قوله من أشراط الساعة الحديث. هذا الحديث أخرجه (م) أيضًا في العلم ورجال الإسناد سلفوا خلا عمران بن ميسرة.
وأبو التياح ويحيى هو ابن سعيد القطان، فأما أبو التياح فهو بمثناة فوق ثم مثناة تحت ثم ألف ثم حاء مهملة، واسمه يزيد بن حميد الضبعي من أنفسهم، وليس في الستة من يشترك معه في هذه الكنية، وربما كني بأبي حماد، وهو ثقة ثبت صالح. وعنه ابن علية وغيره، مات سنة ثمان وعشرين ومائة.
وأما عمران فهو أبو الحسين المنقري البصري، روى عنه (خ، د) ، وأبو زرعة مات سنة ثلاث وعشرين ومائتين.
ومناسبة قول ربيعة للتبويب في رفع العلم (( إن من كان فيه فهم وقبول للعلم فلا يضيع نفسه بإهماله بل يقبل عليه ويهتم به، فإنه إذا لم يفعل ذلك أدى إلى رفع العلم ) )؛ لأن البليد لا يقبل العلم فهو عنه مرتفع، فلو لم تصرف الهمة إليه أدى إلى رفعه مطلقًا.
ويحتمل أن المراد به أن العالم ينبغي له تعظيم العلم بأن لا يأتي أهل الدنيا؛ إجلالًا له، فإنه إذا أكثر منهم أداه ذلك إلى قلة الاشتغال والاهتمام به، ويحتمل معنى ثالثًا أن من هذا حاله لا يضيع نفسه بأن يجعله للأغراض الدنيوية، بل يقصد به الإخلاص؛ لتحصل له الثمرات الأخروية فيكون جامعًا للعلم والعمل به.
والاشتراط العلامات، والشرط أيضًا رذال المال، والأشراط (( الأرذال ) )؛ فعلى هذا يكون المعنى ما ينكره الناس من صغار أمورها قبل قيامها. ونقل الجوهري، عن يعقوب أن الأشراط الأشراف أيضًا. فهو إذن من الأضداد.
والمراد برفع العلم قيل أهله كما سيأتي قريبًا في باب كيف يقبض العلم، وكذا قلته بموتهم لا محوه من الصدور، فيتخذ الناس عند ذلك رءوسًا جهالًا فيتحكمون في دين الله برأيهم، ويفتون بجهلهم. قال القاضي وقد وجد ذلك في زماننا فنسأل الله السلامة والعافية في القول والعمل.
قلت فكيف لو أدرك زمننا؟ فإنا لله وإنا إليه راجعون.
قوله (( ويثبت الجهل ) )هو من الثبوت. قال النووي وكذا هو في أكثر نسخ (م) ، وفي بعضها (( يبث ) )بمثناة تحت في أوله ثم موحدة ثم بمثلثة أي ينشر.
قوله (( ويشرب الخمر ) )أي يشرب شربًا فاشيًا كما جاء في رواية (( ويكثر شرب الخمر ) )، والزنا يمد ويقصر، والأولى لغة أهل نجد، والثانية لغة أهل الحجاز.
قوله (( لأحدثنكم ) )كذا في (خ) ، وفي (م) (( ألا أحدثكم ) )، بـ (( ألا ) )التي للاستفتاح. وفيه أيضًا لا يحدثكموه، ومراد أنس بذلك أن الصحابة انقرضوا ولم يبق من يحدث به غيره.
ويمكن أن يكون قال ذلك لما رأى من نقص العلم فوعظهم بما سمع من النبي صلى الله عليه وسلم في نقصه، وأنه من أشراط الساعة؛ ليحثهم على طلبه.
قوله (( وتكثر النساء ص 333 ويقل الرجال ) )قلة الرجال بكثرة القتل، وذلك عند فتح القسطنطينية وما شابهها من الملاحم، فتكثر النساء إذ ذاك ويكثر الفساد.
و (( القيم ) )والقيام القائم بالأمر، أراد قبض المال فيكسب الإماء فيكون للرجل الواحد الإماء الكثيرة، أو بسبب قتل الرجال يكثر النساء فيقل من يقوم بمصالحهن، أو إذا قل الرجال وغلب الشر على الرجال يتبع الرجل الواحد ما ذكر من النساء، كل واحدة تقول انكحني.
وهذا الحديث علم من أعلام نبوته عليه السلام؛ حيث أخبر بقلة الرجال في آخر الزمان وكثرة النساء.
قال والدي رحمه الله تعالى
قوله (( ربيعة ) )أي المشهور بربيعة الرأي أبو عثمان بن فروخ بالفاء والراء المشددة المضمومة وبالخاء المنقطة ابن أبي عبد الرحمن القرشي المدني التابعي الفقيه كان يكثر الكلام ويقول الساكت بين النائم والأخرس، قال يحيى بن سعيد ما رأيت أعقل من ربيعة، وكان صاحب معضلات أهل المدينة ورئيسهم في الفتيا.
وقال مالك ذهب حلاوة الفقه منذ مات ربيعة توفي سنة ست وثلاثين ومائة في دولة أبي العباس بالمدينة أو بالأنبار.
قوله (( يضع ) )وفي بعضها (( أن يضيع ) )أي بأن لا يفيد الناس ولا يسعى في تعليم الغير.
قال التيمي قال الفقهاء لزم متعين البلد للقضاء طلبه وندب للأصلح والمثل لحاجة إلى رزق من بيت المال أو لخمول ذكره وعدم شهرة فضيلته. يعني إذا ولي القضاء انتشر علمه.
وقال ابن بطال معنى قول ربيعة أن من كان له قبول العلم وفهم لزم من فرض طلب العلم ما لا يلزم غيره فينبغي أن يجتهد فيه، ولا يضيع طلبه فيضيع نفسه.
قوله (( أن يرفع العلم ) )هو في محل النصب بأنه اسم أن، وليس المراد منه نحوه من صدور الحفاظ وقلوب العلماء بل رفعه بموت حملته وقبض العلماء.
قوله (( ويثبت الجهل ) )وفي بعض النسخ (( يبث ) )من البث وهو النشر وفي بعضها (( ينبت ) )من النبات بالنون.
قوله (( يشرب الخمر ) )فإن قلت شرب الخمر كيف يكون من علاماتها، والحال أنه كان واقعًا في جميع الأزمان وقد حد رسول الله صلى الله عليه وسلم بعض الناس لشربه إياها. قلت المراد منه أن يشرب شربًا فاشيًا أو أن نفس الشرب وحده ليس علامة بل العلامة مجموع الأمور المذكورة.
قوله (( لأحدثنكم ) )بفتح اللام وهو جواب قسم محذوف؛ أي والله لأحدثنكم، ولهذا جاز دخول النون المؤكدة عليه. و (( حديثًا ) )هو قائم مقام المفعولين لقوله لأحدثنكم.
فإن قلت من أين عرف أن أحدًا لا يحدث بعده. قلت لعله عرفه بإخبار الرسول له أو قال بناء على ظنه أنه لم يسمع الحديث غيره من رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقال ابن بطال يحتمل أن أنسًا قال ذلك؛ لأنه لم يبق من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم غيره أو لما رأى من التغيير ونقص العلم فوعظهم بما سمع من النبي صلى الله عليه وسلم في نقص العلم.
قوله (( سمعت ) )هو بيان أو بدل لقوله (( لأحدثنكم ) ). قوله (( أن يقل العلم ) )بكسر القاف في محل الرفع بالابتداء.
فإن قلت قلة العلم تقتضي بقاء شيء منه والرفع عدم بقائه فما وجه الجمع بينهما. قلت القلة قد تطلق ويراد بها العدم أو كان ذلك باعتبار الزمانين كما يقال مثلًا القلة في ابتداء أمر الأشراط والعدم في انتهائه [1] ، ولهذا قال ثمة يثبت الجهل وههنا قال يظهر.
قوله (( لخمسين امرأة ) )يحتمل أن يراد بها حقيقة هذا العدد، وأن يراد بها كونها مجازًا عن الكثرة، ولعل السر فيه أن الأربعة هي كمال نصاب الزوجات، ص 334 فاعتبر الكمال مع زيادة واحدة عليه فيصير فوق الكمال مبالغة في الكثرة، أو لأن الأربعة منها يمكن أن تؤلف العشرة؛ لأن فيها واحدًا واثنين وثلاثة وأربعة وهذا المجموع عشرة، ومن العشرات المئات ومن المئات الألوف، فهي أصل جميع مراتب الأعداد فزيد فوق الأصل واحد آخر، ثم اعتبر كل واحد منها بعشر أمثالها أيضًا تأكيدًا للكثرة ومبالغة فيها، وقد تقرر مثله في قوله تعالى {خمسين ألف سنة} .
قوله (( القيم ) )أي من يقوم بأمرهن، فإن قلت ما فائدة التعريف وهو الظاهر أن يقال قيم واحد. قلت فائدته الإشعار بما هو معهود من كون الرجال قوامين على النساء فاللام للعهد.
فإن قلت هل لتخصيص هذه الأمور بالذكر فائدة معلومة. قلت والله أعلم يحتمل أن يكون ذلك؛ لأنها مشعرة باختلال الضروريات الخمس الواجبة رعايتها في جميع الأديان التي يحفظها صلاح المعاش والمعاد ونظام أحوال الدارين، وهي الدين والعقل والنفس والمال فرفع العلم مخل بحفظ الدين، وشرب الخمر بالعقل وبالمال أيضًا، وقلة الرجال بسبب الفتن بالنفس، وظهور الزنا بالنسب وكذا بالمال غالبًا.
فإن قلت لم كان اختلال هذه الأمور من علاماتها. قلت لأن الخلائق لا يتركون سدى ولا نبي بعد هذا الزمان فتعين خراب العالم وقرب القيامة.
[1] في هامش المخطوط أقول أو يطلق العدم ويراد به القلة، كما يقال الشيء الفلاني في هذا البلد معدوم يريد أنه قليل.