فهرس الكتاب

الصفحة 301 من 3844

48 -باب هل تنبش قبور مشركي الجاهلية، ويتخذ مكانها مساجد؟ لقول النبي صلى الله عليه وسلم لعن الله اليهود ... إلى آخره

أما ما ترجمه من نبش قبورهم، فحديث أنس مطابق له الذي ذكر بعد حيث أمر بقبور المشركين فنبشت وجعل مكانها المسجد.

وأما ما ترجمه ثانيًا من قوله (( ما يكره من الصلاة في القبور ) )فحديث عائشة عن أم سلمة وأم حبيبة، فمطابق له [1] .

وحديث (( لعن الله اليهود ) )يأتي مسندًا في الجنائز، وآخر المغازي قال بعض العلماء إن وجه المناسبة بين قوله هل تنبش قبور المشركين ويتخذ مكانها مسجدًا، وبين قوله (( لعن الله اليهود ) )، أن (خ) أراد بقوله (( هل تنبش؟ ) )الاستفهام.

ثم ذكر حديث أنس بعده، فكأنه قال وهل يتخذ مكانها مسجدًا؟ بقوله (( لعن الله اليهود ) )، فيكون لتعليل لقوله؟ (( ويتخذ مكانها مسجدًا ) ).

ثم قال (خ) ورأى عمر أنس بن مالك ... إلى آخره، هذا الأثر رواه وكيع بن الجراح في (( مصنفه ) )عن سفيان عن حميد، عن أنس. ولما لم يأمر أنسًا بالإعادة دل على الإجزاء، وإليه ذهب جمع فقالوا النهي محمول على الكراهة بدليل قوله عليه السلام (( جعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا ) ).

وقيل يحمل النهي على مقابر المشركين؛ لأنها حفرة من حفر النار، وقد صلى الشارع على قبر منبوذ.

ثم ذكر (خ) حديث عائشة وأنس. أما حديث عائشة فأسنده عن محمد بن المثنى بسنده عن عائشة، أن أم حبيبة وأم سلمة ذكرتا ... إلى آخره.

هذا الحديث أخرجه أيضًا في هجرة الحبشة، وفي الصلاة في البيعة، وأخرجه (م) في الصلاة. واسم أم حبيبة رملة، وأم سلمة هند على المشهور فيهما، وقيل اسم أم سلمة رملة أيضًا.

و (( الكنيسة ) )متعبد النصارى، واسم الكنيسة مارية. و (( المارية ) )بتخفيف الياء البقرة، وبتشديدها الكساء.

فيه دلالة على تحريم تصوير الحيوان خصوصًا الآدمي الصالح، ومن حمل النهي على النهي المحرم عالم، أو مر على التنزيه فهو غالط.

والمسجد _ بفتح الجيم وكسرها _ الموضع الذي يسجد فيه وقيل بالفتح موضع السجود وبالكسر المكان وقيل بالفتح مطلقًا، وفيه منع بناء المساجد على القبور ومقتضاه التحريم، كيف وقد ثبت اللعن عليه.

وقوله (( اللهم لا تجعل قبري وثنًا يعبد ) )وقد استجاب الله دعاءه، وأما الشافعي والأصحاب فصرحوا بالكراهة، قال البندنيجي والمراد أن يسوى القبر مسجدًا فيصلى فوقه.

وقال إنه يكره أن يبنى عنده مسجد فيصلي فيه إلى القبر؛ لقوله عليه السلام (( لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها ) )أخرجه (م) .

قال ابن القاسم وكره مالك المساجد المتخذة على القبور، وأما مقبرة دائرة يبنى فيها مسجد يصلى فيه فلم أر به بأسًا؛ لأن المقابر وقف، وكذا المسجد فمعناهما واحد.

قوله (( وصوروا فيه تيك الصور ) )هو بالياء في تيك اسم إشارة إلى المؤنث مثل ذا للمذكر. قوله (( شرار الخلق ) )هو جمع شر مثل بحر وبحار، وأما أشرار فقال يونس واحدها شر أيضًا مثل زند وأزناد. ص 763

وأما حديث أنس قال قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة فنزل أعلى المدينة .. الحديث.

هذا الحديث أخرجه (خ) أيضًا في باب الهجرة والوصايا في موضعين منه والحج والبيوع في باب صاحب السلعة أحق بها. وأخرجه (م) في الصلاة.

قوله (( قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة ) )اختلف في وقت قدومه المدينة، فذكر ابن إسحاق وغيره أنه خرج من مكة لإهلال ربيع الأول، وقدم المدينة لثنتي عشرة ليلة مضت منه.

وقال عبد الرحمن بن المغيرة قدمها يوم الاثنين لثمان خلون منه. وقال ابن الكلبي خرج من الغار ليلة الاثنين أول يوم من ربيع الأول، وقدم المدينة يوم الجمعة لثني عشرة مضت منه، وقيل قدمها لليلتين خلتا من ربيع الأول حكاه ابن الجوزي.

وقال الحاكم في (( الإكليل ) )تواترت الأخبار بوروده عليه السلام قباء يوم الاثنين لثمان خلون من ربيع الأول، وفي (( طبقات ابن سعد ) )أنه عليه السلام خرج من الغار ليلة الاثنين لأربع ليال خلون من ربيع الأول، فقال يوم الثلاثاء بعد قدومه على بني عمرو بن عوف لليلتين خلتا من ربيع الأول ويقال لاثني عشرة ليلة خلت منه فنزل على كلثوم بن الهدم وهو الثبت عندنا.

وكان مشركًا يومئذ ولكنه كان يتحدث مع أصحابه في منزل سعد بن خيثمة. قال وأقام ببني عمرو بن عوف يوم الاثنين والثلاثاء، والأربعاء، والخميس، وخرج يوم الجمعة فجمع ببني سالم، ومعه مائة، وهو على القصواء، لا يمر بدار من دور الأنصار إلا قالوا هلم يا نبي الله إلى القوة والمنعة والثروة، فيقول لهم خيرًا، ويدعو لهم.

ويقول (( إنها مأمورة فخلوا سبيلها ) )فلما بركت عند مسجده جعل الناس يكلمونه في النزول عليهم. وجاء أبو أيوب فحط رحله، فأدخله منزله، قال عليه السلام (( المرء مع رحله ) ).

وجاءه أسعد بن زرارة، فأخذ بزمام راحلته وكانت عنده وهذا أثبت، وأقام بمنزل أبي أيوب سبعة، وكان موضع المسجد إذ ذاك يصلي فيه رجال من المسلمين، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم باليتيمين فساومهما بالمربد، ليتخذه مسجدًا، فقالا بل نهبه لك يا رسول الله، فأبى حتى ابتاعه منهما بعشرة دنانير، وأمر أبا بكر أن يعطيهما ذلك.

وفي (( المغازي ) )لأبي معشر فاشتراه أبو أيوب منهما، وأعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم فبناه مسجدًا، قال محمد بن موسى الخوارزمي وكان يوم قدم المدينة يوم الخميس لأربع من تيرماه وفي شهور الروم العاشر من أيلول قال ومن حين مولده إلى الإسراء أحد وخمسون سنة وتسعة أشهر وثمانية وعشرون يومًا ومنه إلى اليوم الذي هاجر سنة وشهران ويوم فذاك ثلاثة وخمسون سنة.

قوله (( فنزل أعلى المدينة، في حي ... إلى آخره ) )علو المدينة ما كان من جهة نجد. و (( بنو عمرو ) )هم بنو عمرو بن عوف بن مالك بن أوس أخي الخزرج ابني حارثة، وهم أهل قباء، فنزل على كلثوم بن الهدم بن امرئ القيس بن الحارث وكان شيخًا كبيرًا، أسلم قبل وصوله عليه السلام المدينة. وقيل بل نزل على سعد بن خيثمة الأوسي، والصحيح أنه نزل على كلثوم.

قوله (( فأقام فيهم أربع عشرة ليلة ) )كذا في الصحيحين، وقد سلف من كلام ابن سعد أنه أقام أربعًا معينة، وأنه جمع في بني سالم يوم الجمعة، وهي أول جمعة جمعت في الإسلام، وخطب بهم.

قوله (( ثم أرسل إلى بني النجار ) )النجار تيم اللات، وقيل له النجار؛ لأنه اختتن ص 764 بقدوم، أو ضرب رجلًا بقدوم، أو بخروجه رجل بقدوم، وهو ابن ثعلبة بن عمرو بن الخزرج.

و (( بنو النجار ) )قبيلة كبيرة من الخزرج، وإنما طلبهم؛ لأنهم كانوا أخواله؛ لأن هاشمًا جده تزوج سلمى بنت عمرو بن زيد من بني عدي بن النجار بالمدينة، فولدت له عبد المطلب جد رسول الله صلى الله عليه وسلم.

قوله (( وأبو بكر ردفه ) )هو بكسر الراء، وكان لأبي بكر ناقة فلعله تركها في بني عمرو، وعندي أنه يجوز أن يكون ردها إلى مكة ليحمل عليها أهله، ويجوز أن تكون موجودة، وتركها لشرف الإرداف.

قوله (( حتى ألقى بفناء أبي أيوب ) )الفناء _ بكسر الفاء _ المتسع أمام الدار، وروى ابن عساكر في ترجمة تبع ابن حسان الحميري لما قدم مكة وكسا الكعبة، وخرج إلى يثرب، وكان في مائة ألف وثلاثين ألفًا، ولما نزلها اجتمع أربعمائة رجل من أجلاء العلماء، وتبايعوا أن لا يخرجون منها، فسألهم عن الحكمة في مقامهم؛ فقالوا إن شرف البيت، وشرف هذه القبلة بهذا الرجل الذي يخرج يقال له محمد فأراد تبع أن يقيم، وأمر ببناء أربعمائة دار لكل رجل من الحكماء دار، واشترى لكل منهم جارية وأعتقها وزوجها منه، وأعطاهم عطاء جزيلًا، وأمرهم بالإقامة إلى وقت خروجه، وكتب كتابًا، وختمه بالذهب، ودفع الكتاب إلى عالم عظيم كان معه يدبره، وأمره أن يدفع الكتاب لمحمد إن أدركه وإلا من أدركه من ولده وولد ولده إلى حين خروجه، وكان في الكتاب أنه آمن به وعلى دينه، وفي رواية أنهم كانوا الأوس والخزرج.

وذكر ابن إسحاق القصة وأنه بنى للنبي صلى الله عليه وسلم دارًا ينزلها إذا قدم المدينة فتداول الدار الملاك إلى أن صارت لأبي أيوب، وهو من ولد ذلك العالم الذي دفع إليه الكتاب، ولما خرج النبي صلى الله عليه وسلم أرسلوا إليه كتاب تبع مع رجل يسمى أبا ليلى، فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (( أنت أبو ليلى؟ ) ).

ومعه كتاب تبع الأول فبقي أبو ليلى متفكرًا، ولم يعرف رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال من أنت؟ فإني لم أر في وجهك أثر السحر، وتوهم أنه ساحر، فقال (( أنا محمد ) )هات الكتاب، فلما قرأه قال (( مرحبًا بتبع الأخ الصالح ) )ثلاث مرات، وفي (( معجم الطبراني ) )مرفوعًا (( لا تسبوا تبعًا ) ).

قوله (( ويصلي في مرابض الغنم ) )فيه إباحة ذلك، وقد عقد (خ) بابًا سيأتي قريبًا، قوله (( ثامنوني بحائطكم ) )أي قدروا ثمنه لأشتريه منكم، وبايعوني فيه. وفيه أن رب السلعة أولى بالسوم، و (( الحائط ) )البستان المحوط، يؤيده قوله (( وفيه نخل ) )وفي رواية (( أنه كان مربدًا للتمر ) )، وهو الموضع الذي يجعل فيه التمر وجاء في رواية أن بعضه كان كذا، وبعضه كان كذا، فلا اختلاف إذًا.

قوله (( لا نطلب ثمنه إلا إلى الله ) )وفي رواية الإسماعيلي وهذا نص على أنهم لم يأخذوا له ثمنًا، وإنما وهبوه له عليه السلام، وقد سلف أنه اشتراه منهما بعشرة دنانير.

فإن صح فلم يقبله إلا بالثمن؛ لأنه كان ليتيمين وهما سهل وسهيل ابنا رافع بن عمرو بن أبي عمرو من بني النجار، كانا في حجر أسعد بن زرارة، وقيل معاذ بن عفراء، وقال معاذ يا رسول الله، أنا أرضيهما فاتخذه مسجدًا.

قوله (( وفيه خرب ) )الرواية المعروفة ص 765 فتح الخاء المعجمة وكسر الراء جمع خربة، قال الخطابي حدثناه الخيام _ بكسر الخاء وفتح الراء _ وهو جمع الخراب وهو ما خرب من البناء في لغة بني تميم، وهما لغتان.

قال ولعل صوابه ضم الخاء جمع الخرابة، وهي الخروق في الأرض، إلا أنهم يقولونها في كل بقعة مستديرة في أرض أو جدار، قال ولعل الرواية (خرف جمع الخرفة، وهي جمع الخرف) .

قال وأبين ذلك إن ساعدته الرواية أن يكون جدبًا جمع جدبة، وهي الذي يليق بقوله (( فسويت ) )، وإنما يسوى المكان المحدودب، أو موضع من الأرض فيه خروق، فأما الخرب فإنه يعمر ولا يسوى.

قال القاضي وهذا التكلف لا حاجة إليه؛ فإن الذي ثبت في الرواية صحيح المعنى، فإنه أمر بقطع النخل لتسوية الأرض أمر بالخرب فرفعت رسومها وسويت مواضعها لتصير جميع الأرض مبسوطة مستوية للمصلين، وكذلك فعل بالقبور.

قال ابن الأثير وروي بالحاء المهملة والمثلثة يريد به الموضع المحروث للزارعة.

قوله (( فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بقبور المشركين فنبشت ) )إنما نبشت؛ لأنه لا حرمة لها، لا يقال كيف جاز ذلك؛ لأن القبر مختص بمن دفن فيه، قد حازه فلا يباع ولا ينقل عنه؛ لأنه يجوز أن تكون مقسومة، وكذلك باعها ملاكها أن يكون من حبسهم وليس بلازم، إنما اللازم حبس المسلمين إذ هم أهل القرب أو دعت الضرورة، والحالة هذه إلى نبش فجاز.

قال ابن بطال ونبش قبورهم ليتخذ مكانها مسجدًا، لم أجد فيه نصًا لأحد من العلماء غير أني وجدت اختلافهم في نبش قبورهم طلبًا للمال، وأجاز ذلك الشافعي والكوفيون وأشهب وأكثر الفقهاء.

وقال الأوزاعي لا يفعل؛ لأنه عليه السلام بالحجر قال (( لا تدخلوا بيوت الذين ظلموا .. الحديث ) ).

فنهى أن ندخل عليهم بيوتهم فكيف قبورهم، واحتج من أجاز بحديث أنس في الباب، وحديث (د) في نبش قبر أبي رغال، أنه دفن معه غصن من ذهب فاستخرجوه، فإذا جاز نبشها للمال فللانتفاع بمواضعها أولى.

واتخاذه عليه السلام مسجده في تلك البقعة فيه دليل على أن القبور إذا لم يبق فيها بقية من الميت أو من ترابه المختلط بصديده جازت الصلاة فيها، وأن الأرض التي دفن فيها الموتى إذا اندرست يجوز بيعها؛ لأنها باقية على ملك صاحبها وورثته من بعده، وجواز نبش القبور الدارسة.

قوله (( وبالنخل فقطع ) )فيه جواز قطع الأشجار المثمرة للحاجة والمصلحة إما لاشتعال خشبها، أو ليغرس موضعها غيرها، أو لخوف سقوطها على صاحبه، أو لاتخاذ موضعها مسجدًا، وكذا قطعها في بلاد إذا لم يرج فتحها؛ لأن فيه نكاية وغيظًا لهم وإرغامًا.

قوله (( فصفوا النخل قبلة المسجد ) )كذا في (( الصحيح ) )، وفي (( مغازي ابن بكير ) )عن ابن إسحاق جعلت قبلة المسجد من اللبن، ويقال بل من حجارة منضودة بعضها على بعض.

وورد أيضًا إن كان في موضع المسجد الغرقد، فأمر أن يقطع، وأن القبور السالفة كانت في المربد، وأنها كانت من قبور جاهلية، وأنها [لما] نبشت أمر بالعظام أن تغيب وكان في المربد ماء مستنجل فسيروه حتى ذهب، وجعلوا طوله مما يلي القبلة إلى مؤخره مائة ذراع، وفي هذين الجانبين مثل ذلك فهو مربع، وجعلوا الأساس قريبًا من ثلاثة أذرع على الأرض بالحجارة ثم بنوه باللبن، وجعل النبي صلى الله عليه وسلم ينقل معهم الحجارة ويقول

~هذا الحمال لا حمال خيبر هذا أبر ربنا وأطهر

وجعل قبلته؛ أي القدس وجعل له ثلاثة أبواب، ص 766 وجعل طول الجدار قامة وبسطة، وعمده الجذوع، وسقفه جريدًا، فقيل له ألا تسقفه فقال (( عريش كعريش موسى ) )، خشيبات دمام الأمر أعجل من ذلك، ثم بناه غير واحد بعده.

قوله (( عضادته الحجارة ) )بكسر العين المهملة جانب الباب، قوله (( وجعلوا ينقلون من الصخر ) )قال السهيلي وفي (( جامع معمر بن راشد ) )أن عمار بن ياسر كان ينقل في بنيان المسجد لبنتين لبنتين، لبنة عنه ولبنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال عليه السلام (( للناس أجر ولك أجران، وآخر زادك من الدنيا شربة لبن، وتقتلك الفئة الباغية ) ).

قوله (( وهم يرتجزون ) )، والنبي صلى الله عليه وسلم معهم وهو يقول

~ اللهم لا خير إلا خير الآخرة

البيت.

كذا في (( الصحيح ) )، وعند الحاكم وكان المهاجرون والأنصار ينقلون اللبن أو التراب لبناء المسجد وهم يقولون

~نحن الذين بايعوا محمدًا

البيت.

وفي لفظ والنبي ينقل التراب معنا، وهو يقول

~اللهم لولا أنت ما اهتدينا

البيتين [2] .

في الصحيحين مثل هذا في حفر الخندق، ومعنى (( يرتجزون ) )يتعاطون الرجز، واختلف أهل العروض في الرجز هل هو شعر أم لا؟ مع اتفاقهم على أن الشعر لا يكون شعرًا إلا بالقصد فإن جرى كلام موزون بغير قصد فلا يكون شعرًا، وعليه يحمل ما جاء عن الشارع من ذلك؛ لأن الشعر حرام عليه بنص القرآن.

وصحح القرطبي أن الرجز من الشعر؛ لأن الشعر كلام موزون يلتزم فيه قوام والرجز كذلك، وأيضًا فإن قريشًا لما أجمعوا وتراءوا فيما يقولون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال قائل هو شاعر. فقالوا والله لتكذبنكم العرب قد عرفنا الشعر كله معترضه [3] ومقبوضه ورجزه ومبسوطه، فذكروا الرجز من أنواع الشعر، قال وإنما خرجه من الشعر من أشكل عليه إنشاد الشاعر إياه، وليس بشيء؛ لأن من أنشد القليل من الشعر أو قاله أو تمثل به على وجه الندور لم يستحق اسم شاعر، ولا يقال فيه أنه يعلم الشعر، ولو كان ذلك كذلك أمكن أن يقال على الناس كلهم شعراء.

ويستدل بذلك على جواز إنشاد الشعر، والارتجاز في حال العمل، والاستعانة بذلك على الأعمال، وجزم غيره بأنه لا ينطلق عليه شعر إنما هو بالكلام المسجع، بدليل أنه يقال لصانعه راجز لا شاعر، وقيل إن ما قاله الشارع ليس برجز ولا ميم وزن.

واختلف هل يحل له الشعر، وعلى القول مع الحكاية عنه. اختلف هل يحكي بيتًا واحدًا؟ فقيل لا يتمه إلا متغيرًا، وأبعد من قال البيت الواحد ليس شعرًا.

ولما ذكر قول طرفة

~ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلًا

قال

~ويأتيك من لم تزود بالأخبار

فقال أبو بكر يا رسول الله، لم يقل هكذا، وإنما قال

~ويأتيك بالأخبار من لم تزود

فقال (( كلاهما سواء ) )فقال أشهد أنك لست بشاعر.

وزعم الخليل أن المشطور والمنهوك ليسا من الشعر، وقد روي عنه أنه كان يقول

~هل أنت إلا إصبع دميت وفي سبيل الله ما لقيت

فلو كان شعرًا لم يجر على لسانه، وكذا المنهوك، وهو قوله

~أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب

فإن يكن هذا قد صنع له فقد جرى على لسانه، وقد قيل معنى قوله تعالى {وما علمناه الشعر} أي صنعته، وهي الآية التي له، فإما أن يحفظ ما قال الناس فليس ص 767 بممتنع عليه.

قال والدي رحمه الله تعالى

قوله (( يتخذ مكانها مساجد ) )بنصب المكان ورفع المساجد، وهذا [4] مبني على أن الاتخاذ متعد إلى مفعول واحد والمكان ظرف.

فإن قلت ما وجهه لو عدى الاتخاذ إلى مفعولين ويكون المكان مفعولًا به لا مفعولًا فيه؛ لأن الواجب حينئذٍ أن يجعل مكانها قائمًا مقام الفاعل؛ لأنه المفعول الأول لكونه معرفة ولا يقع المفعول الثاني موقع الفاعل لأنه مسند فلا يصير مسندًا إليه.

قلت جاز في باب أعطيت جعل كل من المفعولين مفعول ما لم يسم فاعله والاتخاذ نقيض الإعطاء فلا يبعد أن يكون حكمه كحكمه.

قوله (( لقول النبي صلى الله عليه وسلم ) )فإن قلت ما وجه تعلقه بهذا الحديث. قلت حيث خصص اللعنة باتخاذ قبور الأنبياء مساجد علم جواز قبور غير الأنبياء ومن في حكمهم كالصالحين من أممهم.

قوله (( وما يكره ) )عطف على هل ينبش. فإن قلت هذه جملة خبرية وتلك طلبية فكيف جاز العطف بينهما.

قلت هو استفهام تقريري فهو أيضًا في حكم جملة خبرية ثبوتية مثلها، والترجمة مشتملة على مسألتين

الأولى اتخاذ المساجد في مكان القبور، والثانية اتخاذها بين القبور ففي الأولى لا يبقى لصورة القبر أثر، وفي الثانية بخلافها.

والحديث الثاني شاهد الأولى كما أن الأثر المنقول عن عمر شاهد للثانية.

قوله (( القبر ) )منصوب على التحذير يجب حذف عامله وهو اتق، وفي بعضها بهمزة الاستفهام الإنكاري؛ أي أنصلي عند القبر، وهو مفيد للكراهة وعدم الأمر بالإعادة يدل على الجواز.

قوله (( كنيسة ) )بفتح الكاف وهي متعبد النصارى، و (( رأياها ) )بلفظ التثنية، وفي بعضها بصيغة الجمع باعتبار أن أقل الجمع اثنان.

قوله (( فمات ) )عطف على كان و (( بنوا ) )جواب إذا (( وأولئك ) )بكسر الكاف و (( الشرار ) )جمع الشر كالخيار جمع الخير.

فإن قلت ما وجه تعلق هذا الحديث بالترجمة إذ لا يدل على المسألة الأولى بل إنه يدل على مذمة متخذ القبر مسجدًا وهو عكس ما هو المقصود منها ولا على الثانية إذ لا يعلم منه الكراهة بل الحرمة.

قلت المذمة قد تكون على التصوير لا على الاتخاذ، ولئن سلمنا فالمراد من الترجمة اتخاذ قبور غير الأنبياء ومن في حكمهم كالصالحين، والحاصل أن تعلقه بالأولى من حيث أنه موافق لمفهوم حديث (( لعن الله اليهود ) )وبالثانية من حيث أن بناء المسجد في القبور مشعر بالصلاة فيها.

فإن قلت فيلزم حرمة الصلاة فيها لقوله أولئك شرار الخلق والمدعي الكراهة.

قلت إن أريد بالكراهة كراهة التحريم فلا إشكال فيه، وإن أريد كراهة التنزيه فنخص المذمة بالتصوير.

فإن قلت التصوير معصية ولا يصير المؤمن بالمعاصي كافرًا وشرار الخلق هم الكفرة.

قلت هم أيضًا كفرة لأنهم كانوا يصورونه ويعبدونه كالأصنام.

قوله (( في حي ) )أي قبيلة و (( عمرو ) )بالواو و (( عوف ) )بفتح المهملة وسكون الواو وبالفاء و (( أربعًا وعشرين ) )وفي بعضها و (( النجار ) )بفتح النون وتشديد الجيم، أبو قبيلة من الأنصار.

قوله (( متقلدين ) )وفي بعضها والتقلد جعل اتخاذ السيف على الكتف و (( الراحلة ) )المركب من الإبل ذكرًا كان أو أنثى و (( الردف ) )بكسر الراء المرتدف، وهو الذي يركب خلف الراكب، و (( الملأ ) )بفتح الميم واللام، والبصر الجماعة والأشراف.

قوله (( ألقى ) )أي ألقى رحله و (( الفناء ) )بكسر الفاء وبالمد، وفناء الدار ما امتد من جوانبها و (( أبو أيوب ) )هو خالد الأنصاري تقدم في باب لا تستقبل ص 768 القبلة بغائط و (( المرابض ) )جمع المربض وهو مأوى الغنم وربوض الغنم مثل بروك الإبل و (( يصلي ) )بالرفع، وهو عطف على يجب لا على يصلي.

قوله (( أمر ) )بلفظ المعروف، وفي بعضها بالمجهول أي من عند الله و (( ثامنوني ) )أي تبيعونيه بالثمن ومعنى (( لا نطلب ثمنه إلا إلى الله ) )الصرف في سبيل الله، وإطلاق الثمن عليه على سبيل المشاكلة.

فإن قلت الطلب يستعمل بمن فالقياس أن يقال إلا من الله.

قوله (( قبور ) )بالرفع بدل أو بيان لما أقول، وعضادتا الباب خشبتاه من جانبيه وأعضاد كل شيء ما يشد حواليه.

قوله (( يرتجزون ) )الرجز ضرب من الشعر، وقد رجز الراجز وارتجز، واعلم أنه قرئ هذا البيت بوزن الشعر ينبغي أن يوقف على الآخرة والمهاجرة إلا أنه صلى الله عليه وسلم قيل قرأهما بالهاء متحركة خروجًا من وزن الشعر.

أقول فإن قيل ما مناسبة قوله لعن الله اليهود مع الترجمة.

قلت كأنه قال إذا كان لا يجوز جعل قبور الأنبياء في البيوت فإذا رأى قبور المشركين في مكان جاز نبشه.

[1] في هامش المخطوط (( أقول المقبرة بالضم موضع القبر والفتح لغة وللقبر أسماء الرمس بالراء، 2 ـ الحدث، 3 ـ الحذف، 4 ـ البيت، 5 ـ الضريح، 6 ـ الريم، 7 ـ الرحم، 8 ـ البلد، 9 ـ الحبان، 10 ـ الخاموص، 11 ـ الدمس بالدال، 12 ـ المنهال. ذكرهما ابن السكيت ) ).

[2] فإن قلت إذا كان الشيطان يهرب من قارئها، فكيف كان يحفظها؛ لأنه قال اقرأ الكرسي {الله لا إله إلا هو} [البقرة 255] حتى تختم الآية؟

[3] في هامش المخطوط (( أقول والعروضة أيضًا ) ).

[4] (( وهذا ) )مكررة في المخطوط.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت