فهرس الكتاب

الصفحة 43 من 3844

26 -باب الجهاد من الإيمان

فيه حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال (( انتدب الله ) )الحديث، أخرج (خ) في الجهاد عن أبي هريرة مرفوعًا (( مثل المجاهد ) ).. الحديث.

وأخرجه (م) في الجهاد وفي لفظ (م) بضمير الله، وفي بعضها يكفل الله، ترجم (خ) لهذا الحديث بأن الأعمال من الإيمان لأنه لما كان الإيمان هو المخرج له في سبيله كان الخروج إيمانًا تسمية للشيء باسم سببه كما قيل للمطر سماء لنزوله منها وللنبات نوء لأنها ينشأ عنه.

أبو زرعة اختلف في اسمه على أقوال أشهرها هرم، وقيل عبد الله، وقيل عبد الرحمن، وقيل عمرو بن جرير بن عبد الله البجلي، سمع خلقًا من الصحابة منهم جده، وعنه جمع من التابعين ثقة بالاتفاق.

وعمارة بضم العين ابن القعقاع بقافين بن شبرمة ابن أخي عبد الله بن شبرمة الكوفي الضبي ثقة عند الأعمش وغيره، وروى عن جماعة.

وعبد الواحد هو أبو بسر، ويقال أبو عبيدة، عبد الواحد بن زياد العبدي مولاهم البصري؛ سمع جماعات من التابعين وغيرهم، وعنه أبو داود الطيالسي وغيره ص 197 وثقوه، مات سنة سبع، وقيل ست وسبعين ومائة.

وحرمي هو أبو علي، حرمي بفتح الحاء والراء بن حفص ابن عمر العتكي، القسملي، البصري.

روى عن حماد بن سلمة وغيره، وعنه المقدسي وغيره، وانفرد به (خ) عن (م) ، وروى (د، ن) عن رجل عنه، مات سنة ثلاث وقيل ست وعشرين ومائتين.

والقسملي بفتح القاف والميم وسكون السين بينهما نسبة إلى القساملة قبيلة من الأزد نزلت البصرة فنسبت المحلة إليهم أيضًا، وهذا منسوب إلى القبيلة كذا قال السمعاني إنها نسبة إلى القساملة.

واعترض ابن الأثير في (( مختصره ) )فقال ليس كذلك؛ فإنها القبيلة وإنما النسبة إلى الجد وهو قسملة واسمه معاوية، ووقع في القطعة التي على هذا الكتاب للنووي القسملي بكسر القاف والميم وكأنه سبق قلم، وصوابه فتحهما.

أقول قال ياقوت قسمل بالفتح ثم السكون موضع.

قوله (( انتدب الله ) )ضمن وتكفل كما جاء في رواية أخرى وقيل أجاب رغبته يقال ندبه لأمر فانتدب. أي دعاه فأجاب.

وقال ابن بطال أوجب وتفضل أي حقق وأحكم أن ينجز ذلك لمن أخلص، وقيل معناه سارع بثوابه وحسن جزائه.

وما ذكرنا أن انتدب بالنون هو المشهور، وحكاه القاضي عن رواية أبي ذر، وحكي عن القابسي (( ائتدب ) )بهمزة صورتها ياء من المأدبة؛ يقال أدب القوم مخففًا إذا دعاهم ومنه (( القرآن مأدبة الله في الأرض ) )ومعناه أجاب الله من دعاه إلى غفرانه وكل ذلك عبارة عن تحقيق هذا الموعود من الله تعالى على وجه التفضل والامتنان.

وهذا الضمان لعله المشار إليه في قوله تعالى {إن الله اشترى من المؤمنين} [التوبة111] الآية، قال بعض الصحابة ما أبالي قتلت في سبيل الله أو قتلت، ثم تلى هذه الآية.

قوله (( لا يخرجه إلا إيمان بي أو تصديق ) )هو بالرفع فيهما؛ لأنه فاعل يخرجه والاستثناء مفرغ، وهو في مسلم بالنصب ووجهه على أنه مفعول له، التقدير لا يخرجه المخرج ويحركه المحرك إلا الإيمان والتصديق، ومعناه لا يخرجه إلا محض الإيمان والإخلاص لله تعالى.

قوله (( إيمان بي ) )أي إيمان بوعدي لمجازاتي له بالجنة على جهاده وتصديق رسوله في ذلك.

وعدوله عن ضمير الغيبة في قوله إيمان به وتصديق برسوله إلى الحضور يحتاج إلى تقدير كما في قوله تعالى {فأما الذين اسودت وجوههم} [آل عمران16] أي يقال لهم أكفرتم؟.

و (( أرجعه ) )بفتح الهمزة أي أرده ثلاثي، وهذيل تقول أرجع رباعيًا، والنيل العطاء.

و (( أو ) )في قوله (( أو غنيمة ) )للتقسيم بالنسبة إلى الغنيمة وعدمها، فيكون المعنى أنه يرجع مع نيل الأجر إن لم يقسموا ومعه إن غنموا، ويحتمل أن يكون هنا بمعنى الواو أي مع أجر وغنيمة، وكذا وقع بالواو في (م) في رواية يحيى بن يحيى، و (( سنن أبي داود ) ).

وقد قيل في قوله تعالى {من بعد وصية يوصي بها أو دين} [النساء11] نحو هذا.

قوله (( أو أدخله ) )يحتمل دخولها أو موته كما قال في الشهداء أنهم أحياء عند ربهم يرزقون، وقال عليه السلام (( أرواح الشهداء في الجنة ) ).

ويحتمل أن يكون المراد دخوله عند دخول السابقين والمقربين دون حساب ولا عقاب، وأن الشهادة كفارة لذنوبه، كما ثبت في الحديث الصحيح (( القتل في سبيل الله يكفر كل شيء إلا ص 198 الدين ) ).

قوله (( لولا أن أشق على أمتي ما تخلفت خلف سرية ) )سبب المشقة صعوبة تخلفهم بعده، ولا يقدرون على المسير معه لضيق حالهم ولا قدرة له على حملهم كما جاء مبينًا في حديث آخر.

فيه فضل الجهاد وفضل القتل في سبيل الله تعالى.

وفيه الحث على حسن النية.

وفيه بيان شفقته عليه السلام على أمته.

وفيه استحباب طلب القتل في سبيل الله.

وفيه جواز قول الإنسان وددت كذا من الخير الذي يعلم أنه لا يحصل، وهو أحد التأويلات في قوله (( نية المؤمن خير من عمله ) ).

وفيه البداءة بأهم المصلحتين عند التعارض وترك بعض المصالح أرجح منها أو لخوف مفسدة تزيد عليها.

وفيه تمني الشهادة وتعظيم أجرها.

وفيه عدم نقصان الأجر بالغنيمة؛ فإنها بفضل الله، والأجر على القتال، وأهل بدر أفضل المجاهدين ولم ينقصهم أخذهم الغنيمة.

فإن قلت فما نعمل في الحديث الآخر الثابت في الصحيح (( ما من غازية أو سرية تغزو وتغنم وتسلم إلا كانوا قد تعجلوا ثلثي أجرهم، وما من غازية أو سرية تخفق أو تصاب إلا تم أجورهم ) )والإخفاق أن تغزو فلا تغنم شيئًا.

والإخفاق بالمعجمة والفاء والقاف هو أن تغزو فلا تغنم شيئًا, وكذلك كل طالب حاجة إذا لم يقض له وأصله من الخفق التحرك أي صادفت الغنيمة حافته غير ثابتة مستقرة قاله ابن الأثير.

عاد كلام ابن الملقن. قلت عنه أجوبة

أحدها الطعن في هذا فإن في إسناده حميد بن هانئ وليس بالمشهور لكن أخرج له (م) في (( صحيحه ) )وكذا (ت، ن، ق) ، وقال يحيى بن سعيد حدث عنه الأئمة وأحاديثه كثيرة مستقيمة.

ثانيها إن التي تخفق تزداد من الأجر بالأسف على ما فاتها من المغنم وتضاعف لها كما تضاعف لمن أصيب بأهله وماله.

ثالثها حمل الأول على من أخلص في السنة لقوله (( لا يخرجه إلا إيمان ) )، وحمل الثاني على من خرج نيته الجهاد والمغنم.

قال القاضي والأوجه استعمال كل حديث على وجهه، فأجر من لم يغنم أعظم من أجر من غنم.

النووي الصواب أنه لا تعارض بينهما فإن الذي لا يجوز غيره في معنى الحديث أن الغزاة إذا سلموا وغنموا يكون أجرهم أقل من أجر من لم يسلم أو سلم ولم يغنم.

وإن الغنيمة في مقابلة جزء من أجر غزوهم فإذا حصلت فقد تعجلوا ثلثي أجرهم، وهذا موافق للأحاديث الصحيحة عن الصحابة، منها قولهم فمنا من مات لم يأكل من أجره شيئًا، ومنا من أينعت له ثمرته فهو يهدبها؛ أي يجتنيها فهذا هو الصواب.

ولم يأت حديث صريح يخالف هذا، والحديث الأول لم يقل فيه إن الغنيمة تنقص الأجر فهو مطلق، والثاني مقيد.

وأما الاستدلال بغزوة بدر فليس فيه أنهم لو لم يغنموا لكان أجرهم على قدر أجرهم مع الغنيمة، وكونهم مغفورًا لهم مرضيًا عليهم لا يلزم منه أن لا يكون فوقه مرتبة أخرى وهي أفضل.

قال والدي رحمه الله تعالى

(( باب الجهاد من الإيمان ) )الجهاد مرفوع لا غير وهو القتال مع الكفار لإعلاء كلمة الله تعالى. قوله (( إيمان بي ) )السياق يقتضي أن يقال به فعدل عن الغيبة إلى الخطاب التفاتًا أو ذكرًا على سبيل الحكاية من قول الله تعالى.

قال ابن مالك في (( الشواهد ) )اللائق في الظاهر أن يكون بدل الياء الهاء فلابد من التأويل وهو تقدير اسم فاعل من القول منصوب على الحال كأنه قال ص 199 انتدب الله لمن خرج في سبيله قائلًا (( لا يخرجه إلا إيمان بي ) )ويجوز أن تكون الهاء في سبيله عائدًا إلى من، ولسبيله نعت محذوف أي سبيله المرضية ثم أضمر بعد سبيله، قال ونحوه ولا موضع له من الإعراب.

قوله (( أو تصديق ) )وفي بعض النسخ بالواو الواصلة وهو ظاهر.

فإن قلت إذا كان بأو الفاصلة فما معناه إذ لابد من الأمرين الإيمان بالله والتصديق برسل الله. قلت أو معناها ههنا امتناع الخلو منهما مع إمكان الجمع بينهما أي لا يخلو عن أحدهما، وقد يجتمعان بل يلزم الاجتماع؛ لأن الإيمان بالله مستلزم لتصديق رسله إذ من جملة الإيمان بالله الإيمان بأحكامه وأفعاله، وكذا التصديق بالرسل مستلزم الإيمان بالله وهو ظاهر والمستثنى منه أعم عام الفاعل أي لا يخرجه مخرج [إلا] الإيمان أو تصديق، وفي بعض الروايات (( إيمانًا وتصديقًا ) )بالنصب فيهما، وفي جميع نسخ (م) (( إيمانًا بي وتصديقًا برسلي ) ).

قوله (( أرجعه ) )أي إلى مسكنه رجع جاء لازمًا من الرجوع ومتعديًا من الرجع. و (( نال ) )أي أصاب وجاء على لفظ الماضي لتحقق وعد الله تعالى.

قوله (( أو أدخله ) )منصوب عطف على أرجعه. فإن قلت جميع المؤمنين يدخلهم الله الجنة فما وجه اختصاصهم بذلك. قلت قال القاضي البيضاوي يحتمل أن يدخله عند موته كما قال تعالى {أحياء عند ربهم} .

ويحتمل أن يكون المراد الدخول عند دخول السابقين والمقربين بلا حساب ولا عذاب وتكون الشهادة مكفرة لها. وأول للمجاهد حالتان الشهادة والسلامة فالجنة للحالة الأولى والأجر والغنيمة للثانية.

فإن قلت لفظة أو في قوله (( أو غنيمة ) )يدل على أن للسالم إما الأجر وإما الغنيمة لا كلاهما. قلت معناها ما تقدم آنفًا وهو أن اللفظ لا ينفي اجتماعهما بل يثبت أحدهما مع جواز ثبوت الآخر فقد يجتمعان.

فإن قلت ههنا حالة ثالثة للسالم وهو الأجر بدون الغنيمة. قلت هذه الحالة داخلة تحت الحالة الثانية إذ هي أعم من الأجر فقط أو منه مع الغنيمة.

فإن قلت الأجر ثابت للشهيد الداخل في الجنة فكيف يكون السالم والشهيد مفترقان في أن لأحدهما الأجر وللآخر الجنة مع أن الجنة أيضًا أجر. قلت هذا أجر خاص والجنة أجر أعلى منه فهما متغايران أو أن القسمين هما الرجع والإدخال لا الأجر والجنة.

قوله (( لولا ) )هي الامتناعية لا التحضيضية أي امتناع عدم القعود أي القيام لوجود المشقة على الأمة. و (( أشق ) )أي أجعل شاقًا. و (( خلف ) )أي بعد و (( السرية ) )بتخفيف الراء وتشديد الياء قطعة من الجيش؛ أي ما تخلفت عنها بل خرجت في جميعها بنفسي لعظم الأجر فيه وارتفاع الدرجات ونيل السعادات بسببه.

(( ولوددت ) )اللام هو في جواب لولا ويجوز حذفها كما حذف من ما قعدت.

فإن قلت لا مشقة على الأمة في ودادة الرسول؛ لأن غاية ما في الباب وجوب المتابعة في الودادة وليس فيها مشقة. قلت ودادته لا نسلم أنه ليس فيها مشقة ولئن سلمنا فربما ينجر إلى تشريع مودوده فيصير سببًا للمشقة أو نقول اللام فيه جواب لقسم محذوف أي والله لوددت.

(( وأقتل وأحيا ) )بضم الهمزة فيهما في الخمسة.

فإن قلت القرار إنما هو على حالة الحياة فلم جعل النهاية هي القتل. قلت المراد هو الشهادة فختم الحال عليها أو أن الإحياء للجزاء هو معلوم شرعًا فلا حاجة إلى ودادته؛ لأنه ضروري الوقوع وثم ههنا وإن دل على التراخي في الزمان ص 200 حمله على التراخي في الرتبة وهو الوجه؛ لأن المتمني حصول مرتبة بعد مرتبة إلى أن ينتهي إلى الفردوس الأعلى.

الزركشي

قوله (( إيمان بي ) )قال ابن مالك في (( التوضيح ) )كان الأليق إيمان به، ولكنه على تقدير حال محذوفة، أي قائلًا.

قال الشيخ شهاب الدين بن المرحل أساء في قوله (( كان الأليق ) )، وإنما هو من باب الالتفات ولا حاجة إلى تقدير حال؛ لأن حذف الحال لا يجوز.

قلت الأليق أن يقال عدل عن ضمير الغيبة إلى الحضور.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت