فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
فيه حديث أبي هريرة (( إن [الله] تجاوز عن أمتي ما وسوست به صدورها ) ).
ثم ساق حديث عمر (( الأعمال بالنيات ) ).
والخطأ والنسيان إنما يكون في الحنث في الأيمان بعتق كانت اليمين أو طلاق أو غيره، وقد اختلف في الناسي في يمينه، هل يلزمه حنث أم لا؟ على قولين
أحدهما لا. وهو قول عطاء وأحد قولي الشافعي، وبه قال الشعبي وطاوس من أخطأ في الطلاق فله نيته.
وفيه قول ثالث يحنث في الطلاق خاصة، قاله أحمد.
حجة الأول قوله تعالى {ليس عليكم جناح فيما أخطأتم به} [الأحزاب5] وهو ظاهر حديث الباب، وذهب مالك والكوفيون إلى أنه يحنث في الخطأ أيضًا.
وادعى ابن بطال أنه الأشهر عن الشافعي، وروي ذلك عن أصحاب ابن مسعود، وسيأتي في الأيمان والنذور إن شاء الله تعالى.
وروى مطرف وابن الماجشون فيمن أراد أن يطلق امرأته واحدة فأخطأ نصيبه فطلقها البتة طلقت عليه ص 2292 البتة، ولا ينفعه ما أراد، ولا نية له في ذلك، وهو قول مالك، قال يؤخذ الناس بلفظهم في الطلاق ولا تنفعهم نياتهم.
وعلى هذا القول يكون تأويل (( الأعمال بالنيات ) )على الخصوص، كأنه قال إلا العتق والطلاق فإن الأعمال فيها بالأقوال والنيات، فمن ادعى الخطأ بلسانه، فإثم ذلك ساقط عنه، وهو مأخوذ بما نطق به لسانه حياطة للفروج وتحصينًا لها من الإقدام على وطئها بالشك واحتياطًا من الرجوع في عتق الرقاب المنجية من النار التي أمر الشارع بعتق شقص منها بتمام عتقها كلها وتحصينًا لها من الرق [1] .
وروى ابن نافع وزياد بن عبد الرحمن، عن مالك أنه تنفعه نيته ولا تطلق إلا واحدة، والمعمول عليه من مذهب مالك المشهور عند أصحابه القول الأول.
والمفتي عليه عندنا عدم طلاق الناسي.
وقد نحا (خ) إلى مشهور مذهب الشافعي أن فعل الناسي لا يحنث، وهو ظاهر تبويبه، وما ذكر فيه من الأخبار؛ أن الساهي لا نية له ولا عتق عليه بفعل سهو، كأنه يشير أيضًا إلى قول أبي حنيفة في قوله من أعتق عبده لوجه الله أو للشيطان أو للصنم عتق؛ لوجود ركن الإعتاق من أهله في محله، ووصف القربة واللفظ الأول زيادة فلا يخل النطق بعدمه في اللفظين الآخرين، فإذا قال لعبده أنت حر أو معتق، أو عتيق، أو محرر، أو قد حررتك أو أعتقتك، فقد عتق نوى به العتق أو لم ينو.
وحديث عمر سلف أول الكتاب، وحديث أبي هريرة، كأن (خ) يريد به وبالأول مخالفة أبي حنيفة في إيقاعه والعتق على السكران والمكره متعلقًا بما ذكره ابن حزم من قوله عليه السلام (( ثلاث جدهن جد وهزلهن جد ) )، فذكر العتاق، ثم قال خبر مكذوب.
قال ولو صح لم يكن لهم فيه حجة؛ لأن الحديث في الذي هزل فأعتق وهم يقولون فيمن أكره، وأين الإكراه من الهزل وهم لا يجيزون بيع المكره ولا إقراره ولا هبته، وهذا تناقض.
بوب (خ) على الخطأ والنسيان، ولم يأت في الباب بحديث صريح لذلك، ولو ذكر حديث ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (( وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه ) )كان جيدًا، فإنه حديث جيد أخرجه (ق) وصححه ابن حبان والحاكم. وقال صحيح على شرط الشيخين، وصححه ابن حزم أيضًا.
ويشد ذلك حديث (م) من طريق أبي هريرة لما نزل {وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله} [البقرة284] ، اشتد ذلك على الصحابة فشكوا إلى الله فقال (( قولوا سمعنا وأطعنا ) )، فنزل {ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا} [البقرة286] قال (( نعم ) ). {ربنا ولا تحمل علينا إصرا} . قال (( نعم ) ). إلى آخر السورة.
فحديث النفس والوسواس لا يدخل تحت طوق العبد، وإنما غاية قدرته أن يعرض عنه، ولو حدث نفسه بمعصية لم يؤاخذ، وإذا عزم خرج عن حديث النفس ويصير من أعمال القلب، فإن عقد النية ص 2293 على الفعل فحينئذ يأثم بنية الشر، وبيان الفرق بين النية والعزم أنه لو حدث نفسه في الصلاة بقطعها لم تنقطع، فإذا عزم حكمنا بقطعها، وقد سئل (( الهروي ) )أيؤاخذ الإنسان بالهمة؟ قال إذا عزم. وقال الملكان يجدان ريح الحسنات والسيئات إذا عقد القلب.
قوله (( ما وسوست به صدورها ) )وفي رواية (( ما حدثت به أنفسها ) ). الرواية بالنصب على أنه مفعول حدثت، وأهل اللغة يرفعون على أنه فاعل، قاله القرطبي.
وقال عياض الهم ما يمر في الفكر من غير استقرار ولا توطن، فإن استمر ووطن قلبه عليه كان عزمًا يؤاخذ به أو يثاب عليه.
قال القرطبي وما ذهب إليه هو الذي عليه عامة السلف وأهل العلم والفقهاء والمحدثين والمتكلمين، ولا يلتفت إلى من خالفهم في ذلك، فزعم أن ما هم به الإنسان وإن وطن به لا يؤاخذ به، متمسكًا في ذلك بقوله تعالى {ولقد همت به} [يوسف24] وبقوله عليه السلام (( ما لم تعمل أو تكلم ) )ومن لم يعمل بما عزم عليه ولا نطق به فلا.
وأما الآية فمن الهم ما يؤاخذ به وهو ما استقر واستوطن، ومنها ما يكون أحاديث فلا يؤاخذ بها، كما شهد به الحديث، يوضح ذلك حديث أبي كبشة عمرو بن سعد سمع رسول الله فذكر حديثًا فيه (( قالت الملائكة ذاك عبدك يريد أن يعمل سيئة وهو أبصر به ) ).
وزعم الطبري أن فيه دلالة أن الحفظة يكتبون أعمال القلوب، خلافًا لمن نفاه، ولا تكتب إلا الأعمال الظاهرة.
قوله (( ولا نية للناسي ولا المخطئ ) )كذا في الأصول، وذكره ابن التين [أ] ولًا بلفظ (( الخاطئ ) )، ثم قال وفي رواية غير أبي الحسن (( المخطئ ) )وهو أشبه بالتبويب؛ لأن الخاطئ المذنب المعتمد للذنب، وأخطأ إذا لم يعمد وهو الأشبه بالناسي الذي قرنه في التبويب، وقد قيل إن قوله تعالى {إن نسينا أو أخطأنا} [البقرة286] أي خطئنا، أي أذنبنا. وقيل معناه دخلنا في الخطيئة، مثل أصبح وأظلم إذا دخل في ذلك.
قال الداودي إنما الخطأ في الطلاق والعتاق، يريد إن تلفظ بشيء فيخطئ لسانه فيلفظ بالطلاق أو العتاق، مثل أن يريد إن تلفظ بشيء لسانه فيتلفظ بالطلاق أو العتاق، فإذا كان هذا ولم تكن عليه نية حين قال كذلك فلا يعد نادمًا فلا شيء عليه، وإن كانت عليه نية تقبل منه دعوى الخطأ.
قال وأما النسيان فلا يكون في الطلاق ولا العتاق إلا أن يريد أنه حلف بهما على فعل شيء ثم نسي يمينه وفعله، فهذا إنما يوضح فيه النسيان إذا لم يذكر يمينه، كما توضع الصلاة عمن نسيها إذا لم يذكرها حتى يموت، وكذلك ديون الناس وغيرها لا يأثم بتركها ناسيًا.
قال ابن التين وهذا من الداودي على مذهب مالك، ولعل (خ) بنى على مذهب الشافعي أن الساهي لا يحنث وهو الأظهر من تبويبه كما سلف؛ لأن الساهي لا نية له فلا يلزمه عتق بفعل شهوده.
انتهى كلام ابن الملقن رحمه الله تعالى.
أقول قوله وسوست به صدورها فقال الوسوسة ليست من الصدور بل في الصدور بدليل قوله تعالى {الذي يوسوس في صدور الناس} فإن قلت رواية النصب والرفع كلاهما غير ظاهر معناه، أما النصب فمن المحدث والموسوس وأما الرفع فمن الموسوس والمحدث قلت في النصب ص 2294 كأنه جرد من نفسه محدثًا بحدث نفسه [2] وفي الدفع كذلك بمجرد منها محدثًا وإلا يلزم اتحاد الفاعل والمفعول في الحالتين في الرفع والنصب فتأمله ولم أر أحدًا يعرض لهذا الإشكال.
[1] في هامش المخطوط (( أقول فإن قلت ما سبب شغف الشارع بالعتق قلت لأن الأصل الجزية وأن يكون الخلق عبيد الله لا لغيره فلما عرض لهم الرق ورق بعضهم بعضًا فحصل للشارع الشغف أن يعود الأمر إلى ما كانوا عليه من الجزية ) ).
[2] في هامش المخطوط (( ويؤيد قوله أن أحدنا يحدث نفسه أو يكون المراد بالوسوسة والتحديث الإلقاء في البال أو أن الشيطان هو الموسوس والمحدث أنفس بني آدم ) ).