فيه أبو سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم، عن ابن عباس قال قال النبي صلى الله عليه وسلم (( أريت النار فرأيت أكثر أهلها النساء ) ). الحديث. حديث أبي سعيد هذا أخرجه (خ) في الحيض وأخرجه (م) أيضًا، وحديث ابن عباس أخرجه في كتاب العلم، وأخرجه (م) في العيدين وأخرجه (م) من حديث أبي هريرة وابن عمر أيضًا وأخرجاه من حديث جابر أيضًا، وعطاء هو أبو محمد عطاء بن يسار المدني الهلالي مولى ميمونة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أخو سليمان وعبد الملك وعبد الله سمع خلقًا من كبار الصحابة وعنه جمع من التابعين وهو ثقة كثير الحديث مات سنة ثلاث وأربعمائة وقيل سنة أربع وتسعين وقيل سنة سبع وتسعين.
فائدة قول (م) في (( صحيحه ) )في كتاب التيمم عن عمير مولى ابن عباس أنه سمعه يقول أقبلت أنا وعبد الرحمن بن يسار مولى ميمونة، وذكر الحديث كذا وقع فيه عبد الرحمن بن يسار، وهو خطأ وصوابه عبد الله بن يسار، هكذا رواه (خ، ود، ن) وغيرهم، فتنبه لذلك.
وزيد بن أسلم هو أبو أسامة القرشي العدوي المدني التابعي الجليل، مولى عمر بن الخطاب، وروى عن جماعات من الصحابة والتابعين، وعنه جمع من التابعين منهم الزهري، وجلالته مجمع عليها.
قال ابن سعد كانت له حلقة في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان ثقة كثير الحديث، ومناقبه جمة، مات بالمدينة سنة ثلاث أو أربع أو ست وثلاثين ومائة.
هذا الإسناد كله مدنيون خلا ابن عباس لكنه أقام بالمدينة.
أردف (خ) هذا الباب بالذي قبله؛ لينبه على أن المعاصي تنقص الإيمان، ولا تخرج إلى الكفر الموجب للخلود في النار؛ لأنهم ظنوا أنه الكفر بالله. فأجابهم عليه السلام أنه أراد كفرهن حق أزواجهن، وذلك لا محالة نقص من إيمانهن؛ لأنه يزيد بشكرهن العشير وبأفعال البر.
فظهر بهذا أن الأعمال من الإيمان، وأنه قول وعمل كما سلف، وإخراجه له هنا أيضًا؛ لنفسه على أن الكفر قد يطلق على كفر النعمة، وجحد الحق، وهو أصله في اللغة ككفران العشير والإحسان إذ لم يرد الكفر بالله، فيفسر به كل ما أطلق عليه الكفر من المعاصي فيما علم من الأحاديث لقوله عليه السلام (( لا ترجعوا بعدي كفارًا ) )و (( أيما عبد أبق من مواليه فقد كفر حتى يرجع إليهم ) )و (( أما من قال مطرنا بنوء كذا فذاك كافر بي، مؤمن بالكوكب ) )و (( بين الشرك والكفر ترك الصلاة ) ).
وأصل الكفر الستر والتغطية، يقال لليل كافر؛ لستره بالظلمة، وللابس الدرع وفوقها ثوب كافر للتغطية [1] ، وفلان كفر النعمة، أي سترها فلم يشكرها، ويطلق على الكفر بالله تعالى، ويطلق على الحقوق والمال. ثم الكفر بالله أنواع، حكاها الأزهري إنكار، وجحود، وعناد، ونفاق، وهذه الأربعة من لقي الله بواحد منها لم يغفر له.
فالأول أن يكفر بقلبه ولسانه، ولا يعرف ما يذكر له من التوحيد، كما قال تعالى {سواء عليهم أأنذرتهم} [البقرة6] الآية أي كفروا بالتوحيد، وأنكروا معرفته.
والثاني أن يعرف بقلبه ولا يقر بلسانه، وهذا ككفر إبليس وبلعم أو أمية بن أبي الصلت.
والثالث أن يعرف بقلبه ويقر بلسانه ص 174 ويأبى أن يقبل الإيمان بالتوحيد، ككفر أبي طالب.
والرابع أن يقر بلسانه، ويكفر بقلبه، ككفر المنافقين.
قال الأزهري ويكون الكفر بمعنى البراءة. كقوله تعالى حكاية عن الشيطان {إني كفرت بما أشركتمون من قبل} [إبراهيم22] أي تبرأت.
قال وأما الكفر الذي هو دون ما ذكرنا فالرجل يقر بالوحدانية والنبوة بلسانه، ويعتقد ذلك بقلبه، لكنه يرتكب الكبائر من القتل، والسعي في الأرض بالفساد، ومنازعة الأمر أهله، وشق عصا المسلمين.
هذا كلامه، وقد أطلق الشرع الكفر على ما سوى الأنواع الأربعة، وهو كفران الحقوق والنعم، كهذا الحديث وغيره، وهذا مراد (خ) بقوله، وكفر دون كفر. وفي بعض الأصول وكفر بعد كفر، وهي بمعنى الأول.
