فهرس الكتاب

الصفحة 1195 من 3844

40 -باب متى يقضى قضاء رمضان؟

وقال ابن عباس لا بأس ... إلى آخره.

ثم ساق حديث عائشة كان يكون علي الصوم، الحديث.

أثر ابن عباس أخرجه البيهقي من حديث الزهري، وأثر ابن المسيب أراد به أن بركة الذمة أولى من التطوع، وقد روى ابن أبي شيبة، بسنده عن سعيد أنه كان لا يرى بأسًا أن يقضى رمضان في العشر، وقد أخرج الدارقطني، عن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان لا يرى بأسًا بقضاء رمضان في عشر ذي الحجة، ثم ذكره موقوفًا أيضًا، وعن الحارث، عن علي مرفوعًا (( لا يقضى رمضان في عشر ذي الحجة ) )، ثم قال الموقوف أصح.

وقال ابن المنذر اختلف في قضاء رمضان في ذي الحجة فكان ابن المسيب والشافعي وغيرهما يقولون ذلك جائز إلا أيام النهي، وروينا عن علي أنه كرهه، وبه قال الحسن البصري.

قوله (( عن أبي هريرة .. إلى آخره ) )يعني أنه روي عن أبي هريرة مرسلًا، وابن عباس موقوفًا وذكر الدارقطني حديث أبي هريرة مرفوعًا من طريق مجاهد عنه ولم يسمع منه.

وحديث عائشة أخرجه (م) أيضًا، و (( يحيى ) )هو ابن سعيد كما أخرجه (ق) مصرحًا به، وجزم به عبد الحق في (( جمعه ) )، وجزم الضياء المقدسي بأنه يحيى القطان، وقيل يحيى بن أبي كثير، حكاه ابن التين وهما غريبان.

والإجماع قائم على أن من قضى ما عليه من رمضان في شعبان بعده أنه مؤد لفرضه غير مفرط. واختلف في جواز قضاء دينه متفرقًا فقالت طائفة لا بل متتابعًا، روي ذلك عن علي وابن عمر وعائشة، وبه قال الحسن البصري والنخعي والشعبي وغيرهم، وهو قول أهل الظاهر، وقالت طائفة يجوز أن يقضى متفرقًا، روي ذلك عن ابن عباس وأبي هريرة وأنس ومعاذ وحذيفة وهو قول جماعة أئمة الأمصار منهم الأربعة، وعد ابن أبي حاتم في (( تفسيره ) )منهم فوق الثلاثين من الصحابة والتابعين وأتباعهم، وفيه حديث مرسل، وحجة الجماعة قوله تعالى {فعدة من أيام أخر} [البقرة184] ولم يخص فعلى أي وجه قضاه جاز.

فإن قلت فإن عائشة قالت نزل ?فعدة من أيام أخر متتابعات? فسقطت ?متتابعات? وادعى القرطبي أنها قراءة ابن مسعود؟

قلت قد أخبرت بسقوطها فلا حكم لها حتى تثبت القراءة وذلك حجة لنا.

وعن ابن شهاب أن ابن عباس وأبا هريرة اختلفا فقال أحدهما يفرق، وقال الآخر لا يفرق.

واختلف في المسافر والمريض إذا فرط في قضاء رمضان حتى جاء رمضان آخر، فروي عن أبي هريرة وابن عباس أنه يصوم الذي حصل فيه فإذا خرج قضى ما كان عليه وعليه الفدية، وهو قول عطاء والقاسم والزهري، ومالك والأوزاعي والثوري والشافعي وأحمد وإسحاق، وقال أبو حنيفة وأصحابه ليس عليه إلا القضاء فقط ولا إطعام عليه، وحكاه (خ) عن إبراهيم وهو النخعي، وقال سعيد بن جبير يطعم ولا يقضي.

واختلف فيما يجب عليه إن لم يصح من مرضه حتى دخل رمضان المقبل، فقال ابن عباس والأوزاعي والثوري والأربعة وإسحاق يصوم الباقي ويقضي الأول ولا فدية عليه؛ لأنه لم يفرط.

وحمل عائشة على قضاء رمضان ص 1848 في شعبان الأخذ بالرخصة والوسعة؛ لأن ما بين رمضان عامها ورمضان العام المقبل وقت للقضاء، كما أن وقت الصلاة له طرفان، ومثله قوله عليه السلام (( ليس التفريط في النوم إنما التفريط في اليقظة أن يؤخر صلاة حتى يدخل وقت صلاة أخرى ) ).

وقد بينت السبب المقتضي للتأخير وهو الشغل برسول الله صلى الله عليه وسلم هذا محل الرفع وهو الاستمتاع أو التصرف في حوائجه، وورد أنها قالت كانت كل واحدة منهن مهيئة نفسها لرسول الله صلى الله عليه وسلم مرصدة لاستمتاعه في جميع أوقاته إن أراد ذلك، ولا تدري متى يريده، ولم تستأذنه في الصوم مخافة أن يأذن، وقد يكون له حاجة فيها فتفوتها عليه وهذا يراد بهن.

واتفق العلماء على أن المرأة يحرم عليها صوم التطوع وبعلها حاضر إلا بإذنه؛ لحديث أبي هريرة الثابت في (م) (( ولا تصوم إلا بإذنه ) )وصومها في شعبان إنما كان؛ لأنه كان يصوم معظم شعبان. [1] .

قال الباجي في (( منتقاه ) )والظاهر أنه ليس للزوج جبرها على تأخير القضاء إلى شعبان بخلاف صوم التطوع.

ونقل القرطبي عن بعض أشياخه أن لها أن تقضي بغير إذنه؛ لأنه واجب، ويحمل الحديث على التطوع.

قال ابن عبد البر أجمع العلماء على أن من قضى ما عليه من أيام رمضان في شعبان بعده فهو مؤد لفرضه غير مفرط.

والإطعام في ذلك مد لكل مسكين عند جمهور القائلين به.

وقال أشهب يطعم في غير المدينة مدًا ونصفًا، وقال الثوري يطعم نصف صاع.

ولو منعه مانع من قضائه بعد الإمكان فلا شيء عليه عند البغداديين من المالكيين، وفي رواية عيسى نعم.

قال الخطابي فيه أن للزوج منع زوجته من الخروج إلى الحج.

قال ابن التين يريد حج النافلة.

قلت لا بل له أن يمنعها من الحج الفرض على الأصح من مذهب الشافعي.

قال والدي رحمه الله تعالى

قوله (( نسختها ) )والناسخ هو لفظ {فمن شهد منكم الشهر فليصمه} [البقرة185] ، وقيل الآية الثانية محكمة وقيل مخصوصة وليس الموضع موضع بيانه.

قوله (( ابن نمير ) )مصغر النمر الحيوان المشهور اسمه عبد الله مر في باب ما ينهى عن الكلام في الصلاة و (( عمرو بن مرة ) )بضم الميم وشدة الراء و (( عبد الرحمن بن أبي ليلى ) )بفتح اللامين رأى كثيرًا من الصحابة مثل عمر وعثمان وعلي وغيرهم.

فإن قلت هل صار الحديث بقوله (( ثنا أصحاب ) )من باب ما رواية مجهول؟

قلت لا إذ الصحابة كلهم معلوم العدالة.

قوله (( فنسختها ) )فإن قلت كيف وجه نسخها لها والخيرية لا تقتضي الوجوب؟

قلت معناه الصوم خير من التطوع بالفدية والتطوع بها سنة بدليل أنه خير والخير من السنة لا يكون إلا واجبًا.

قوله (( {فعدة} [البقرة184] ) )أي فعدد من أيام أخر، وهي أعم من أن تكون متفرقة أو متتابعة و (( العشر ) )أي عشر ذي الحجة الأولى وهو المسمى بالمعلومات و (( برمضان ) )أي بقضاء صوم رمضان (( وجاء ) )من المجيء وفي بعضها من الجواز وفي بعضها من الحين. ص 1849

قوله (( ابن عباس ) )فإن قلت عطفه على (( أبي هريرة ) )يقتضي أن يكون المذكور عنه أيضًا مرسلًا أم لا؟

قلت اختلف النحاة في أن القيد في المعطوف عليه قيد في المعطوف أم لا؟ والأصح اشتراكهما فيه والأصوليون أيضًا في أن عطف المطلق على المقيد هل هو مقيد للمطلق أم لا؟

قوله (( ولم يذكر الله الإطعام ) )هو كلام (خ) والمراد من (( الإطعام ) )الفدية لتأخير القضاء.

فإن قلت ما فائدة اجتماع لفظي الكون ولم ذكر أحدهما بلفظ الماضي والآخر بالمستقبل؟

قلت الفائدة تحقيق القضية وتعظيمها وتقديره كان الشأن يكون كذا، وأما تغيير الأسلوب فلإرادة الاستمرار وتكرر الفعل، وقيل بزيادة لفظ (( يكون ) )كما قال الشاعر

~وجيران لنا كانوا كرام

والمراد من الشغل أنها كانت مهيئة نفسها لرسول الله مترصدة لاستمتاعه في جميع أوقاتها إن أراد ذلك، وأما في شعبان فإن رسول الله كان يصومه فتتفرغ عائشة لقضاء صومها أو لأن الصوم يضيق عليها فيه.

قوله (( الشغل من النبي صلى الله عليه وسلم ) )أي زاد يحيى هذا وهو فاعل فعل محذوف؛ أي قالت يمنعني الشغل أو قال يحيى الشغل هو المانع لها فهو مبتدأ محذوف الخبر.

فإن قلت شغل منه بمعنى فرغ منه وهو عكس المقصود إذ المراد أن الاشتغال برسول الله صلى الله عليه وسلم هو المانع من القضاء لا الفراغ منه؟

قلت المراد الشغل الحاصل من جهة رسول الله، وفيه دليل أن القضاء موسع ويصير في شعبان مضيقًا وأن حق الزوج من العشرة والخدمة مقدم على سائر الحقوق ما لم يكن فرضًا محصورًا في الوقت.

الزركشي

(( قال يحيى الشغل من رسول الله ) )هو بالرفع بفعل مضمر؛ أي أوجب ذلك الشغل أو منعني الشغل، وقوله (( من رسول الله ) ) (( من ) )للتعليل أي من أجله، وهذا من (خ) بيان أن هذا ليس من قول عائشة بل مدرج من قول غيرها، واستشكله بعضهم برواية (م) فما تقدر أن تقضيه مع رسول الله؛ فإنه نص في كونه من قولها، وفيه نظر.

[1] في هامش المخطوط (( أقول ذكر حديث صوم التطوع هنا لا دخل له؛ لأن الكلام في صوم رمضان، اللهم إلا أن يقال إذا كان الوقت واسعًا يصير حكمه حكم النافلة ) ).

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت