فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
فيه حديث ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (( لا يحلبن أحد ماشية امرئ بغير إذنه ) )هذا الحديث أخرجه (م) أيضًا.
ويحمل هذا الحديث على ما لا تطيب به النفس لقوله صلى الله عليه وسلم (( لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس منه ) )وقال أيضًا (( إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام ) ).
وإن كان اللبن اختص بالذكر لتساهل الناس في تناوله، ولا فرق بين اللبن والتمر وغيرهما في ذلك المضطر الذي لا يجد ميتة ويجد طعام غيره فيأكل الطعام للضرورة ويلزمه بدله لمالكه.
وذهب الجمهور إلى أنه لا يحل شيء من لبن الماشية ولا من التمر إلا إذا علم طيب نفس صاحبه.
وذهب بعض المحدثين أن ذلك يحل وإن لم يعلم حال صاحبه؛ لأن ذلك حق جعله الشارع، يريد حديث أبي داود من طريق الحسن بن ميسرة مرفوعًا (( إذا أتى أحدكم على ماشية، فإن كان فيها صاحبها فليستأذنه فإن أذن له وإلا فليحتلب ويشرب وإن لم يكن فيها فليصوت ثلاثًا، فإن أجاب فليستأذنه فإن أذن له وإلا فليحتلب ويشرب ولا يحمل ) ).
ونقل ابن بطال إجماع العلماء على أنه لا يجوز كسر قفل مسلم ولا ذمي ولا أخذ شيء من ماله بغير إذنه، وشبه الشارع اللبن في الضرع بالطعام المخزون تحت الأقفال، وهذا هو قياس الأشياء على نظائرها وأشباهها أرانا به قياس الأمور إذا تشابهت معانيها، فوجب امتثال ذلك واستعماله؛ خلافًا لمن أبطل القياس.
ومعنى قوله (( أيحب أحدكم أن تؤتى مشربته فتكسر خزانته ) )أن يكره المسلم لأخيه المسلم ما يكرهه لنفسه، وهذا في معنى قوله (( لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس ص 2214 منه ) ).
وأكثر العلماء على إجازة أكل مال الصديق إذا كان تافهًا لا يتشاح في مثله وإن كان ذلك بغير إذنه ما لم يكن تحت قفله.
و (( المشربة ) )بضم الراء وفتحها وهي الموضع المصون لما يخزن فيه كالغرفة يخزن الرجل فيها متاعه فشبه ضروع الغنم بها.
والخزانة بكسر الخاء المعجمة الموضع والوعاء الذي يخزن فيه الشيء، أي يغيب، وسمي الوعاء خزانة؛ لأنه يخزن فيه.
قوله (( فينتثل ) )هو بمثناة تحت ثم نون ثم مثناة فوق ثم مثلثة، وبخط الدمياطي بالقاف بدلها ثم لام، أي ينتثر، يقال نثلت الشيء بمعنى نثرته بمرة واحدة، يقال نثل ما في كنانته إذا صبها ونثرها.
فإن قلت كيف شرب الصديق من غنم الراعي حين الهجرة وأعطاه الشارع أيضًا كما سيأتي؟
قلت ذاك من باب الإدلال على صاحبها لمعرفته إياه، أو أنه كان يعلم أنه أذن للراعي أن يسقي منه من مر به، أو أنه كان يعلم أنه أباح ذلك، أو أنه كان حربيًا لا أمان له انتهى كلام ابن الملقن.
أقول أو كانا مضطرين أو أن الصديق كان له على رب الغنم دين، أو ... مال له فيكون من باب الظفر أو أنهما أخذا من أجر الداعي من اللبن برضاه وإذنه.
وقال المهلب ابن أبي صفرة حديث الهجرة في زمن المكارمة وهذا في زمن التشاح لما علم عليه السلام من تغير الأحوال بعده، وأن هذا الحديث محمول على التسور والاختلاس.
وحديث الهجرة لم يتسور الشارع ولا الصديق، وإنما سأل الصديق الراعي هل أنت حالب لنا؟ والراعي في المال له عادة العرب، في الحلب على الماء، ولابن السبيل مباحة، وكل مسترعى له مثل ذلك في الذي استرعي، كالمرأة في بيت زوجها تعطي اللقمة من ماله والتمرات والكف.
وقال أشهب خرجنا مرابطين للإسكندرية فمررنا بجنان لليث بن سعد فأكلنا من التمر، فلما رجعت دعتني نفسي أن أستحل ذلك من الليث، فدخلت إليه فأخبرته بذلك، فقال يا ابن أخي لقد نسكت نسكًا أعجميًا، أما سمعت الله يقول {أو صديقكم ليس عليكم جناح أن تأكلوا جميعًا أو أشتاتًا} [النور61] . فلا بأس أن يأكل الرجل من مال أخيه الشيء التافه يسره بذلك.
وفيه إباحة خزن الطعام واحتكاره؛ خلافًا لغلاة المتزهدة حيث يقولون لا يجوز الادخار مطلقًا.
وأن اللبن يسمى طعامًا فيحنث به من حلف لا يتناول طعامًا إلا أن يكون له نية تخرج اللبن.
وأن من حلب من ضرع شاة أو بقرة أو ناقة بعد أن تكون في حرزها ما يبلغ قيمته ما يجب فيه القطع أن عليه القطع؛ لأن الحديث أفصح بأن ضروع الأنعام خزائن الطعام، ومعلوم أن من فتح خزانة غيره أو كسرها فاستخرج منها من المال أو الطعام أو غيره شيئًا يجب فيه القطع، قطع بلا خلاف إلا على قول من لا يرى القطع في الأطعمة الرطبة والفواكه.
وبيع الشاة اللبون بالطعام عملًا بقوله (( فإنما تخزن لهم ضروع مواشيهم أطعمتهم ) )، فجعل اللبن طعامًا، واختلف في بيع الشاة اللبون باللبن وسائر الطعام نقدًا أو إلى أجل، فذهب مالك وأصحابه إلى أنه لا بأس بالشاة اللبون وسائر الطعام نقدًا يدًا بيد ما لم يكن ص 2215 في ضرعها لبن، لم يجز يدًا بيد من أجل المزابنة.
وقال الشافعي وأبو حنيفة وأصحابهما لا يجوز بيع الشاة اللبون بالطعام إلى أجل، ولا يجوز عند الشافعي بيع شاة في ضرعها لبن بشيء من اللبن يدًا بيد ولا إلى أجل.
قال الداودي إنما شرب الشارع والصديق؛ لأنهما ابنا سبيل ولهما شرب ذلك إذا احتاجا، قال وإنما أتى بهذا الحديث والآتي لما في الأموال من الحقوق غير الزكاة.