فجاء الإمام الأول فيه حديث عائشة وقد تقدم في صلاته عليه السلام في مرضه.
ثم ساق حديث سهل بن سعد الساعدي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذهب إلى بني عمرو ... الحديث.
هذا الحديث أخرجه (خ) في سبعة مواضع هنا، ومثله في الصلاة فيما يجوز من التسبيح والحمد للرجال، ورفع الأيدي فيها لأمر ينزل به، والإشارة فيها والسهو والصلح والأحكام، وأخرجه (م) أيضًا.
وبنو عمرو بن عوف من ولد مالك بن الأوس من الأنصار وكانوا بقباء فصلى عليه السلام الظهر ثم أتاهم ليصلح بينهم، وكان بينهم شر وقتال وتراموا بالحجارة، فجلس وحانت الصلاة.
وفيه ذهاب الإمام للإصلاح بين رعاياه؛ لئلا يختلفوا فيفسد حالهم، وفصل الإصلاح بين الناس.
قوله (( فحانت الصلاة ) )، قوله (( فجاء المؤذن إلى أبي بكر ) )هو بلال؛ إذ في أبي داود فقال يعني عليه السلام لبلال (( إن حضرت صلاة العصر ولم آتك فمر أبا بكر فليصل بالناس ) )فلما حضرت العصر أذن بلال ثم أقام، ثم أمر أبا بكر فتقدم، وفي هذه الرواية بيان أن هذه الصلاة هي العصر، وقد جاء أيضًا ذلك في بعض طرقه.
قوله فقال (( أتصلي بالناس فأقيم؟ ) )فيه سبع فوائد
1 تقدم غير الإمام إذا تأخر ولم يخف فتنة وإنكار من الإمام، وتقديم الناس لأنفسهم إذا غاب.
2 تقديم الأصلح والأفضل.
3 عرض المؤذن وغيره التقدم على الفاضل وموافقته.
4 تفضيل الصديق حيث قدم وإشارته صلى الله عليه وسلم بالثبات على حاله، ذكره ابن الجوزي وابن التين، وقد أقر مالك أن الشارع هو الذي قدمه.
5 تفضيل الصلاة في أول الوقت. وقال ابن التين إنهم خافوا الفوت، وظنواص 941 أنه صلى الله عليه وسلم لا يأتيهم في الوقت، ففيه المحافظة على الأوقات.
6 أن الإقامة لا تصح إلا عند إرادة الدخول في الصلاة؛ لقوله أتصلي فأقيم.
7 أن المؤذن هو الذي يقيم، وهذا هو السنة، فإن أقام غيره كان خلاف السنة، نعم يعتد بإذنه عند الجمهور.
قوله (( فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم والناس في الصلاة ) )جاء في رواية أخرى أنه جاء بعد أن كبر الصديق وكبر الناس، وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ليصل إلى موضعه.
ففيه جواز فعل الإمام ذلك عند الحاجة إليه لخروجه لطهارة أو رعاف أو نحوهما، ورجوعه، وكذا من احتاج من المأمومين إلى الخروج لعذر.
قوله (( وكان أبو بكر لا يلتفت ) )، إنما كان لا يلتفت للنهي عنه في (خ) كما سيأتي.
قال ابن عبد البر وجمهور العلماء على أن الالتفات لا يفسد الصلاة إذا كان يسيرًا. قلت وهذا إذا كان لا لحاجة فإن كان فلا كراهة، وسيعقد له (خ) بابًا ففي أبي داود من حديث سهل بن الحنظلية فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي وهو يلتفت إلى الشعب، وكان أرسل إليه فارسًا. قال الحاكم سنده صحيح، وكذا التفات الصديق عند الإكثار من التصفيق.
ورفع أبي بكر يديه بحمد الله كان إشارة منه لا كلامًا، كذا قاله ابن الجوزي، ويحتمل خلافه. قال مالك من أخبر في صلاته بسرور فحمد الله تعالى لا يضر صلاته، وله أن يتركه تواضعًا وشكر الله تعالى وللمنعم به.
قال ابن القاسم ومن أخبر بمصيبة فاسترجع قال الداودي وصلاته مجزئة. قلت ففيه شكر الله تعالى على الوجاهة في الدين، وفيه جواز إعلام المصلي بما يسره.
