فهرس الكتاب

الصفحة 3409 من 3844

32 -باب ما يتقى من محقرات الذنوب

فيه حديث أنس رضي الله عنه، قال إنكم لتعملون أعمالا الحديث.

إنما كانوا يعدون الصغائر من الموبقات؛ لشدة خشيتهم لله، وإنه لم يكن لهم كبائر، ألا ترى أن إبراهيم عليه السلام إذا سئل الشفاعة يوم القيامة يذكر ذنبه بتلك الكلمات الثلاث في زوجته، وإني سقيم، وفعله كبيرهم. فرأى ذلك من الذنوب، وإن كان لقوله وجه صحيح فلم يقنع من نفسه إلا بظاهر يطابق الباطن، وهذا غاية الخوف، والمحقرات إذا كثرت صارت كبائر؛ للإصرار عليها والتمادي فيها،

وذكر أسد بن موسى، عن ابن مسعود رضي الله عنه قال إياكم ومحقرات الذنوب، فإنها تجمع حتى تهلك صاحبها، وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ضرب لنا مثلا كمثل ركب نزلوا بأرض فلاة، فلم يجدوا فيها حطبا؛ فانطلق كل واحد منهم فجاء بعود حتى اجتمعت أعواد؛ فأوقدوا نارا أنضجت ما جعل فيها.

وقال الصديق رضي الله عنه إن الله يغفر الكبير فلا تيأسوا، ويعذب على الصغير فلا تغتروا.

قال والدي رحمه الله تعالى

(باب قول النبي صلى الله عليه وسلم لو تعلمون ما أعلم) أي من الأهوال والأحوال التي بين أيدينا عند النزع وفي البرزخ ويوم القيامة. قوله (يحيى بن بكير) مصغرا و (عقيل) بضم العين ومعنى الحديث لو علمتم ما أعلم من الهائلات والمخوفات لسهل عليكم امتثال أمر الله تعالى فيما قال {فليضحكوا قليلا وليبكوا كثيرا} وفيه نوعان من صفة البديع مقابلة الضحك بالبكاء والقلة بالكثرة ومطابقة كل منهما بالآخر و (سليمان بن حرب) ضد الصلح. قوله (الأعرج) هو عبد الرحمن و (المكاره) نحو الاجتهاد في العبادات والصبر على مشاقها وكظم الغيظ والعفو والحلم والإحسان إلى المسيء والصبر على المعاصي وأما الشهوات التي النار محجوبة بها فهي الشهوات المحرمة كالخمر والزنا والغيبة والملاهي وأما المباحة فهي ما يكره الإكثار منها مخافة أن تجر إلى المحرمات أو تقسي القلب أو تشغل عن الطاعات قالوا هذا من جوامع الكلم ومعناه لا يوصل إلى الجنة إلا بارتكاب المكروهات والنار إلا بالشهوات وهما محجوبتان بهما فمن هتك الحجاب وصل إلى المحجوب فهتك حجاب الجنة باقتحام المكاره وهتك حجاب النار بالمشتهيات وفي بعض الروايات بدل حجبت حفت وقيل هو خبر بمعنى الأمر والنهي. قوله (موسى بن مسعود النهدي) بفتح النون وسكون الهاء بالمهملة و (الأعمش) بالجر عطفا على منصور واسمه سليمان و (الشراك) سير النعل وهي ما وقيت به القدم من الأرض وفيه دليل واضح على أن الطاعات موصلة إلى الجنة والمعاصي مقربة من النار وقد يكون في أيسر الأشياء فينبغي للمؤمن أن لا يزهد في قليل من الخير ولا يستقل قليلا من الشر فيحسبه هينا وهو عند الله عظيم ص 4644 فإن المؤمن لا يعلم الحسنة التي يرحمه الله بها والسيئة التي يسخط الله عليه بها. قوله (عبد الملك بن عمير) مصغر عمر و (باطل) أي فان أو غير ثابت أو خارج عن حد الانتفاع، فإن قلت هذا مصراع لا بيت قلت أطلق البعض وأراد الكل مجازا أو المراد هو ومصراعه الآخر وهو وكل نعيم لا محالة زائل

فإن قلت روي أنه لما أنشد لبيد العامري المصراع الأول قال له عثمان رضي الله عنه صدقت ولما أنشد الثاني قال له كذبت إذ نعيم الجنة لا يزول قلت يراد بالنعيم ما هو نعيم لنا في الحال أي النعيم الدنيوي بقرينة أن الضارب حقيقة في مباشرة الضرب حالا. فإن قلت التصديق بالأول ينافي التكذيب بالثاني إذ من صدق أن ما خلا الله باطل يلزمه القول ببطلان ما سوى الله وكل نعيم دنيوي أو أخروي هو سواه قلت ليس المراد بالله ذاته فقط بل ذاته وصفاته وما كان له من الإيمان والعمل الصالح والثواب ونحوه مر في الأدب في باب ما يجوز من الشعر. قوله (فضل) بكسر المشددة المعجمة و (الخلق) بفتح المعجمة الصورة أو الأولاد والأتباع ونحوه أي فيما يتعلق بزينة الدنيا وهو المال والبنون و (ينظر إلى أسفل منه) ليسهل عليه نقصانه ويفرح بما أنعم الله عليه ويشكر عليه وأما في الدين وما يتعلق بالآخرة فينظر إلى من فوقه لتزيد رغبته في اكتساب الفضائل. قوله (أبو معمر) بفتح الميمين عبد الله و (جعد) بفتح الجيم وإسكان المهملة الأولى ابن دينار أبو عثمان

و (أبو رجاء) ضد الخوف (العطاردي) بضم المهملة وكسر الراء والرجال كلهم بصريون لأن ابن عباس سكان البصرة. قوله (فيما يورى عن ربه) فإن قلت أما المقصود من هذا الكلام إذ كل كلامه كذلك إذ هو صلى الله عليه وسلم ما ينطق عن الهوى قلت أما بيان أنه من الأحاديث القدسية أو بيان ما فيه من الإسناد الصريح إلى الله حيث قال أن الله كتب أو بيان الواقع وليس فيه أن غيره ليس كذلك بل فيه أن غيره كذلك إذ قال فيما يرويه أي في جملة ما يرويه. قوله (كتب الحسنات) أي قدرها وجعلها حسنة أو سيئة وفيه دلالة على بطلان قاعدة الحسن والقبح العقليين وأن الأفعال ليست بذواتها قبيحة أو حسنة بل الحسن والقبح شرعيان حتى لو أراد الشارع التعكيس والحكم بأن الصلاة قبيحة والزنا حسن كان له ذلك خلافا للمعتزلة فإنهم قالوا الصلاة في نفسها حسنة والزنا قبيح والشارع كاشف مبين لا مثبت وليس له تعكيسا. قوله (عشر حسنات) قال الله تعالى {من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها} و (إلى سبعمائة ضعف) أي مثل والضعف يطلق على المثل وعلى المثلين قال تعالى {مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة} و (إلى أضعاف كثيرة) قال تعالى {والله يضاعف لمن يشاء} فإن قلت لما كان الهم في الحسنة معتبرا باعتبار أنه فعل القلب لزم أن يكون الهم بالسيئة أيضا كذلك قلت هذا من فضل الله سبحانه وتعالى على عباده حيث عفى عنهم قال تعالى {لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت} إذ ذكر في السياق الافتعال الذي لا بد فيه من المعالجة والتكلف فيه كما فضل عليهم أيضا بكتابة الحسنة عشرا وكتابة السيئة واحدة، فإن قلت إذا هم بالسيئة ولم يعملها ص 4645 فغايته أن لا تكتب له سيئة فمن أين تكتب له حسنة قلت الكف عن الشر حسنة، فإن قلت اتفقوا على أن الشخص إذا عزم على ترك صلاة بعد عشرين سنة عصى في الحال قلت العزم وهو توطيد النفس على فعله غير الهم الذي هو تحديث النفس من غير استقرار وفيه أن الحفظة تكتب ما يهم به العبد ولا يشترط ظهوره منه ولا يخفى أن الترك الذي يثاب عليه ما يكون لوجه الله تعالى لا لأمر آخر، الخطابي هذا إذا تركها مع القدرة عليها إذ لا يسمى الإنسان تاركا للشيء الذي لا يقدر عليه. قوله (أبو الوليد) بفتح الواو هشام الطيالسي و (مهدي) ابن ميمون الأزدي البصري و (غيلان) بفتح المعجمة وسكون التحتانية ابن جرير والرجال بصريون، قوله (إن كنا) إن مخففة من الثقيلة، قال ابن بطال جاز استعمال أن المخففة بدون اللام الفارقة بينها وبين النافية عند الأمن من الالتباس ومعنى الحديث راجع إلى قوله تعالى {وتحسبونه هينا وهو عند الله عظيم} .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت