23 -باب عرق الجنب وأن المسلم لا ينجس
عن أبي هريرة (( أن النبي صلى الله عليه وسلم لقيه في بعض طرق المدينة ... ) )الحديث.
أخرجه (م) أيضًا والأربعة، وأسقط (م) في أكثر نسخه بكرًا، وعزاه أبو مسعود وخلف إليه بإثباته، واعلم أنه وقع لحذيفة كما وقع لأبي هريرة أخرجه (م) منفردًا به، وكذا لابن مسعود، كما سيأتي.
وأبو رافع اسمه نفيع الصائغ، مدني ثقة نبيل أدرك الجاهلية. وبكر هو ابن عبد الله، المزني تابعي ثقة إمام، مات سنة ثمان ومائة. وحميد هو الطويل. ويحيى هو ابن سعيد القطان.
قوله (( وهو جنب ) )أي مبعد؛ لأن الجنابة دال على معنى البعد، و ص 601 {الجار الجنب} [النساء36] وعن الشافعي إنما سمي جنبًا من المخالطة، ومن كلام العرب أجنب الرجل إذا خالط امرأته؛ أي فمخالطتها مؤدية إلى الجنابة التي معناها البعد.
قوله (( انخنست ) )بالمعجمة ثم نون ثم مهملة؛ أي تأخرت وانقبضت، وهو لازم ومتعد، وفيه سبع روايات أخر (( انبجست ) )، (( انتجست ) )، (( اختنست ) )، (( انبخست ) ) (( احتبست ) ).
وكلها راجعة إلى الانفصال والمزايلة على وجه التعظيم له.
فائدة سبب انخناس أبي هريرة عنه أنه كان إذا لقي أحدًا من أصحابه ماسحه ودعا له، كما أخرجه ابن حبان من حديث حذيفة، وفي (ن) من حديث أبي وائل، عن ابن مسعود قال لقيني النبي صلى الله عليه وسلم وأنا جنب، فأهوى إلي، فقلت إني جنب. فقال (( إن المسلم لا ينجس ) ).
قوله (( كنت جنبًا ) )أي ذا جنابة، يقال جنب الرجل وأجنب إذا أصابته الجنابة.
قوله (( سبحان الله ) )المراد بها التعجب من أن أبا هريرة اعتقد نجاسة نفسه بسبب الجنابة، وهذه اللفظة من المصادر اللازمة للنصب. ومعناه تنزيه الله وبراءته عن النقصان الذي لا يليق بجلاله.
قوله (( ينجس ) )بفتح مضارعه وضمها بناءً على أن ماضيه نجس، بالفتح أو بالضم.
فيه استحباب الطهارة عند مجالسة العلماء [1] ؛ ليكون على أكمل الحالات.
وفيه أن العالم إذا رأى من تابعه أمرًا يخاف عليه فيه خلاف الصواب سأله عنه، وقال له صوابه. وفيه جواز التعجب بسبحان الله. وفيه تأخير الاغتسال عن أول وقت وجوبه، وجواز انصرافه في حوائجه قبله.
وفيه طهارة المسلم حيا وميتًا، أما الحي فإجماع، وأما الميت فهو الأصح من قول الشافعي، وصححه القاضي عياض أيضًا.
وسيأتي تعليق (خ) عن ابن عباس المسلم لا ينجس حيا ولا ميتًا. والحاكم صححه على شرط الشيخين.
وسواء في جريان الخلاف المسلم والكافر، وخص المؤمن بالذكر؛ لشرفه، وذهب بعض أهل الظاهر إلى نجاسته في حياته أخذًا بقوله تعالى {إنما المشركون نجس} [التوبة28] ، وعزاه القرطبي في الجنائز إلى الشافعي فأغرب.
ونقل ابن العربي الاتفاق على طهارة الشهيد بعد الموت، والأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أحياء في قبورهم، فاعلمه.
وأجيب عن الآية بأنهم نجسوا الأفعال والاعتقاد لا الأعضاء، أو أن الغالب عليهم النجاسة، فإنهم لا يحتفظون منها غالبًا.
وفيه طهارة بدن الجنب وعرقه، وهو إجماع كما حكاه ابن المنذر، قال وعرق الذمي عندي طاهر، وخالف ابن حزم فجعله نجسًا، لكن الباري تعالى أباح نكاح أهل الكتاب منهن، ومعلوم أن عرقهن لا يسلم منه من مضاجعتهن، والإجماع قائم على أن لا غسل عليه من الكتابية إلا كما عليه من المسلمة.
وفي (( المدونة ) )على ما نقله ابن التين أن المريض إذا صلى لا يستند بحائض ولا جنب. وأجازه أشهب، قال الشيخ أبو محمد لأن ثيابهما لا تكاد تسلم من النجاسة. وقال غيره لأجل أعينهما لا لثيابهما.
وفي (( صحيح ابن خزيمة ) )عن القاسم بن محمد، قال سئلت عائشة عن الرجل يأتي أهله ثم يلبس الثوب فيعرق فيه، أنجسًا ذلك؟
فقالت قد كانت المرأة تعد خرقة أو خرقًا، فإذا كان ذلك مسح بها الرجل الأذى عنه، ولم ير أن ذلك ينجسه.
وقال البغوي معنى قول ابن عباس أربع لا يجنبن الإنسان والثوب والماء والأرض. يريد الإنسان لا يجنب بنجاسة الجنب، ولا الثوب إذا لبسه الجنب، ولا الأرض إذا أفضى إليها ص 602 الجنب، ولا الماء إذا غمس الجنب يده فيه [2] .
وفيه أن النجاسة إذا لم تكن عينًا في الأجسام لا يضر ما يطرأ عليها في وصفها، فإن المؤمن طاهر الأعضاء فإنه يحافظ على الطهارة والنظافة بخلاف الكافر، فحملت كل طائفة على عادتها، فابن آدم ليس نجس في ذاته ما لم تعرض له نجاسة.
وفيه مواساة الفقراء، وائتلاف قلوب المؤمنين، والتواضع لله، واتباع أمر الله، قال تعالى {ولا تطرد الذين يدعون ربهم} [الأنعام52] وملازمة أبي هريرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسؤاله عمن غاب من أصحابه، وأنه كما وصفه الله تعالى {بالمؤمنين رءوف رحيم} [التوبة128] .
وطهارة المؤمن حيا وميتًا. وأما الغسل في حق الميت فهو كالوضوء في حق الحي؛ للتأهب عند القيام واللقاء، فالباري أحق من تجمل له.
قال والدي رحمه الله تعالى
قوله (( جنب ) )هو لفظ يستوي فيه الواحد والمثنى والجمع.
قوله (( فذهبت اغتسلت ) )وفي بعضها (( فذهب فاغتسل ) ).
فإن قلت فما وجهه؟ قلت في مثله جاز الأمر أن الغيبة بالنظر إلى نقل كلام أبي هريرة بالمعنى، والتكلم بالنظر إلى نقله بلفظه بعينه على سبيل الحكاية عنه.
فإن قلت هل يجوز أن يكون لفظ أبي هريرة بالغيبة. قلت نعم بأن يجعل نفسه غائبًا ويحكي عنه، ومثله يسمى بالتجريد يعني جرد من نفسه شخصًا، وأخبر عنه، وهذا التقدير يكون النقل بعينه بلفظه أيضًا.
قوله (( يابا هريرة ) )بحذف الهمزة من الأب تخفيفًا (( وسبحان الله ) )منصوب بفعل محذوف لازم الحذف واستعماله في مثل هذا الموضع يراد به التعجب هنا أنه كيف يخفى مثل هذا الظاهر عليك، وفيه التسبيح عند التعجب من الشيء واستعظامه، القاضي البيضاوي يمكن أن يحتج به من قال الحدث نجاسة حكمية، وأن من وجب عليه وضوء أو غسل، فهو نجس حكمًا.
[1] في هامش المخطوط قال الرافعي في (( العزيز في شرح الوجيز ) )وفي نجاسة الآدمي بالموت قولان أحدهما أنه ينجس بالموت؛ لأنه حيوان طاهر في الحياة غير مأكول بعد الموت فيكون نجسًا كغيره، والثاني وهو الأصح أنه لا ينجس لقوله تعالى ?ولقد كرمنا بني آدم? وقضية التكريم أن لا يحكم بنجاسة ولأنه لو نجس بالموت لكان نجس العين كسائر الميتات ولو كان كذلك لما أمر بغسله كسائر الأعيان النجسة، روي هذا الاستدلال عن ابن سريج رحمه الله. قال أبو إسحاق عليه لو كان طاهرًا لما أمر بغسله كسائر الأعيان الطاهرة أجابوا عنه بأن غسل نجس العين غير معهود أما غسل الطاهر معهود في حق الجنب والمحدث على أن الغرض منه تكريمه وإزالة الأوساخ عنه.
[2] في هامش المخطوط قال ابن الجوزي في (( زاد المسير ) )قوله إن المشركين نجس. قال أبو عبيدة معناه قذر. قال الزجاج يقال لكل مستقذر نجس.