فهرس الكتاب

الصفحة 42 من 3844

عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( من يقم ليلة القدر ) )الحديث. هذا الحديث أخرجه (خ) في الصيام مطولًا وقد سلف ذكر رجال الإسناد.

قوله (( إيمانًا ) )أي تصديقًا بأنه حق مصدر بفضل صيامه وقيامه.

قوله (( احتسابًا ) )أي يريد به وجه الله تعالى بريئًا من رياء وسمعة، فقد يفعل ما يعتقد صدقه لا مخلصًا، بل رياء أو خوفًا من قاهر أو فوات منزلة ونحو ذلك.

وفيه الحث على قيام رمضان، والحث على الإخلاص واحتساب الأعمال.

وقد وقع هنا فعل الشرط مضارعًا والجواب ماضيًا والنحاة يستضعفونه، ومنهم من منعه إلا في ضرورة الشعر وأجازوا عليه كما في قوله تعالى {من كان يريد الحياة [الدنيا] وزينتها نوف إليهم} [هود15] ، ومن أجاز الأولى احتج بهذا الحديث وشبهه، ومنه قول عائشة متى يقم مقامك رق.

قال والدي رحمه الله تعالى

لفظ قيام ليس فيه إلا الرفع وسمي بالقدر لما تكتب فيها الملائكة من الأقدار والأرزاق والآجال التي تكون في تلك السنة؛ أي يظهرهم الله عليه ويأمرهم بما هو من وظيفتهم، وقيل لعظم قدرها وشرفها أو لأن من أتى بالطاعة صار ذا قدر أو أن الطاعات لها قدر زائد فيها.

النووي اختلف في وقتها فقال جماعة هي منتقلة تكون في سنة في ليلة وفي أخرى في ليلة أخرى، وبهذا يجمع بين الأحاديث الدالة على اختلاف أوقاتها، وبه قال مالك وأحمد ص 194 وغيرهم قالوا إنما تنتقل في عشر الأواخر من رمضان، وقيل بل في كله، وقيل أنها معينة لا تنتقل أبدًا بل هي ليلة معينة في جميع السنين لا تفارقها [1] ، فقيل هي في السنة كلها وهو قول أبي حنيفة وصاحبيه، وقيل بل هي في شهر رمضان كله، وهو قول ابن عمر، وقيل بل في العشر الأواسط والأواخر، وقيل بل في الأواخر، وقيل تختص بأوتار العشر، وقيل بأشفاعها، وقيل في ثلاث وعشرين أو سبع وعشرين وهو قول ابن عباس، وقيل في ليلة سبع عشرة أو إحدى وعشرين أو ثلاث وعشرين، وقيل ليلة أربعة وعشرين وهو محكي عن بلال وابن عباس، وقيل سبع وعشرين [2] وهو قول جماعة من الصحابة.

وقال زيد بن أرقم سبعة عشرة، وقيل تسعة عشرة، وحكى عن علي، وقيل آخر ليلة من الشهر وشذ قوم فقالوا رفعت لقوله صلى الله عليه وسلم حين تلاحا الرجلان رفعت وهذا باطل؛ لأن آخر الحديث يرد عليهم وهو عسى أن يكون خيرًا لكم التمسوها في السبع والتسع، وفيه تصريح بأن المراد برفعها رفع بيان علمها بعينها لا رفع وجودها.

وأقول وميل الشافعي إلى أنه ليلة الحادي والعشرين أو الثالث والعشرين ذكره الرافعي وهو خارج عن المذكورات ثم إن مذهب أبي حنيفة مخالف لما ذكره ولمذهب صاحبيه أيضًا قال في المنظومة

~وليلة القدر بكل الشهر دائرة وعيناها فأدر

قال النووي أجمع من يعتد به على وجودها ودوامها إلى آخر الدهر وهي موجودة ترى ويحققها من شاء الله تعالى كل سنة في رمضان.

وأما قول المهلب لا يمكن رؤيتها حقيقة فغلط. قال في (( الكشاف ) )ولعل الداعي إلى إخفائها أن يحيى من يريدها الليالي الكثيرة طلبًا لموافقتها فتكثر عبادته وأن لا يتكل الناس عند إظهارها على إصابة الفضل فيها فيفرطوا في غيرها انتهى.

أقول وكذا الحكمة في إخفاء الاسم الأعظم من أسماء الله الحسنى والكبائر في الذنوب وكذا ساعة الجمعة وكذا الصلاة الوسطى من الصلوات فإن فيها نحو خمسة وخمسين قولًا سيأتي إن شاء الله تعالى تعدادها في موضعها.

قال والدي رحمه الله تعالى

قوله (( من يقم ) )فإن قلت لم قال بلفظ المضارع وقال فيما بعده من قام رمضان ومن صام بالماضي. قلت لأن قيام رمضان وصيامه محقق الوقوع فجاء بلفظ يدل عليه بخلاف قيام ليلة القدر فإنه غير متيقن فلهذا ذكره بلفظ المستقبل.

فإن قلت فما بال الجزاء لم يطابق الشرط في الاستقبال مع أن المغفرة في زمن الاستقبال. قلت إشعارًا بأنه متيقن الوقوع فضلًا من الله تعالى على عباده.

فإن قلت لفظ من يقم ليلة القدر هل يقتضي قيام تمام الليلة أو يكفي أقل ما ينطلق عليه اسم القيام فيها. قلت يكفي الأقل وعليه بعض الأئمة حتى قيل يكفاه أداء فرض صلاة العشاء [3] في دخوله تحت القيام فيها لكن الظاهر منه عرفًا أنه لا يقال قيام الليلة إلا إذا قام كلها أو جلها.

فإن قلت ما معنى القيام فيها إذ ظاهره غير مراد قطعًا. قلت القيام عد طاعة كأنه معهود من قوله تعالى {قوموا لله قانتين} وهو حقيقة شرعية فيه.

قوله (( إيمانًا ) )فإن قلت لم انتصب إيمانًا واحتسابًا. قلت مفعول له أو تمييز.

فإن قلت هل يصح أن يكون حالًا بأن يكون المصدر في معنى اسم الفاعل أي مؤمنًا محتسبًا. قلت حينئذ لا يدل على ترجمة الباب إذ المفهوم ص 195 منه ليس إلا أن القيام في حال الإيمان اللهم إلا أن يقال كونه في حال الإيمان وفي زمانه مشعر بأنه من جملته وكلف الكلفة في وجه توجيهه ظاهر.

فإن قلت والتمييز والمفعول لم لا يدلان أيضًا على أنه من الإيمان. قلت من للابتداء فمعناه أن القيام منشأة الإيمان فيكون للإيمان ومن جهة الإيمان.

فإن قلت شرط التمييز أن يقع موقع الفاعل نحو طاب زيد نفسًا. قلت اطراد هذا الشرط ممنوع ولئن سلمنا فهو أعم من أن يكون فاعلًا بالفعل أو بالقوة كما تأول طار عمرو فرحًا بأن المراد طيره الفرح فهو في معنى إقامة الإيمان.

قوله (( من ذنبه ) )كلمة من إما متعلقة بقوله غفر أي غفر من ذنبه ما تقدم فهو منصوب المحل أو هي مبينة لما تقدم فهي مرفوع المحل لأن ما تقدم هو مفعول ما لم يسم فاعله.

فإن قلت الذنب عام لأنه اسم جنس مضاف فهل يقتضي مغفرة ذنب يتعلق بحق الناس. قلت لفظه مقتض لذلك لكن علم من الأدلة الخارجية أن حقوق العباد لابد فيها من رضا الخصوم فهو عام اختص بحق الله بالإجماع.

التيمي يحتمل أن يكون المراد من الحديث أنه بعد أن يعلم أنها ليلة القدر فيقومها ويجوز أن يكون ندبًا منه إلى قيام هذه الليالي التي الغالب أن فيها ليلة القدر فإذا قام هذه الليالي يعتقد أن فيها ليلة القدر مؤمنًا بأن صلاته فيها سبب للمغفرة محتسبًا بفعلها أجرًا.

وأقول فهذا توجيه آخر إذ جعل المؤمن به السببية للمغفرة. قال ابن بطال هذا الحديث أيضًا حجة على أن الأعمال إيمان لأنه جعل القيام إيمانًا.

أقول قال ابن العربي في (( أحكام القرآن ) )في سورة القدر قوله تعالى {ليلة القدر خير من ألف شهر} ليس فيها ليلة القدر في قول المفسرين لأنها لا تصح أن تكون خيرًا من نفسها وتركت هذا على قول النحاة أنه لا يجوز زيد أفضل إخوته لأنه من الإخوة يريدون ولا يكون الشيء أفضل من نفسه، وهذا تدقيق لا يؤول إلى تحقيق أما ليلة القدر فإنها خير من ألف شهر فيها ليلة القدر فيكون العمل فيها خير من ألف شهر هي من جملتها، فإذا عمر الرجل بعد البلوغ عامًا كتب له بليلة القدر ألف شهر ولا يكتب له ليلة القدر وألف شهر زائد عليها، وركب على هذا بقية الأعوام، وأما قولهم زيد أفضل إخوته هو أجور جائز لأن العرب قد تستحب على هذا العزم ذلك اللفظ وأجرته على مساق الجواز في النطق فإنها تقول الإتيان نصف الأربعة فيجوز بذلك لأن الاثنين من الأربعة ويختنق القول في شيء تركب مثله في قولهم الواحد ثلث الثلاثة مركب مثله وهكذا إلى آخر السبب.

قوله (( سلام هي ) )ذكر العلماء فيه ههنا ثلاثة أقوال

الأول أن ليلة القدر سأله من كل شيء لا يحدث فيها حدث ولا يرسل فيها شيطان.

الثاني أن ليلة القدر هي كلها خير وبركة.

الثالث أن الملائكة تسلم على المؤمنين في ليلة القدر إلى مطلع الفجر، ص 196 قوله تعالى {هي} شرع بذلك كثير من العلماء في ليلة سبع وعشرين لأنهم عدوا حروف السورة فلما بلغوا إلى قوله {هي} وجدوها سبعة وعشرين حرفًا فحكموا عليها أنها وهوا مرتين وعلى النظر بعد الفطر له هين، وقد أشبعت القول فيه في شرح الصحيحين، وبيانه أن العلماء اختلفوا في تحريرها على ثلاثة عشر قولًا

1 أنها في العام كله.

2 أنها في شهر رمضان دون سائر شهور العام قاله سائر الأئمة ما عدا من سميناه.

3 أنها ليلة سبع وعشرين من الشهر قاله ابن الزبير.

4 أنها ليلة إحدى وعشرين.

5 أنها ليلة ثلاث وعشرين.

6 أنها ليلة خمس وعشرين.

7 أنها ليلة سبع وعشرين.

8 أنها ليلة تسع وعشرين.

9 أنها في الأشفاع الأفراد الخمسة وإذا أضفناها إلى الثمانية الأقوال أجمع فيها ثلاثة عشر قولًا أصولها هذه التسعة التي أشرنا إليها، ومن قال لزوجته أنت طالق في ليلة القدر ففيه للعلماء ثلاثة أقوال

1 لا تطلق حتى يتم عام من يوم تسميته لأنه يحتمل أن يكون ليلة القدر في العام فلا يبطل يقين النكاح بالشك في الطلاق إجماعًا من أكثر الأئمة.

2 إذا كان آخر ليلة من شهر رمضان طلقت لأنها في رمضان ولا يتيقن بعينها إلا بدخول ليلة تسع وعشرين فلا يقع يقين الفراق الذي رفع نفس النكاح إلا حينئذ.

3 أنه تطلق في حين قوله ذلك قاله مالك انتهى قول ابن العربي رحمه الله تعالى.

الزركشي قوله إيمانًا واحتسابًا مصدر في موضع الحال؛ أي مؤمنًا محتسبًا أو مفعول من أجله.

قال أبو البقاء نظيره في حوار الوجهين قوله تعالى {اعملوا آل داوود شكرا} . القرطبي قوله قام رمضان دليل على إطلاق لفظ رمضان غير مضاف إلى شهر خلافًا لمن منع ذلك حتى يقال شهر رمضان لأن رمضان اسم من أسماء الله تعالى ولا يصح هذا عن النبي صلى الله عليه وسلم.

[1] في هامش المخطوط

~ وليلة القدر بكل الشهر دائرة وعيناها فأدر.

من المنظومة للحنفية.

[2] في هامش المخطوط وقيل إنها ليلة عيد الفطر.

[3] في هامش المخطوط أقول هذا فيه نظر فإنه قال من يقم فمفهومه أن من الناس من يقوم ومن لا يقوم وإذا كان مرادي فرض صلاة العشاء فيكون معناه أن كل الناس تقوم ليلة القدر لأن كل أحد يؤدي صلاة العشاء وليس المراد هذا. فتأمله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت