وقول الله تعالى {ليس البر أن تولوا وجوهكم} إلى الحياء شعبة من الإيمان الكلام عليه من وجوه
1 تعريف رواته أبو هريرة اختلف في اسمه واسم أبيه على أقوال كثيرة، أقربها عبد الله أو عبد الرحمن بن صخر الدوسي. وهو أول من يكنى بهذه الكنية؛ لهرة كان يلعب بها كناه النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، وقيل والده، وكان عريف أهل الصفة، أسلم عام خيبر بالاتفاق وشهدها وهو أكثر الصحابة رواية، روي له خمسة آلاف حديث وثلاثمائة وأربعة وسبعون حديثًا اتفقا على ثلاثمائة وخمسة وعشرين، وانفرد البخاري بثلاثة وتسعين، ومسلم بمائة وتسعين روى عنه أكثر من ثمانمائة رجل من صاحب وتابع منهم ابن عباس وجابرص 111 هو أزدي دوسي يماني ثم مدني، كان ينزل بذي الحليفة بقرب المدينة.
ومن الرواة عنه ابنه المحرر بمهملة ثم راء مكرر مات بالمدينة سنة تسع وخمسين، وقيل سبع، وقيل ثمان. ودفن بالبقيع، وتوفيت عائشة تلك السنة، وصلى عليها أبو هريرة، وتوفي وهو ابن ثمان وسبعين سنة، ومناقبه جمة.
فائدة ما اشتهر أن قبره بقرب عسقلان لا أصل له نعم، هناك قبر خيشنة بن خندرة الصحابي فاعلمه.
فائدة أبو هريرة من الأفراد، ليس في الصحابة من اكتنى بهذه الكنية سواه.
وفي الرواة آخر بهذه الكنية، يروي عن مكحول، وعنه أبو المليح الرقي لا يعرف، وآخر اسمه محمد بن فراس الضبعي روى له (ت، ق) ، مات سنة خمس وأربعين ومائتين.
وفي الشافعية آخر اسمه ثابت بن شبل، قال عبد الغافر في حقه شيخ فاضل مناظر. وأما الراوي عنه فهو أبو صالح ذكوان السمان الزيات المدني، كان يجلب السمن والزيت إلى الكوفة، مولى جويرية بنت الأحمس الغطفاني.
سمع جمعًا من الصحابة وخلقًا من التابعين، وعنه جمع من التابعين منهم عطاء، وسمع الأعمش منه ألف حديث، وروى عنه أيضًا بنوه عبد الله وسهيل وصالح، واتفقوا على توثيقه. مات بالمدينة سنة إحدى ومائة.
فائدة أبو صالح في الرواة جماعة تقدم ذكرهم في باب بدء الوحي.
فائدة في الصحيحين أيضًا ذكوان، أبو عمرو مولى عائشة أم المؤمنين، وليس في الكتب الستة ذكوان غيرهما. وأما الراوي عن أبي صالح فهو أبو عبد الرحمن عبد الله بن دينار، أخو عمرو بن دينار القرشي العدوي المدني، مولى ابن عمر سمع مولاه وغيره، وعنه ابنه عبد الرحمن وغيره، وهو ثقة باتفاق. مات سنة سبع وعشرين ومائة.
فائدة في الرواة أيضًا عمرو بن دينار الحمصي، وليس في الكتب الستة عمرو بن دينار غيرهما.
وأما الراوي عن عبد الله فهو أبو محمد، ويقال أبو أيوب سليمان بن بلال القرشي التيمي المدني مولى آل الصديق. سمع عبد الله بن دينار وجمعًا من التابعين، وعنه ابن المبارك وغيره.
قال ابن سعد كان بربريًا جميلًا حسن الهيئة ولي خراج المدينة، ومات بها سنة اثنتين وسبعين ومائة.
فائدة ليس في الكتب الستة من اسمه سليمان بن بلال سوى هذا. وأما الراوي عن سليمان فهو أبو عامر عبد الملك بن عمرو بن قيس العقدي بفتح العين والقاف البصري، سمع مالكًا وغيره، وعنه أحمد، واتفق الناس على جلالته، مات سنة خمس، وقيل أربع ومائتين.
والعقد قوم من قيس وهم بطن من الأزد، وقيل أن العقد بطن من بجيلة، وقيل من قيس. وإنما سموا عقدًا؛ لأنهم كانوا لئامًا.
وقال الحاكم العقد مولى الحارث بن عباد بن ضبيعة، وقال صاحب (( العين ) )العقد قبيلة من اليمن من بني عبد شمس بن سعد، وجمل عقدي قوي.
وأما الراوي عن أبي عامر فهو أبو جعفر عبد الله بن محمد بن عبد الله الجعفي البخاري المسندي بفتح النون. سمي بذلك؛ لأنه كان يطلب المسندات ويرغب عن المرسل والمنقطعات.
قال صاحب (( الإرشاد ) )كان يتحرى المسانيد من الأخبار، وقال الحاكم عرف بذلك؛ لأنه أول من جمع مسند ص 112 الصحابة على التراجم مما وراء النهر وهو ابن عم عبد الله بن سعيد بن جعفر بن اليمان.
واليمان هذا هو مولى أحد أجداد البخاري سمع وكيعًا وخلقًا، وعنه الذهلي وغيره، مات سنة تسع وعشرين ومائتين، انفرد (خ) به عن أصحاب الكتب الستة، وروى (ت) عن (خ) عنه.
فائدة هذا الإسناد كلهم مدنيون إلا العقدي فبصري، وإلا المسندي وكلهم على شرط الستة إلا المسندي، وفيه رواية تابعي عن تابعي وهو عبد الله، عن أبي صالح.
الوجه الثاني هذه الترجمة ساقها (خ) للدلالة على إطلاق اسم الإيمان على الأعمال كما سبق، وأراد به الرد على المرجئة إن الإيمان قول بلا عمل ولا تضر المعصية مع الإيمان، ومقابله قول الخوارج أنها تضر ويكفر بها، وغلت المعتزلة فقالوا يخلد بها فاعل الكبيرة ولا يوصف بأنه مؤمن ولا كافر لكن يوصف بأنه فاسق، وألحق مذهب الأشعرية أنه مؤمن، وإن عذب فلا بد من دخول الجنة.
الوجه الثالث هذا الحديث أخرجه (خ) عن عبد الله، ورواه (م) وقال فيه (( بضع وسبعون ) )ورواه أيضًا، وقال فيه (( بضع وسبعون أو بضع وستون ) )على الشك.
الوجه الرابع في ألفاظه ومعانيه.
1 البر اسم جامع للخير كله. قال ابن سيده إنه الصدق والطاعة.
وقال الهروي هو الاتساع في الإحسان، ويقال أبر فلان على فلان بكذا أي زاد عليه، ومنه سميت البرية؛ لاتساعها. وقال السدي في قوله {لن تنالوا البر} [آل عمران92] يعني الجنة.
والبر أيضًا الصلة، وفي (( الجامع ) )و (( الجمهرة ) )أنه ضد العقوق، وقال ابن السيد في (( مثله ) )أنه الخير، ونقل صاحب (( الواعي ) )عنه أنه الإكرام.
2 معنى قوله ليس البر كله أن تصلوا ولا تعملوا غير ذلك {ولكن البر من آمن بالله} [البقرة177] . أي بر من آمن كذا قدره سيبويه، وقال الزجاج ولكن ذا البر فحذف المضاف كقوله {هم درجات عند الله} [آل عمران163] ، أي ذو درجات.
3 قوله (( بضع ) )كذا وقع هنا بضعن وفي بعضها (( بضعة ) )بالهاء، وأكثر الروايات في غير هذا الموضع (( بضع ) )بلا هاء، وهو الجاري على اللغة المشهورة، ويجوز فتحها في لغة قليلة كما في قطعة اللحم، وهو مستعمل فيما بين الثلاثة والعشرة. هذا هو الصحيح في معناه، وفيه أقوال أخر.
قال ابن التياني في (( الموعب ) )عن الأصمعي يقال بضعة عشر في جمع المذكر، وبضع عشرة في جمع المؤنث، قال قطرب أثنا الثقة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (( {في بضع سنين} [الروم4] ما بين خمس إلى سبع ) )وقالوا ما بين الثلاث إلى الخمس.
وقال الفراء البضع نيف ما بين الثلاثة إلى التسعة، ولا يقولون بضع ومائة، ولا بضع وألف، ولا يذكر إلا مع العشرين إلى التسعين.
وقال الزجاج معناه القطعة من العدد، فجعل لما دون العشرة من الثلاث إلى التسع، وقال أبو عبيدة هو ما بين الواحد إلى الأربعة، وفي (( المحكم ) )البضع ما بين الثلاث إلى العشر وبالهاء من الثلاثة إلى العشرة.
وقال قوم في قوله {فلبث في السجن بضع سنين} [يوسف42] ، يدل على أن البضع سبع ص 113 لأن يوسف عليه السلام لبث كذلك فيه، وفي (( الصحاح ) )لا تقول بضع وعشرون.
وقال المطرز في (( شرحه ) )المختار أنه من أربعة إلى تسعة، والنيف من واحد إلى ثلاثة.
وقال ابن السيد في (( مثلثه ) )البضع بالفتح والكسر ما بين واحد إلى خمسة في قول أبي عبيدة. وقال غيره ما بين واحد إلى عشرة. وهو الصحيح.
أقول قال الزمخشري في (( الأساس ) )أقمن عنده بضع سنين وهو ما بين الثلاث والعشر. وقال ابن الجوزي في (( زاد المسير ) )في قوله تعالى {فلبت في السجن بضع سنين} أي غير ما كان قد لبث قبل ذلك عقوبة له على تعلقه لمخلوق.
وقال ابن الجوزي في بعض كتبه لبث في السجن بعدد حروف {اذكرني عند ربك} وهي اثنا عشر حرفًا، وقال ابن الجوزي في (( زاد المسير ) )في البضع تسعة أقوال
1 ما بين السبع والتسعة.
2 اثنا عشرة سنة قاله الضحاك عن ابن عباس.
3 سبع سنين قاله عكرمة.
4 أنه ما بين الخمس إلى السبعة قاله الحسن.
5 أنه ما بين الأربع إلى التسع قاله مجاهد.
6 ما بين الثلاث إلى التسع قاله الأصمعي والزجاج.
7 أن البضع بين الثلاث والتسع والعشر قاله قتادة.
8 أنه ما دون العشرة قاله الفراء، وقال الأخفش البضع من واحد إلى العشرة أنه ما لم يبلغ العقد ولا يضعه قاله أبو عبيدة.
قال ابن قتيبة يعني ما بين الواحد إلى الأربعة، وروي عن أبي عبيدة البضع ما بين ثلاث وخمس وفي جملة {ما لبث في السجن} ثلاثة أقوال
1 اثنتي عشرة سنة قاله ابن عباس.
2 أربع عشرة سنة قاله الضحاك.
3 سبع سنين قاله قتادة.
قال ابن الملقن
5 الشعبة بضم الشين القطعة والفرقة، وهي واحد الشعب، وهي أغصان الشجرة.
قال ابن سيده الشعبة الفرقة والطائفة من الشيء. ومنه شعب الآباء، وشعوب القبائل، وشعبها الأربع، وواحد شعب القبائل شعب بفتح الشين، وقيل بكسرها وهم العظام، وكذا شعب الإناء صدعه بالفتح أيضًا.
ومنه في الحديث فاتخذ مكان الشعب سلسلة، وقال الخليل الشعب الاجتماع والافتراق أي فهما ضدان. والمراد بالشعبة في الحديث الخصلة. أي أن الإيمان ذو خصال متعددة.
6 قوله (( الإيمان بضع وستون ) )كذا وقع هنا من طريق أبي زيد المروزي، وثبت في مسلم وغيره من حديث سهيل (( بضع وسبعون أو بضع وستون ) )كما سلف. ورواه من حديث العقدي (( بضع وسبعون شعبة ) ). وكذا وقع في (خ) ورواية (س، ت) وغيرهما من رواية سهيل (( بضع وسبعون ) )بلا شك.
ورجحها القاضي، وكذا رجحها الحليمي وجماعات؛ لأنها زيادة ثقة فقبلت. وليس في رواية الأقل ما يمنعها، وقال ابن الصلاح الأشبه ترجيح الأقل؛ لأنه المتيقن والشك من سهيل، كما قاله البيهقي.
7 قد بين صلى الله عليه وسلم أعلى هذه الشعب وأدناها كما ثبت في الصحيح (( أعلاها لا إله إلا الله ) )، وفي لفظ أنه (( أفضلها ) )وفي آخر أنها (( أرفعها ) )وآخر (( أقصاها ) )، وآخر (( أعظمها ) ).
(( وأدناها إماطة الأذى ) ). ولفظ اللالكائي (( العظم ) )بدل (( الأذى ) )ورواه محمد بن عجلان (( الإيمان ستون بابًا أو سبعون أو بضع ) )واحد من العددين. ورواه قتيبة (( الإيمان أربع وستون بابًا ) ).
وروى المغيرة بن عبد الرحمن بن عبيد قال حدثني أبي، عن جدي وكانت له صحبة أنه عليه السلام قال (( الإيمان ثلاثمائة وثلاثون شريعة، من وافى الله بشريعة منها دخل الجنة ) ).
وروى ابن شاهين بسنده عن أبي سعيد مرفوعًا (( إن بين يدي الرحمن عز وجل لوحًا فيه ثلاثمائة وتسع عشرة شريعة يقول جل وعز لا يجيئني عبد من عبادي لا يشرك بي شيئًا فيه واحد منهن إلا أدخلته الجنة ) ). ومن حديث عبد الواحد بسنده عن مولاه عثمان مرفوعًا (( إن لله تعالى مائة خلق من أتى ص 114 بخلق منها دخل الجنة ) ).
قال لنا أحمد سئل إسحاق ماذا في الأخلاق؟ قال يكون في الإنسان حياء، يكون فيه رحمة، يكون فيه سخاء، يكون فيه تسامح، هذا من أخلاق الله تعالى.
وروى أبو الحسن عبد الرحمن بن عمر بسنده عن حذيفة الإسلام ثمانية أسهم الإسلام سهم، الصلاة سهم، والزكاة سهم، وصوم رمضان سهم، والحج سهم، والجهاد سهم، والأمر بالمعروف سهم، والنهي عن المنكر سهم، وقد خاب من لا سهم له.
8 بين صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي سقناه أن أعلى الشعب التوحيد المتعين على كل مكلف، والذي لا يصح غيره من الشعب إلا بعد صحته، وأن أدناها ما يتوقع منه ضرر المسلمين، وبقي بينهما تمام العدد، فيجب علينا الإيمان به، وإن لم نعرف أعيان جميع أفراده، كما نؤمن بالأنبياء والملائكة عليهم السلام، وإن لم نعرف أعيانهم وأسماءهم.
وقد صنف العلماء في تعيين هذه الشعب كتبًا، من أغزرها فوائد (( المنهاج ) )لأبي عبد الله الحليمي.
وقال أبو حاتم بن حبان بكسر المهملة في كتاب (( وصف الإيمان وشعبه ) )تتبعت معنى هذا الحديث، وعددت الطاعات، فإذا هي تزيد على هذا العدد شيئًا كثيرًا، فرجعت إلى السنن، فعددت كل طاعة عدها الشارع من الإيمان، فإذا هي تنقص عن البضع والسبعين، فرجعت إلى كتاب الله تعالى، وقرأته بالتدبر، وعددت كل طاعة عدها الله تعالى من الإيمان، فإذا هي تنقص عن البضع والسبعين، فضممت إلى الكتاب السنة وأسقطت المعاد، فإذا كل شيء عده الله ورسوله من الإيمان بضع وسبعون لا يزيد عليها ولا ينقص، فعلمت أن مراد النبي صلى الله عليه وسلم أن هذا العدد في الكتاب والسنة.
9 الحديث ناص على إطلاق اسم الإيمان على الأعمال.
10 قوله عليه السلام (( الحياء شعبة من الإيمان ) )، وفي رواية في (( الصحيح ) ) (( الحياء من الإيمان ) )، وفي أخرى (( الحياء لا يأتى إلا بخير ) )، وفي أخرى (( الحياء خير كله ) ). فالحياء ممدود هو الاستحياء من الحياء، واستحيا الرجل من قوة الحياء لشدة علمه بمواقع العيب. قال فالحياء من قوة الحسن ولطفه.
قال الجنيد حق حياء رؤية الآلاء؛ أي النعم ورؤية التقصير، فيتولد بينهما حالة تسمى الحياء. وإنما جعل الحياء من الإيمان وإن كان غريزة؛ لأنه قد يكون تخلقًا واكتسابًا كسائر أعمال البر، وقد يكون غريزة، ولكن استعماله على قوة قانون الشرع يحتاج إلى اكتساب ونية وعلم، فهو من الإيمان لهذا؛ ولكونه باعثًا على أفعال الخير، ومانعًا من المعاصي، ورب حياء يمنع من الخير، ويجبن عن قول الحق وليس بحياء حقيقة، بل هو عجز وخور، وتسميته حياء من إطلاق بعض أهل العرف، أطلقوه مجازًا؛ لشبهه الحقيقي، وإنما حقيقته خلق يبعث على اجتناب القبيح.
فائدة الحياء أيضًا بالمد والقصر الفرج من إناث ذي الخف والظلف والسباع، وخص به ابن الأعرابي الشاة والبقرة والظبية، وبالقصر الخصب والمطر، وحكي المد فيها أيضًا.
قال والدي رحمه الله
النووي الصواب ترجيح رواية بضع وسبعون لأنها زيادة من ثقات وزيادة الثقات مقبولة مقدمة.
وأقول إن المراد من زيادة الثقات زيادة لفظ في الرواية، ومثله ليس منها بل هو من باب اختلاف الروايتين فقط، وأن رواية بضع وستين لا تنفي ما عداها إذ التخصيص بالعدد لا يدل على نفي الزائد.
ويحتمل أن تكون رواية الستين مقدمة على رواية السبعين، وكان شعب الإيمان عند صدوره من النبي صلى الله عليه وسلم هذا القدر، ثم قال مرة أخرى عند زيادة الشعب بلفظ سبعون فيكون كلاهما صوابًا. ص 115
الخطابي الإيمان اسم يتشعب إلى أمور ذوات عدد جماعها الطاعة، ولهذا صار جماعة من العلماء إلى أن الناس متفاضلون في درج الإيمان وإن كانوا متساوين في اسمه، وكان بدو الإيمان كلمة الشهادة، وأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بقية عمره بضعة عشرة سنة يدعو الناس إليها وسمي من أجابه إلى ذلك مؤمنًا إلى أن نزلت الفرائض وبهذا الاسم خوطبوا عند إيجابها عليهم فقال {يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة} وهذا الحكم مستمر في كل اسم يقع على أمر ذي شعب كالصلاة فإن رجلًا لو مر على مسجد، وفيه قوم منهم من يستفتح الصلاة ومنهم من هو راكع وساجد فقال رأيتهم يصلون كان صادقًا مع اختلاف أحوالهم في الصلاة وتفاضل أفعالهم فيها.
فإن قلت إذا كان الإيمان بضعًا وسبعين شعبة فهل يمكنكم أن تسموها بأسمائها وإن عجزتم عن تفصيلها فهل يصح إيمانكم بما هو مجهول عندكم. قلت إيماننا بما كلفناه صحيح، والعلم به حاصل وذلك من وجهين
الأول أنه قد نص على أعلى الإيمان وأدناه باسم أعلى الطاعات وأدناها فدخل فيه جميع ما يقع بينهما من جنس الطاعات كلها وجنس الطاعات معلوم.
والثاني أنه لم يوجب علينا معرفة هذه الأشياء بخواص أسمائها حتى يلزمنا تسميتها في عقد الإيمان، وإنما كلفنا التصديق بجملتها كما كلفنا الإيمان بملائكته وإن كنا لا نعلم أسماء أكثرهم ولا أعيانهم.
قوله (( الحياء ) )بالمد هو تغير وانكسار يعتري الإنسان من خوف ما يعاب به ويذم، وقد يعرف أيضًا بأنه انحصار النفس خوف ارتكاب القبائح واشتقاقه من الحياة يقال حيي الرجل إذا انتقص حياته وانتكس قوته كما يقال نسي إذا اعتل نساه؛ أي العرق الذي في الفخذ وحشي إذا اعتل حشاه فمعنى الحياء المألوف الحياء من خوف المذمة.
وإن كان الحياء شعبة من الإيمان؛ لأنه يحجز صاحبه عن المعاصي إذ الإيمان منقسم إلى ائتمار المأمور به وإلى انتهاء المنهي عنه، وإنما أفرده بالذكر؛ لأنه كالداعي إلى سائر الشعب فإن الحيي يخاف فضيحة الدنيا وفظاعة الآخرة فينزجر عن المعاصي ويمتثل الطاعات، وشبه الإيمان بشجرة ذات أغصان وشعب كما شبه في الحديث السابق الإسلام بخباء ذات أعمدة وأطناب.
وأما تخصيص الستين فلأن العدد إما زائد وهو ما أجزاؤه أكثر منه كاثني عشر فإن لها نصفًا وثلثًا وربعًا وسدسًا ونصف سدس ومجموع هذه الأجزاء أكثر من اثني عشر فإنه ستة عشر وإما ناقص وهو ما أجزاؤه أقل منه كالأربعة، فإن لها الربع والنصف، وإما تام وهو ما أجزاؤه مثله كالستة، فإن أجزاءها النصف والثلث والسدس وهي مساوية للستة والفضل من بين الأنواع الثلاثة للتام، فلما أريد المبالغة فيه جعلت آحادها أعشارًا فذكره لمجرد الكثرة أو لأن هذا القدر كان هو سبب الإيمان حينئذ فذكره لبيان الرابع.
التيمي المراد من وجدت فيه هذه الخصال فهو مؤمن على سبيل الكمال ثم إيمان كل واحد بقدر وجود هذه الخصال فيه. القاضي البيضاوي ويحتمل أن يراد بهذا العدد أي بالبضع والسبعين التكثر دون التعدد كما في قوله {إن تستغفر لهم سبعين مرة} .
واستعمال لفظي السبعة والسبعين للتكثير كثير وذلك لاشتمال السبعة على جملة أقسام العدد فإنه ينقسم إلى فرد وزوج وكل منهما إلى أول ومركب والفرد الأول ثلاثة والمركب خمسة، والزوج الأول اثنان والمركب أربعة وينقسم أيضًا إلى منطق كالأربعة وأصم كالستة، ثم إن أريد مبالغة جعلت آحادها أعشارًا، وأن يراد تعداد الخصال حقيقة.
وبيانه أن شعب الإيمان وإن كانت متعددة إلا أن حاصلها يرجع إلى أصل واحد وهو تكميل النفس على وجه به يصلح معاشه ويحسن معاده، وذلك أن يعتقد الحق ويستقيم في العمل وإليه أشار عليه السلام حيث قال لسفيان الثقفي حين سأله قولًا جامعًا {قل آمنت بالله ثم استقم} .
وفن الاعتقاد يتشعب إلى ستة عشر ص 116 شعبة طلب العلم، ومعرفة الصانع وتنزيهه عن النقائص والإيمان بصفات الإكرام مثل الحياة والعلم والإقرار بالوحدانية، والاعتراف بأن ما عداه صنعه لا يوجد ولا يعدم إلا بقضائه وقدره والإيمان بملائكته وتصديق رسله وحسن الاعتقاد فيهم، والعلم بحدوث العالم واعتقاد فنائه، والجزم بالحياة الثانية وإعادة الأرواح إلى الأجساد، والإقرار باليوم الآخر أعني بما فيه من الصراط والحساب وسائر ما تواتر عن الرسول صلى الله عليه وسلم، والوقوف على وعد الجنة وثوابها واليقين بوعيد النار وعقابها.
وفن العمل ينقسم إلى ثلاثة أقسام
أحدها ما يتعلق بالمرء نفسه وهو ينقسم إلى قسمين
أحدهما ما يتعلق بالباطن وحاصله تزكية النفس من الرذائل وأمهاتها عشرة شره الطعام، وشره الكلام، وحب الجاه، وحب المال، وحب الدنيا، والحقد، والحسد، والرياء، والعجب، وتحلية النفس بالفضائل.
وأمهاتها ثلاثة عشر التوبة، والخوف، والرجاء، والزهد، والحياء، والشكر، والوفاء، والصبر، والإخلاص، والصدق، والمحبة، والتوكل، والرضا بالقضاء.
وثانيهما ما يتعلق بالظاهر ويسمى بالعبادات وشعبها ثلاثة عشر طهارة البدن عن الحدث والخبث، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والقيام بأمر الجنائز، وصيام رمضان، والاعتكاف، وقراءة القرآن، وحج البيت، وذبح الضحايا، والوفاء بالنذر، وتعظيم الإيمان، وأداء الكفارات.
وثانيها ما يتعلق به وبخواصه وأهل منزله وشعبها ثمان التعفف عن الزنا، والنكاح، والقيام بحقوقه، والبر بالوالدين، وصلة الرحم، وطاعة السادة، والإحسان إلى المماليك، والعتق.
وثالثها ما يعم الناس وينوط به إصلاح العباد وشعبها تسع عشرة القيام بإمارة المسلمين، واتباع الجماعة، ومطاوعة أولي الأمر، ومعاونتهم على البر، وإحياء معالم الدين ونشرها، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وحفظ الدين بالزجر عن الكفر، ومجاهدة الكفار، والمرابطة في سبيل الله، وحفظ النفس بالكف عن الجنايات، وإقامة حقوقها من القصاص، والديات، وحفظ أموال الناس بطلب الحلال، وأداء الحقوق، والتجافي عن المظالم، وحفظ الأنساب، وأعراض الناس، وإقامة حدود الزنا، والقذف، وصيانة العقل بالمنع عن تناول المسكرات، والمجننات بالتهديد والتأديب عليه، ودفع الضرر عن المسلمين. ومن هذا القبيل إماطة الأذى عن طريق.
قال علي بن عيسى النحوي السبعة أكمل الأعداد لأن الستة أول عدد تام وهي مع الواحد سبعة، وكأنه كاملة إذ ليس بعد التمام سوى الكمال وسمي الأسد سبعًا لكمال قوته ثم السبعون غاية الغاية إذ الآحاد غايتها العشرات.
الطيبي الأظهر معنى التكثير ويكون ذكر البضع للترقي، يعني أن شعب الإيمان أعداد مبهمة ولا نهاية لكثرتها إذ لو أريد التحديد لم يهم ثم لهدف من رزق الطبع المستقيم معنى أقولن الحياء بالذكر بعد دخوله في الشعب كأنه يقول هذه شعبة واحدة من شعبه فهل يحصى شعبه كلها هيهات إن البحر لا ينزف.