قوله من أسعد الناس بشفاعتك إلى آخره، هذا الحديث أخرجه هنا وأخرجه في صفة الجنة والحديث من أفراد (خ) لم يخرج (م) ، وقد سلف رواته خلا شيخ (خ) ، وعمرو بن أبي عمرو.
أما عمرو فهو أبو عثمان عمرو بن أبي عمرو ميسرة، وميسرة مولى المطلب بن عبد الله بن حنطب المخزومي القرشي المدني. عن أنس بن مالك وغيره. وعنه مالك، والدراوردي.
قال أبو زرعة ثقة. وقال يحيى بن معين هو ضعيف. وقال ابن عدي لا بأس به؛ لأن مالكًا روى عنه، ولا يروي إلا عن صدوق ثقة. مات في أول خلافة المنصور وكانت خلافته أول سنة ست وثلاثين ومائة.
وشيخ (خ) هو أبو القاسم عبد العزيز بن عبد الله بن يحيى بن عمرو بن أويس بن سعيد بن أبي سرح بن حذيفة بن نصر بن مالك بن حسل بن عامر بن لؤي بن فهر أبو القاسم القرشي العامري الأويسي المديني الثقة.
روى عنه (خ) بغير واسطة، و (( د-ت ) )عن رجل عنه، وروى (خ) في الإصلاح عن محمد بن عبد الله مقرونًا بالفروي عنه. قال أبو حاتم مدني صدوق.
قوله (( قيل يا رسول ) )كذا وقع في رواية أبي ذر، والصواب حذف قيل كما جاء عند الأصيلي والقابسي؛ لأن السائل هو أبو هريرة نفسه.
قوله (( أول منك ) )يجوز في أول الرفع على الصفة والنصب على الظرف، والرواية بالرفع. وذكر بعضهم أنه روي ص 362 بالنصب أيضًا؛ أي قبلك.
قال سيبويه معنى أول منك أقدم منك. وقال السيرافي يقال أول منك، ورأيت أول منك، ومررت بأول منك، فإذا حذفوا منك قالوا هذا الأول، ولا يقولوا الأول منك؛ لأن الألف واللام تعاقب منك.
وقال أبو علي أولى تستعمل اسمًا وصفة، فإن استعملت صفة كانت بالألف واللام أو بالإضافة أو بـ (( من ) )ظاهرة أو مقدرة، فإن كانت بـ (( من ) )جرت في الأحوال كلها على لفظ واحد تقول يفيد أول من زيد. والزيدان أول من العمرين، ولا ينصرف لوزن الفعل والصفة.
قال وإن شئت نصبت أول على الظرف، وإن كان معناه الصفة تقول رأيت زيدًا عام أول، تريد أول من عامنا، فأول بمنزلة قبل، كأنك تقول رأيت زيدًا عامًا قبل عامنا، فحكم له بالظرف، حتى قالوا ابدأ بهذا أوله، وبنوه على الضم. حتى قالوا ابدأ به قبل. فصار كأنه قطع عن الإضافة، ومن النصب على الظرف قوله تعالى {والركب أسفل منكم} [الأنفال42] كما تقول الركب أمامك، وأصله الصفة، وصار أسفل ظرفًا.
والتقدير وفي مكان أسفل من مكانكم، ثم حذف الموصوف وأقيمت الصفة مقامه، فصارت أسفل منكم بمنزلة تحتكم، ومن لم يجعل أولًا صفة صرفه، يقول ما ترك لنا أولًا ولا آخرًا.
وأما أصله، فقال الجوهري أوأل بهمزة متوسطة فقلبت الهمزة واوًا وأدغمت، يدل عليه قولهم هذا أول منك، والجمع الأوائل، والأوائل على القلب، هذا مذهب البصريين، وقال الكوفيون وزنه فوعل أصله ووأل فنقلوا الهمزة إلى موضع الفاء، ثم أدغموا الواو في الواو، وهو من وأل إذا نجا، كأن في الأول النجاة.
وفيه الحرص على العلم والخير، فإن الحريص يبلغ بحرصه إلى البحث عن الغوامض، ودقيق المعاني؛ لأن الظواهر يستوي الناس في السؤال عنها؛ لاعتراضها أفكارهم، وما لطف من المعاني لا يسأل عنها إلا الراسخ، فيكون ذلك سببًا للفائدة، ويترتب عليه أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة.
وفيه تفرس العالم في متعلمه وتنبيهه على ذلك؛ ليكون أبعث على اجتهاد.
وفيه سكوت العالم عن العلم إذا لم يسأل حتى يسأل، ولا يكون ذلك كتمًا؛ لأن على الطالب السؤال، اللهم إلا إذا تعين عليه فليس له السكوت.
وفيه أن الشفاعة إنما تكون في أهل التوحيد، وهو موافق لقوله عليه السلام (( لكل نبي دعوة، وإني اختبأت دعوتي شفاعةً لأمتي، فهي نائلة إن شاء الله تعالى من مات من أمتي لا يشرك بالله شيئًا ) ).
وفيه ثبوت الشفاعة، والأحاديث جارية مجرى القطع في ذلك، وهو مذهب أهل السنة، وأنها جائزة عقلًا وواجبة بصريح الآيات والأخبار التي بلغ مجموعها التواتر لمذنبي المؤمنين، وهو إجماع السلف ومن بعدهم.
ومنعت الخوارج وبعض المعتزلة منها، وتأولت الأحاديث على زيادات الدرجات والثواب، واحتجوا بقوله تعالى {فما تنفعهم شفاعة الشافعين} [المدثر48] وقوله {ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع} [غافر18] . وهذا إنما جاء في الكفار، والأحاديث مصرحة بها في المؤمنين.
ثم هي أقسام
1 الإراحة من هول الموقف.
2 في ص 363 إدخال قوم الجنة بغير حساب.
3 عدم دخول النار لمن استوجبها بذنبه.
4 في إخراجهم منها، ويشفع في هذه المؤمنون أيضًا.
5 في زيادة الدرجات في الجنة لأهلها.
6 في تخفيف العذاب كما في حق أبي طالب.
7 فيمن مات بالمدينة كما صح في الحديث.
وقد عرف بالاستفاضة سؤال السلف الصالح الشفاعة، ولا التفات إلى من كره سؤالها؛ لأنها لا تكون إلا للمذنبين، فقد تكون لتخفيف الحساب وزيادة الدرجات.
قال والدي رحمه الله تعالى
قوله الحديث هو في اللغة الجديد وفي عرف العامة الكلام، وفي عرف المتشرعة ما يتحدث عن النبي صلى الله عليه وسلم وكأنه لوحظ فيه مقابلته للقرآن إذ ذاك قديم وهذا حديث. الجوهري الحديث ضد القديم ويستعمل في قليل الكلام وكثيره؛ لأنه يحدث شيئًا فشيئًا.
قوله (( قال يا رسول الله ) )وفي بعضها (( قال قيل يا رسول الله ) )و (( الشفاعة ) )مشتقة من الشفع وهو ضم الشيء إلى مثله كأن المشفوع له فردًا فجعله الشفيع شفعًا بضم نفسه إليه، والشفاعة الضم إلى آخر معاونًا له وأكثر ما تستعمل في انضمام من هو أعلى مرتبة إلى من هو أدنى.
قوله (( لقد ظننت ) )اللام فيه جواب قسم محذوف و (( يسألني ) )بضم اللام وفتحها لأن كلمة أن إذا وقعت بعد الظن يجوز في مدخولها الرفع والنصب. (( أولى ) )اختلف في أنه أفعل أو فوعل، والصحيح الأول واستعماله بمن من جملة أدلة صحته وهو منصوب لأنه في حكم الظرف ووقعت حالًا ويجوز الرفع بأنه صفة أحد.
قوله (( لما رأيت ) )ما موصولة والعائد محذوف ومن بيانية أو مصدرية ومن تبعيضية مفعول رأيت؛ أي لرؤيتي بعض حرصك.
قوله (( من قال لا إله إلا الله ) )احتراز من المشرك وخالصًا من قلبه احترازًا من المنافق. فإن قلت المشرك والمنافق لا سعادة لهما وأفعل التفضيل يدل على الشركة. قلت الأفعل بمعنى الفعيل يعني سعيد الناس كقولهم الناقص والأشج أعدلا بني مروان يعني عادلا أو هو معناه الحقيقي المشهور والتفضيل بحسب المراتب؛ أي هو أسعد فمن لم يكن في هذه المرتبة من الإخلاص المؤكد البالغ غايته، والدليل على إرادة تأكيده ذكر القلب إذ الإخلاص معدنه القلب ففائدة التأكيد كما في قوله تعالى {فإنه آثم قلبه} .
الكشاف فإن قلت هلا اقتصر على قوله فإنه آثم، وما فائدة ذكر القلب والجملة هي الآثمة لا القلب وحده. قلت كتمان الشهادة هو أن يضمرها ولا يتكلم بها ولما كان آثمًا مقترنًا بالقلب أسند إليه لأن إسناد الفعل إلى الجارحة التي يعمل بها أبلغ ألا تراك تقول إذا أردت التأكيد أبصرته عيني وسمعته أذني أو تقول علم عدم السعادة لهما من الدلائل الخارجية الدالة بالتصريح عليه.
فإن قلت فهل يكفي مجرد لا إله إلا الله دون محمد رسول الله؟ قلت لا يكفي لكن جعل الجزء الأول من كلمة الشهادة شعارًا لمجموعها، فالمراد الكلمة بتمامها كما تقول قرأت {الم ذلك الكتاب} أي السورة بتمامها.
فإن قلت الإيمان هو التصديق القلبي على الأصح وقول الكلمة لإجراء أحكام الإيمان عليه فلو صدق بالقلب ولم يقل الكلمة يسعد بالشفاعة. قلت نعم لو لم يكن مع التصديق مناف ففائدة القول حكمنا عليه بتلك السعادة، أو المراد بالقول القول النفساني لا اللساني، أو ذكر على سبيل التغليب إذ الغالب أن من صدق بالقلب قال باللسان الكلمة.
فإن قلت التقييد بالناس هل ص 364 يفيد نفي السعادة عن الجن والملك. قلت لا إذ هو مفهوم اللقب وهو مردود ليس بحجة عند الجمهور.
فإن قلت فهل للعصاة وأصحاب الكبائر شفاعة. قلت نعم وهو مذهب الجماعة وأما المعتزلة فقالوا الشفاعة للمطيع ولزيادة الثواب أو ليس للعاصي ولإسقاط العقاب، وإطلاق الحديث حجة لنا عليهم.
فإن قلت من قلبه متعلق بقوله خالصًا أو بقوله قال. قلت جاز الأمران والظاهر الثاني.
فإن قلت هو ظرف لغو أم مستقر، قلت إن تعلق بقال فلغو وإلا فمستقر، إذ تقديره حينئذ ناشئًا من قلبه.
فإن قلت ما محله، قلت الأصح أن اللغو لا محل له من الإعراب والمستقر هنا منصوب على الحال وفي بعضها بدل خالصًا مخلصًا.
قوله (( أو من نفسه ) )شك من أبي هريرة.
الزركشي
قوله (( أحد أول منك ) )بالرفع والنصب، فالرفع على الصفة أو البدل من (( أحد ) )والنصب على الظرف، وقال أبو البقاء على الحال؛ أي لا يسألني أحد سابقًا لك، قال وجاز نصب الحال عن النكرة؛ لأنها في سياق النفي فتكون عامة كقولهم ما كان أحد مثلك، وقال القاضي على المفعول الثاني لـ (( ظننت ) ).