وقوله (( يكفرن ) )التقدير هن يكفرن. و (( العشير ) )المعاشر. قالوا والمراد هنا الزوج يسمى بذلك الذكر والأنثى؛ لأن كل واحد منهما يعاشر صاحبه، ولا يمتنع كما قال النووي حمله على العموم، والعشير أيضًا الخليط والصاحب.
(( قط ) )لتأكيد نفي الماضي، وفيها لغات فتح القاف وضمها مع تشديد الطاء المكسورة وبالفتح مع الإسكان ومع الضم، ومع الكسر بالتخفيف.
قال الجوهري عن الكسائي كان أصلها قطط، فسكن الأول وحرك الآخر؛ بإعرابه هذا إذا كانت معناها الزمان، أما إذا كانت بمعنى (( حسب ) )وهو الاكتفاء، فهي مفتوحة ساكنة الطاء. تقول رأيته مرة واحدة فقط، قال القاضي وقد تكون هذه للتقليل أيضًا.
وفيه من الفوائد ما ترجم له، وهو أن الكفر قد يطلق على غير الكفر بالله تعالى ويؤخذ منه صحة تأويل الكفر في الأحاديث السالفة ونحوها على كفر النعمة والحقوق.
وفيه وعظ الإمام، وأصحاب الولايات، وكبار الناس رعاياهم وتباعهم وتحذيرهم المخالفات، وتحريضهم على الطاعات. كما جاء في رواية أخرى في (( الصحيح ) ) (( يا معشر النساء تصدقن ) ).
وفيه مراجعة المتعلم العالم، والتابع المتبوع فيما قاله إذا لم يظهر له معناه.
وفيه تحريم كفران الحقوق والنعم؛ إذ لا يدخل النار إلا بارتكاب حرام، قال النووي توعده عليهما بالنار يدل على أنهما من الكبائر.
وفيه التعذيب على جحد الإحسان، والفضل، وشكر النعم، وشكر المنعم واجب، ولهذا قيل كفران النعمة كفران.
اتفق العلماء على تكفير إبليس بمعصيته مع آدم عليه السلام، وقد قال تعالى ?وكان من الكافرين? قيل كان بمعنى صار، وقيل كان كافرًا في علم الله. قاله ابن الجوزي في (( زاد المسير ) )انتهى.
أقول وأما كفر إبليس فليس لامتناعه من السجود وإلا لكان كل من أمر بالسجود فامتنع كافرًا وليس كذلك، ولا لكونه حسد آدم على منزلته وإلا لكان كل حاسد كافرًا ولا بعصيانه وفسوقه من حيث هو عصيان وفسوق، وإلا لكان كل عاص وفاسق كافر له، وقد أشكل ذلك على جماعة من الفقهاء وينبغي أن تعلم أن إبليس إنما كفر بنسبته الله تعالى إلى الجور والتصرف الذي ليس بمرضي، وظهر ذلك من فحوى قوله ?أنا خير منه? الآية، ومراده أن إلزام العظيم الجليل بالسجود لمن هو دونه تصرف رديء وظلم.
قال ابن الجوزي لما قال إبليس ?أنا خير منه? الآية كان معنى هذا الكلام أنك ظالم لأنك أمرتني بالسجود لمن لا يستحق السجود فهذا وجه كفره ومن نسب الله تعالى لذلك كفر إجماعًا.
قال والدي رحمه الله تعالى
الكفر ضد الإيمان والكفر أيضًا جحود النعمة وغمطها، وهو ضد الشكر وكذا الكفران لكن الكفر في الدين والكفران في النعمة أكثر استعمالًا، والكفر بالفتح التغطية وكل شيء غطى شيئًا فقد كفره ومنه الكافر؛ لأنه يستر توحيد الله أو نعمة الله، ويقال للزارع الكافر لأنه يغطي البذر تحت التراب والعشير بمعنى المعاشر كالأكيل بمعنى المؤاكل والمعاشرة المخالطة وقيل الملازمة.
قوله (( فيه أبو سعيد ) )معناه أن أبا سعيد أيضًا قد روى في معنى كفران العشير شيئًا. قوله (( أريت ) )بضم الهمزة وبضم التاء وهو بمعنى التبصير والضمير هو القائم مقام المفعول الأول والنار التي أكثر أهلها النساء هو المفعول الثاني والموصول بصلته صفة لازمة للنار لا صفة مخصصة إذ ليس المراد ص 175 تخصيص نار به.
و (( يكفرن ) )استئناف كلام كأنه جواب سؤال سائل سأل يا رسول الله لم، وفي بعض الروايات (( أريت النار فرأيت أكثر أهلها النساء ) )بزيادة (( فرأيت ) )وفي بعضها (( أريت النار أكثر أهلها النساء ) )بدون فرأيت وهو بفتح أكثر والنساء فيكون أكثر بدل النار والنساء هو المفعول الثالث، وأريت بمعنى أعلمت وبضمها فيكون أكثر مبتدأ والنساء خبره والجملة الاسمية حال بدون الواو نحو قوله تعالى {اهبطوا بعضكم لبعض عدو} وفي بعضها (( بكفرهن ) )والباء للسببية وهي متعلقة بالأكثر أو بفعل الرؤية المقيدة.
قوله (( أيكفرن بالله ) )هذا السؤال دليل على أن الكفر لفظ مجمل بين الكفر بالله وبين الكفر الذي للعشير ونحوه إذ الاستفسار دليل الإجمال.
قوله (( يكفرن العشير ) )لم يعد كفر العشير بالباء كما عدى الكفر بالله لأنه ليس متضمنًا لمعنى الاعتراف بخلافه ويكفرن الإحسان كأنه بيان لقوله يكفرن العشير إذ المقصود كفران إحسان العشير لا كفران ذاته، والعشير المراد به ههنا الزوج؛ لأنه يعاشرها وتعاشره أكثر من غيرهما، ولأن قرينة السياق تدل عليه وكفرانهن سترهن نعمة الأزواج عليهن وغمطها ولا يمتنع حمله على جنس المعاشر وعلى عمومه واللام إما للعهد وإما للجنس وإما للاستغراق.
فإن قلت أيها الأصل في اللام. قلت الجنس وهو الحقيقة فيحمل عليها إلا إذا دلت قرينة على التخصيص أو التعميم فتتبع القرينة حينئذ وهذا حكم عام لهذا اللام في جميع المواضع.
قوله (( إن أحسنت ) )وفي بعضها (( لو أحسنت ) ).
فإن قلت لو لامتناع الشيء لامتناع غيره فكيف صح هنا هذا المعنى. قلت هو هنا بمعنى إن أي لمجرد شرطية ومثله كثير، ويحتمل أن يكون من قبيل (( نعم العبد صهيب لو لم يخف الله لم يعصه ) )بأن يكون الحكم ثابتًا على النقيضين والطرف المسكوت عنه أولى من المذكور.
و (( الدهر ) )منصوب على الظرفية وهو بمعنى الأبد، والمراد منه دهر الرجل؛ أي مدة عمره، ويحتمل أيضًا مدة بقاء الدهر مطلقًا على سبيل الفرض مبالغة لكفرانهن وسوء مزاجهن.
وليس المراد بهذا الخطاب مخاطبًا خاصًا بل كل من يتأتى منه أن يكون مخاطبًا به، وهذا على سبيل التجوز إذ أصل وضع الضمير أن يكون مستعملًا لمعين مشخص.
فإن قلت لو لم يكن عامًا لما جاز استعماله في كل مخاطب كزيد مثلًا حقيقة. قلت عام باعتبار أمر عام لمعنى خاص بخلاف العلم فإنه خاص بالاعتبارين، وههنا فائدة كثيرة النفع غزيرة الفوائد وهي أن اللفظ قد يوضع وضعًا عامًا لأمور مخصوصة كاسم الإشارة، فإنه وضع باعتبار المعنى العام الذي هو الإشارة الحسية للخصوصيات التي تحته؛ أي لكل واحد مما يشار إليه، ولا يراد به عند الاستعمال العموم على سبيل الحقيقة، وقد يوضع وضعًا عامًا لموضوع له عام نحو الرجل فلا يراد به خاص حقيقة وهو عكس الأول، وقد يوضع وضعًا خاصًا لموضوع له خاص نحو العلم.
وملخصه أن للمواضع عليه ثلاثة أقسام من الموضوعات وضع باعتبار عام لموضوع له عام نحو الرجل، وضع باعتبار عامل لموضوع خاص نحو اسم الإشارة، وضع باعتبار خاص لموضوع خاص، نحو زيد والمضمرات من القسم الأوسط فإذا أريد ص 176 عند الاستعمال بالضمير الذي أحسنت مخاطب معين كان حقيقة؛ لأنه على وفق وضعه وإذا أريد به كل من يصح منه كونه محسنًا كان مجازًا، ومثله قوله تعالى {ولو ترى إذ المجرمون ناكسوا رءوسهم} .
قوله (( شيئًا ) )التنوين للتحقير أو للتقليل أو لهما؛ أي شيئًا حقيرًا أو قليلًا لا يوافق مزاجها.
ابن بطال الكفر ههنا هو كفر النعمة، وقد أمر الله رسوله بشكر المنعم وكفر نعمة الزوج هو من باب كفر نعمة الله؛ لأن كل نعمة يصل بها العشير أصله هي نعمة الله أجراها على يده.
ومعنى هذا الباب أن المعاصي تنقص الإيمان وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه أراد كفرانهن حق أزواجهن، وذلك ينقص من إيمانهن ودله بذلك أن إيمانهن يزيد بشكرهن العشير وبأفعال البر كلها، فثبت أن الأعمال من الإيمان وأنه قول وعمل إذ بالعمل الصالح يزيد وبالعمل السيئ ينقص، وفيه دليل أن المرء يعذب على جحد الإحسان وقيل شكر المنعم فريضة.
وأقول هذا منه وجه آخر لمناسبة الحديث لترجمة الباب غير ما ذكره الشارح الآخر.
[1] في هامش المخطوط ويقال للزارع كافر لستره الحبة تحت الأرض.