فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
فيه حديث عابس بن ربيعة، عن عمر أنه جاء إلى الحجر الأسود، الحديث.
هذا الحديث أخرجه (م) أيضًا من حديث عبد الله بن عمر وعبد الله بن سرجس عن عمر، و (ن) من حديث ابن عباس عنه، وعنده قبله ثلاثًا، وعند الحاكم وسجد عليه، ثم صحح إسناده، وعند (ت) عنه (( نزل الحجر الأسود من الجنة أشد بياضًا من اللبن، فسودته خطايا بني آدم [1] ) ثم قال حسن صحيح.
وعنده عنه (( إن لهذا الحجر لسانًا وشفتين يشهد لمن استلمه يوم القيامة بحق ) )، وقال حسن، والحاكم وقال صحيح الإسناد، وله شاهد صحيح عن عبد الله بن عمرو مرفوعًا (( يأتي الركنان والمقام يوم القيامة أعظم من أبي قبيس، له لسان وشفتان، يكلم عمن استلمه بالنية، وهو يمين الله التي يصافح بها عباده ) ).
وفي (( فضائل مكة ) )للجندي من حديث ابن جريج، بسنده عن ابن عباس إن هذا الركن الأسود هو يمين الله في الأرض يصافح به عباده مصافحة الرجل أخاه.
ومن حديث الحكم بن أبان، عن عكرمة عنه زيادة فمن لم يدرك بيعة رسول الله ثم استلم الحجر فقد بايع الله ورسوله.
وعن ابن عمر أنه عليه السلام أتى الحجر الأسود فاستلمه، ووضع شفتيه عليه وبكى بكاء طويلًا ثم التفت فإذا عمر يبكي خلفه فقال (( يا أبا حفص هاهنا تسكب العبرات ) )، قال الحاكم صحيح الإسناد.
وللطبراني عن عائشة مرفوعًا (( استمتعوا من هذا الحجر الأسود قبل أن يرفع؛ فإنه خرج من الجنة وإنه لا ينبغي لشيء خرج منها أن لا يرجع إليها قبل يوم القيامة ) ).
وإنما قال ذلك عمر؛ لأن الناس كانوا حديث عهد بعبادة الأصنام، فخشي عمر أن يظن الجهال بأن استلام الحجر هو مثل ما كانت العرب تفعله في الجاهلية، وأراد أن يعلم أن استلامه لا يقصد به إلا تعظيم الله والوقوف عند أمر نبيه إذ ذلك من شعائر الحج التي أمر الله تعالى بتعظيمها وأن استلامه مخالف لفعل الجاهلية في عبادتهم الأصنام؛ لأنهم كانوا يعتقدون أنها تقربهم إلى الله زلفى، فنبه عمر على مجانبة هذا الاعتقاد، وأنه لا ينبغي أن يعبد إلا من يملك الضر والنفع وهو الله تعالى، وقد قال علي إنه يضر وينفع؛ فإن الله ص 1619 لما أخذ العهد على الذرية كتبه في رق، وكان لهذا الحجر عينان ولسان، فقال له افتح، ففتح فاه فألقمه ذلك الرق، فقال اشهد لمن وافاك بالموافاة يوم القيامة، أخرجه الحاكم من حديث أبي سعيد شاهدًا.
أقول ذكر الأزرقي في (( تاريخ مكة المشرفة ) )الحديث قال ثم قبله ومضى في الطواف، فقال له علي بلى يا أمير المؤمنين، هو يضر وينفع، قال وبم قلت ذلك؟ قال بكتاب الله عز وجل، قال وأين ذلك من كتاب الله؟ قال قال الله تعالى {وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذرياتهم} الآية [الأعراف172] ، قال فلما خلق الله عز وجل آدم عليه السلام مسح ظهره فأخرج ذريته من صلبه، فقررهم أنه الرب وهم العبيد، ثم كتب ميثاقهم في رق، وكان لهذا الحجر عينان ولسان، فقال افتح فاك، فألقمه ذلك الرق، وجعله في هذا الموضع، وقال تشهد لمن وافاك بالموافاة يوم القيامة، قال فقال عمر أعوذ بالله العظيم أن أعيش في قوم لست فيهم يا أبا حسن.
وقال المهلب حديث ابن عمر هذا يرد على من قال إن الحجر يمين الله في الأرض يصافح بها عباده ومعاذ الله أن يكون فيه جارحة مجسمة وإنما شرع صلى الله عليه وسلم تقبيله على ما كانت شريعة إبراهيم صلوات الله عليه مع أن معناه التذلل والخضوع، والائتمار لما أمر به على لسان نبي من أنبيائه، وليعلم عيانًا ومشاهدة طاعة من أطاع أمره، وعصيان من أبى امتثاله، وهي شبيهة بقصة إبليس فيما أمر به من السجود لآدم اختبارًا له، وقد تقدم ما أنكره عن ابن عباس وابن عمر بإسناد جيد، وعن ابن عباس أيضًا أن استلام الحجر مبايعة الله عز وجل.
وقال ابن الجوزي السنن تتبع وإن لم يفهم معانيها، كما قاله عمر لولا أني رأيت رسول الله يقبلك ما قبلتك، وليزيل بذلك الوهم الذي ترتب في أذهان الجاهلية وتحقيق عدم الانتفاع بالأحجار من حيث هي.
قال القرطبي وفيه دفع ما وقع لبعض الجهال من أن الحجر الأسود خاصته ترجع إلى ذاته، كما توهمه بعض الباطنية.
وذلك أن أبا طاهر [2] القرمطي قال بسوء رأيه هذا الحجر مغنيطس بني آدم، فقلعه وقلع الباب، وأصعد رجلًا من أصحابه ليقلع الميزاب فتردى على رأسه إلى جهنم وبئس المآب، وأخذ أسلاب مكة والحاج، وأكفأ القتلى في بئر زمزم، فهلك تحت الحجر من مكة إلى الكوفة أربعون جملًا، فعلقه لعنه الله على الأسطوانة السابعة من جامع الكوفة من الجانب الغربي ظنًا منه أن الحج ينتقل إلى الكوفة.
قال ابن دحية ثم حمل الحجر إلى هجر سنة سبع عشرة وثلاثمائة، وبقي عند القرامطة اثنين وعشرين سنة إلا شهرًا، ثم رد لخمس بقين من ذي الحجة سنة تسع وثلاثين وثلاثمائة، وكان يحكم التركي بذل له في رده خمسين ألف دينار فما فعلوا، وقالوا أخذناه بأمر ولا نرده إلا بأمر.
وقيل إن القرمطي باع الحجر من الخليفة المقتدر بثلاثين ألف دينار، ولما أراد أن يسلمه إلى الرسول أحضر أهل الكوفة وقال اشهدوا أنهم تسلموا الحجر الأسود، فشهدوا، فقال لهم بعد الشهادة يا من لا عقل لهم من أين لكم أن هذا هو الحجر الأسود؟ ولعلنا أحضرنا حجرًا أسود من هذه البرية عوضه، فسكت الناس، وكان منهم عبد الله بن عليم المحدث، فقال لنا في الحجر الأسود ص 1620 علامة، فإن كانت موجودة فهو هو، وإن كانت معدومة فليس هو إياه، ثم رفع حديثًا غريبًا أن الحجر الأسود يطفو على الماء، ولا يسخن بالنار إذا أوقدت عليه، فأحضر القرمطي [3] طبقًا من الماء فطفى على الماء، ثم أوقدت عليه النار، فلم يحم بها، فمد عبد الله يده وأخذ الحجر وقبله وقال أشهد أن هذا دين مضبوط بالنقل، وأرسل الحجر إلى مكة على قعود أعجف فسمن تحته وراد حسنه إلى مكة.
واعترض ابن دحية فقال عبد الله هذا لا يعرف، والحجر الأسود صلد لا تخلخل فيه، والذي يطفو على الماء فيه بعض التخلخل كالخفان وشبهه، وللحجر الأسود علامات غير ذلك، وما أخذ إلا بعد الكسر الذي هو فيه، وعرضه وطوله معلوم عند جميع من ألف في أخبار مكة، ولا يمكن التدليس فيه، والنقطة البيضاء التي فيه من أكبر العلامات، وذكرنا هذه الحكاية ليعلم سقمها، وكم مرة أزيل عن موضعه ثم رده الله تعالى إليه, فعلت ذلك جرهم وإياد والعماليق وخزاعة ومن سخط الله عليه.
وقيل إنه أقام عند القرامطة ثمانية وعشرين سنة.
أقول قال الأزرقي عن ابن عباس قال نزل آدم من الجنة معه الحجر الأسود متأبطه، وهو ياقوتة من يواقيت الجنة، ولولا أن الله طمس ضوءه ما استطاع أحد أن ينظر إليه، ونزل بالباسنة ونخلة العجوة، قال أبو محمد الخزاعي الباسنة آلات الصناع.
وقال الأزرقي ذكر ما يدور بالحجر الأسود من الفضة ذراع وأربع أصابع، وذرع ما بين الحجر إلى الأرض ذراعان وثلثا ذراع، وحول الحجر الأسود طوق من فضة مفرغ، وهو يلي الجدر، ودخول الفضة التي حول الحجر الأسود، ودخول الحجر الأسود في الجدر على وجه الجدر أصبعان ونصف. انتهى.
وكره مالك السجود على الحجر وقال إنه بدعة، وكأنه لم يطلع على النص السالف، والجمهور على استحبابه.
فضل الحجر الأسود على سائر الحجارة كما تفضلت بقعته على سائر البقاع.
فرع إذا لم يستطع التقبيل أشار بيده أو بمحجن ووضعه على فيه، وفي تقبيله روايتان للمالكية.
[1] في هامش المخطوط (( أقول فإن قلت ما معنى قوله (( سودته خطايا بني آدم ) )؟ قلت يعني تقبيل المخطئين له سودته ولا يتجه أن يقال سودته خطايا المخطئين حيث أخطئوا فاسود الحجر بذلك، وأما عند الحجر فبعيد أن يعصى الله تعالى، وقد يسرق السارق عنده وينظر إلى غير محرم ويغتاب إلى غير ذلك من المعاصي عنده.
[2] في هامش المخطوط (( أقول اسمه سليمان، توفي لعنه الله سنة ثنتين وثلاثين وثلاثمائة، وكان أخذه للحجر سنة سبعة عشر وثلاثمائة، ورده إلى مكانه سنة تسعة وثلاثين وثلاثمائة بغير شيء، كذا ذكره ابن كثير في (( تاريخه ) ))) .
[3] في هامش المخطوط (( فائدة أقول ذكر ابن الأثير القرمطي هو أبو طاهر سليمان بن وهب بن بهرام القرمطي بكسر القاف وسكون الراء وكسر الميم وبعدها طاء مهملة الجنابي رئيس القرامطة وهم قوم من سواد الكوفة يعرفون بالقرامطة فأظهر رجل منهم العبادة والزهد وكان يخصف الخوص ويأكل من كسبه، وكان يدعو الناس إلى إمام أهل البيت فأقام على ذلك مدة، فاستجاب له خلق وجرت له أحوال وانتشر ذكره بسواد الكوفة ذكره.