وإنما لم يثبت أبو بكر عند إشارة النبي صلى الله عليه وسلم إليه بالثبوت، وإن كان فيه مخالفة؛ لأنه فهم أنها إشارة تكريم لا إلزام، ويدل عليه شق الشارع الصفوف حتى خلص إليه، فلولا أنه أراد الإمامة لصلى حيث انتهى [1] .
قوله (( ما كان لابن أبي قحافة إلى آخره ) )أي لأن الكبير شأنه التقدم، ويجوز أن يكون الصديق خاف حدوث حادث في الصلاة يعرف حكمًا، فلم يتولى الصلاة مع وجوده.
قوله (( وتقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى ) )استدل به أصحابنا على جواز اقتداء المصلي بمن يحرم بالصلاة بعد، فإن الصديق أحرم بالصلاة أولًا ثم اقتدى به حين أحرم بعده، وهو أظهر القولين عندنا، وفيه الصلاة بإمامين على التعاقب.
ونقل ابن بطال عن الأكثرين المنع لغير عذر، قال ابن بطال لا أعلم من يقول إن من كبر قبل إمامه فصلاته تامة إلا الشافعي؛ بناء على مذهبه أن صلاة المأموم غير مرتبطة بصلاة الإمام.
واستنبط ابن بطال وغيره جواز الاستخلاف من هذا الحديث ووجهه أن الصديق صار مأمومًا وبنى القوم على صلاتهم، وكذا إذا خرج من الصلاة لسبق حدث ونحوه فقدم رجلًا، وهو أظهر قولي الشافعي، وبه قال عمر، وعلي، والحسن، وعلقمة وعطاء، والنخعي، والثوري، ومالك، وأبو حنيفة، وقال الشافعي مرة وأهل الظاهر لا يستخلف وادعى بعض المالكية أن تأخر الصديق وتقدم الشارع من خواصه؛ لأنهم كانوا يقدموه بالإحرام ولا يفعل ذلك بعده، وليس بظاهر.
قوله (( من نابه شيء في صلاته فليسبح ) )وفي رواية أخرى للبخاري (( فليقل سبحان الله، والتصفيق هو التصفيح بالحاء سواء صفق بيده أو صفح، وقيل هو بالحاء ص 942 الضرب بظاهر اليد إحداهما على باطن الأخرى. وقيل بل بإصبعين من إحداهما على صفحة الأخرى، وهو الإنذار والتنبيه، وبالقاف ضرب إحدى الصفحتين على الأخرى، وهو للهو واللعب.
وقال أبو داود قال عيسى بن أيوب التصفيح للنساء ضرب بإصبعين من يمينها على كعبها اليسرى. قال الداودي في بعض الروايات تصفح القوم وإنما التصفيح للنساء. يحتمل أنهم ضربوا بأكفهم على أفخاذهم. قلت وإذا ضربت المرأة كان ببطن كفها الأيمن على ظهر كفها الأيسر، ولا يضرب بطن كف على كف على وجه اللعب واللهو، فإن فعلت هذا على وجه اللعب بطلت صلاتها؛ لمنافاة الصلاة، واحتج به جماعة كما قال ابن التين على أبي حنيفة في قوله إن سبح الرجل لغير إمامه لم تجزه صلاته.
ومذهب مالك والشافعي إذا سبح لأعمى خوف أن يقع في نهر أو خوف من دابة أو حية أو جائز. وقال أصحاب أبي حنيفة إن معنى قوله (( فليسبح ) )أي بإمامه إذا سهى؛ لأن سهو إمامه سهو له، فأجاز له هذا؛ لأنه من مصلحة الصلاة.
وأجاب عنه بعضهم بأن الخبر خرج على سبب كما سلف، بتصفيقهم؛ ليعلموا الصديق بمجيئه عليه السلام، وإنما كان السبب مع غير الإمام، وهذا لا يعود إلى الإمام، فما كان مثل هذا السبب جائز، لكن قوله (( من نابه شيء ) )عام فيما كان مع الإمام وغيره. وقال مالك إنما قال ذلك على معنى العتب فعل، أي ذلك للنساء فهو ذم للتصفيق، فالمرأة تسبح كالرجل؛ لقوله عليه السلام (( من نابه شيء ) )و (( من ) )تقع على الذكور والإناث. قال والتصفيق منسوخ بقوله (( من نابه شيء في صلاته فليسبح ) )وأنكره بعضهم. وقال لأنه لا يختلف أن أول الحديث لا ينسخ آخره، ومذهب الشافعي والأوزاعي تخصيص النساء بالتصفيق، وهو ظاهر الحديث.
وفي أبي داود (( وإذا نابكم شيء في الصلاة فليسبح الرجال ولتصفح النساء ) )، وسيأتي في (خ) ، وهو في (م) التسبيح للرجال والتصفيق للنساء في الصلاة.
قال والدي رحمه الله تعالى
قوله (( الإمام الأول ) )أي الراتب (( فتأخر الأول ) )أي الداخل الذي أراد أن ينوب عن الراتب فلفظا الأول ليسا بمعنى واحد. فإن قلت المقرر في النحو أن المعرفة المعادة هي الأولى بعينها قلت ذلك عند عدم القرينة الدالة على المغايرة.
قوله (( أبو حازم ) )بالمهملة وبالزاي تقدم في باب عقد الإزار على القفا و (( فاقيم ) )بالرفع والنصب و (( فصلى ) )أي فشرع في الصلاة.
و (( تخلص ) )أي صار خالصًا من الأشغال. الجوهري خلص الشيء إليه أي وصل وخلصته من كذا أي تجنبه فتخلص.
و (( التصفيق ) )الضرب الذي يسمع له صوت، والتصفيق باليد التصويت بها.
قوله (( أن يثبت ) )الظاهر يقتضي أن يقال أن لا يثبت فحذف لا أو يجوز في منع وجعل بمعنى دعا لأنه يفيضه فهو إما إضمار وإما مجاز.
قوله (( أبو قحافة ) )بضم القاف وخفة المهملة وبالفاء، عثمان بن عامر القرشي أسلم عام الفتح وعاش إلى خلافة عمر مات سنة أربع عشرة ولم يقل لي أو لأبي بكر تحقيرًا لنفسه عند رسول الله صلى الله عليه وسلم والمراد (( بين يدي ) )القدام أو لفظ يدي مقحم أو محمول على الحقيقة.
قوله (( مالي ) )تعريض والعرض مالكم و (( نابه ) )أي أصابه (( وليسبح ) )أي ليقل سبحان اللهص 943 وفيه الإصلاح بين الناس والذهاب إليهم لذلك، وفيه أن أفضلية أبي بكر كانت مقررة في نفوس الصحابة حيث قدموه للصلاة وأن المسبوق يدخل الصف ولا يقف منفردًا، وأن المصلي لا يلتفت إلا عند شدة الحاجة وجواز إمامة المفضول مع وجود الفاضل وتعظيم الأفضل وتقديمه ولو في الصلاة وسؤال الرئيس عن مانع مخالفة أمره وإظهار الاستصغار عند الأكابر ورفع اليدين بالدعاء وأن التابع إذا أمره المتبوع بشيء وفهم منه إكرامه به لا يتحتم الفعل وله أن يتركه ولا يكون هذا مخالفة للأمر بل أدبا وتحذقا في فهم المقاصد.
وأن الإمامة لا تصح إلا عند إرادة الدخول في الصلاة لقوله فأقيم بالفاء التعقيبية وأن المؤذن هو الذي يقيم وجواز خرق الإمام الصفوف.
التيمي وفيه خطأ قول من زعم أنه لا يجوز لمن أحرم بالصلاة أن يدخل الجماعة في بقية الصلاة حنى يخرج منها بتسليم فإن دخل معهم دون السلام تفسد صلاته.
وفيه أن الامام المعهود إذا أتى والناس في الصلاة ليس له أن يخرج من قدم إلا أن يأباه كما فعل أبو بكر.
وقيل هذا خاص بالنبي صلى الله عليه وسلم لأنه لا يجوز التقدم بين يديه وليس لسائر الناس اليوم من الفضل يجب أن يتأخر له وكان جائزًا لأبي بكر أن لا يتأخر لإشارة النبي صلى االله عليه وسلم أن امكث مكانك.
وفيه دليل على أن المؤذن هو الذي يقدم للصلاة لأنه يخدم أمر الإمامة وجماعة المسجد وهي ولاية، وأن الإمام ينتظر ما لم يخش فوت الوقت الفاضل وفيه شكر الله على الرجاحة في الدين.
[1] في هامش المخطوط (( أقول لطلب الشارع الصف الأول لكن كيف يتصور الإشارة مع قيام الشارع عن يسار الصديق فإنها دليل على أن الشارع الإمام فيلزم تأخر الصديق فكان ينبغي أن يسر بالتأخر لا بالثبات في مكانه ) ).