجهلون لما جهل للب الدليل الذي عليه الشارع، وأن الجاهل بالشيء ينبغي أن يسمح له فيه المرة بعد المرة، والثالثة تكون فاصلة بينه وبين معلمه كما فعل الخضر بموسى وقال {هذا فراق بيني وبينك} [الكهف78] .

وفيه أيضًا أن الفطر على التمر ليس بواجب وهو مستحب، لو تركه جاز.

ومعنى (( أسرد الصوم ) )آتي به متواليًا، من سرد يسرد _ بضم المضارع _ وضبط في بعض الأمهات بضم الهمزة ولا وجه له في اللغة _ كما قال ابن التين _ إلا أن يزيد بفتح السين وتشديد الراء على التكثير.

وفيه رد لمن يرى كراهية سرد صوم الدهر؛ لأنه لم ينكر عليه بل أمره وأذن له في السفر ففي الحضر أولى، وهو عندنا مكروه لو خاف ضررًا أو فوت حقًا لغيره، ويحمل نهيه عبد الله بن عمرو على ضعفه عن ذلك؛ لأن حمزة ذكر قوته، ذكرها غيره وكان ذلك من أعلام نبوته، وكبر عبد الله وضعف وقال ليتني أخذت برخصة رسول الله.

ثم ظاهره جواز صوم الفرض أيضًا في السفر، وإن قيل إنه يحتمل أن يريد التطوع عملًا بقوله (( إني أسرد الصوم ) )، وهو مذهب أهل الظاهر.

والحديث دال على تخيير الصائم في السفر بينه وبين تركه، والعد في الآية لمن أفطر؛ لأنه يصوم ويقضي.

وممن روي عنه التخيير ابن عباس، وذكر أنس وأبو سعيد ذلك عن الصحابة.

واختلف في الأفضل من ذلك لمن قدر عليه ولم يتضرر به، فروي عن عثمان بن أبي العاص وأنس بن مالك أن الصوم أفضل، وهو قول النخعي وسعيد بن جبير، وحكاه ابن أبي شيبة، عن مجاهد وحذيفة أيضًا، وإليه ذهب أبو حنيفة وأصحابه والشافعي [1] ومالك وأصحابه والثوري وأبو ثور.

وروي عن ابن عمر وابن عباس وسعيد بن المسيب والشعبي أن الأفضل الفطر؛ لأنه رخصة وصدقة تصدق الله بها فوجب قبولها، وهو قول الأوزاعي وأحمد وإسحاق وعبد الملك من المالكية، روي عن عمر وابنه وأبي هريرة وابن عباس إن صام في السفر لم يجزه وعليه القضاء في الحضر، وعن عبد الرحمن بن عوف قال الصائم في السفر كالمفطر في الحضر، ذكره أجمع ابن المنذر، وبه قال أهل الظاهر.

وقد صح التخيير في الصيام في السفر والفطر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه صاموا مرة وأفطروا أخرى فلم يعب بعضهم على بعض، فلا يلتفت إلى من خالف ذلك.

وقال عمر بن عبد العزيز ومجاهد وقتادة أفضل الأمرين أيسرهما عليه قال الله تعالى {يريد الله بكم اليسر} [البقرة185] . قال ابن المنذر وبه أقول.

وصح أنه عليه السلام قال (( ليس من البر الصيام في السفر ) )، وقال فيمن صام (( أولئك العصاة ) )، وهو محمول أن هذا إنما قاله لما خرج عام الفتح إلى مكة في رمضان فصام حتى بلغ كراع الغميم فصام الناس، ثم دعا بقدح من ماء فرفعه حتى نظر الناس إليه وشربه، فقيل له بعد ذلك إن بعض الناس قد صام فقال (( أولئك العصاة أولئك العصاة ) )، أخرجه (م) من حديث جابر منفردًا به.

وحديث (( ليس من البر الصيام في السفر ) )إنما قال في الرجل الذي ظلل عليه من شدة ما ناله من الصوم كما سيأتي؛ أي من بلغ إلى هذه الحالة ليس من البر صومه.

وأثر ابن عمر أخرجه ابن أبي شيبة، وأثر أبي هريرة أخرجه أيضًا، وأثر عبد الرحمن بن عوف السالف الصائم في السفر كالمفطر في الحضر رواه الزهري عن أبي سلمة، عن أبيه، وهو منقطع، أبو سلمة لم يسمع شيئًا، وأخرجه (ق) من ص 1843 حديث ابن عمر مرفوعًا به.

ولابن أبي حاتم من حديث غالب بن فائد، بسنده عن جابر يرفعه (( خياركم من قصر الصلاة وأفطر ) ).

فإن قلت الأخبار السالفة ليس فيها إلا مجرد الفعل، ولا يلزم منه الإجزاء ولا سقوط القضاء؟

قلت إخبارهم بصومه مع ترك الإنكار دال على الإجزاء، لإجماع الكل أنه لا يجب الجمع بين الصوم والقضاء.

فإن قلت يجوز أن يكونوا صاموه من غير رمضان؟

قلت خلاف الظاهر ورمضان لا يقبل غيره.

[1] في هامش المخطوط (( أقول يلزم أبا حنيفة أن يقول بوجوب الفطر في السفر كما قال بوجوب القصر فيه، وكذا يلزم الشافعي أن يقول بأفضلية الفطر كما قال بأفضلية القصر في ثلاثة مراحل ) ).

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت