فهرس الكتاب

الصفحة 1729 من 3844

فيه حديث جابر أنه غزا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل نجد، الحديث.

ثم ترجم له بعد باب تفرق الناس عن الإمام عند القائلة، وفي لفظ كان قتادة يذكر أن قومًا من الأعراب أرادوا أن يفتكوا برسول الله، فأرسلوا هذا الأعرابي ويتلوا {اذكروا نعمة الله عليكم} الآية [المائدة11] .

واسم الرجل غورث بن الحارث، وعند البيهقي فسقط السيف من يد الأعرابي، فأخذه رسول الله صلى الله عليه وسلم من يده وقال (( من يمنعك مني؟ ) )قال كن خير آخذ. قال (( فتسلم؟ ) )قال لا, ولكن أعاهدك على أن لا أقاتلك، ولا أكون مع قوم يقاتلونك، فخلى سبيله، فأتى أصحابه، فقال جئتكم من عند خير الناس.

وكانت هذه الواقعة قبل نجد، وعند الإسماعيلي قبل أحد. وذكر ابن إسحاق أن ذلك في غزوته إلى غطفان لثنتي عشرة مضت من صفر، وقيل في ربيع الأول سنة اثنتين، وهي غزوة ذي أمر، وسماها الواقدي غزوة أنمار، ويقال كان ذلك في ذات الرقاع، وأنه عليه السلام نزع ثوبيه ونشرهما على شجرة ليجفا من مطر كان أصابه، واضطجع تحتها.

فقال الكفار لدعثور وكان سيدهم وكان شجاعًا قد انفرد محمد فعليك به، فأقبل ومعه صارم [1] حتى قام على رأسه، فقال من يمنعك مني؟ فقال رسول الله (( الله ) )ص 2600 فدفع جبريل في صدره، فوقع السيف من يده، فأخذه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال (( من يمنعك أنت اليوم مني؟ ) )قال لا أحد، فقال (( قم فاذهب لشأنك ) )فلما ولى قال أنت خير مني، فقال عليه السلام (( أنا أحق بذلك منك ) )ثم أسلم بعد، وفي لفظ وأنا أشهد أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله، ثم أتى قومه فدعاهم إلى الإسلام.

قلت فيجوز تعدد الواقعة، وذكرها الحاكم في غزوة خيبر من حديث جابر، ولعله أشبه؛ لأنه قيل إن آية العصمة كان بعد بنائه بصفية أو ليلة البناء.

واسمه غورث بن الحارث، وسماه الخطيب غورك بالكاف بدل الثاء، وللخطابي غويرث بالتصغير، وذكر القاضي عياض أنه مضبوط عند بعض رواة (خ) بعين مهملة، قال وصوابه بالمعجمة.

وقال الجياني هو فوعل من الغرث، وهو الجوع، وأسلفنا أن جبريل دفعه في صدره فوقع السيف. وعند الخطابي لما هم بقتله أخذته الزلخة يعني رجفًا في صلبه، فندر السيف من يده.

و (( اخترط سيفي وأنا نائم ) )أي سله بسرعة، وأصله من خرطت العود أخرطه خرطًا، ذكره القزاز. وقال الداودي معناه سله.

(( وهو في يده صلتًا ) )أي جرده وسله مصلت مخرج من جفنه. قال القرطبي في (( شرح مختصره ) )قوله (( والسيف صلت في يده ) )روي برفع (( صلت ) )ونصبه، فمن رفعه جعله خبر المبتدأ الذي هو السيف، و (( في يده ) )متعلق به، ومن نصب جعل الخبر في المجرور ونصب صلتًا على الحال؛ أي مصلتًا، والمشهور فتح لام (( صلت ) ).

وذكر القتبي أنها تكسر في لغة. وقال ابن عديس ضربه بالسيف صلتًا وصلتًا بالفتح والضم؛ أي مجردًا، يقال سيف صلت ومصلت وأصلت متجرد ماض.

قوله (( فشام السيف ) )أي غمده، ويطلق أيضًا في اللغة على سله، والمراد هنا أغمده، وغمده وأغمده بمعنى.

قال المبرد وهو من الأضداد سله وأغمده، وفي هذا نزل {اذكروا نعمة الله عليكم إذ هم قوم} الآية [المائدة11] ، وقيل فيه نزلت {وهو الذي [كف] أيديهم عنكم} هذا بقوله {ببطن مكة} [الفتح24] ولم تكن هذه القصة في بطن مكة، وهذا ظاهر.

قوله (( من يمنعك مني؟ ) )استفهام مشوب بالنهي، كأنه قال لا مانع لك مني فلم يبال بقوله، ولا عليه ثقة وتوكلًا عليه.

وفيه كما قال المهلب أن تعليق السيف والسلاح في الشجر صيانة لها من الأمر المعمول به.

وفيه أن تعليقها على بعد من صاحبها من الغرر لا سيما في القائلة والليل، ولولا ذلك لما وصل إليه هذا الأعرابي من سيفه عليه السلام.

وفيه تفرق الناس عن الإمام في القائلة، وطلبهم الظل والراحة، ولكن ليس ذلك في غير رسول الله إلا بعد أن يبقى معه من يحرسه من أصحابه؛ لأن الله تعالى قد كان ضمن لنبيه بالعصمة، قاله ابن بطال، قال وقيل إن هذه القصة كانت سبب نزول هذه الآية.

وفيه أن حراسة الإمام في القائلة والليل من الواجب على الناس، وأن تضييعه من المنكر والخطأ.

وفيه جواز نوم المسافر إذا أمن, وفي تبويب (خ) هنا ما يشعر بأن المجاهد إذا أمن نام ووضع سلاحه، وإن خاف استوفز.

وفيه دعاء الإمام لأتباعه إذا أنكر شخصًا، وسوى من أنكره إليهم.

وفيه ترك الإمام معاقبة من جفا عليه وتوعده إن شاء، والعفو عنه إن أحب.

وفيه صبر سيدنا رسول الله وحلمه وصفحه عن الجهال.

وفيه شجاعته وتأنيه وثبات نفسه ويقينه وأن الله ينصره على الدين كله، ولما شاهد الرجل تلك القوى التي فارق بها عادة الناس في مثل تلك الحالة تحقق صدقه، وعلم أنه لا يصل ص 2601 إليه بضرر، وهذا من أعظم الخوارق للعادة، فإنه عدو متمكن، بيده سيف مشهور، وموت حاضر، ولا تغير له عليه السلام.

والدؤلي في إسناد البابين بضم الدال وفتح الهمزة نسبة [إلى] سنان بن أبي سنان.

قال الأخفش فيما حكاه أبو حاتم السجستاني جاء حرف واحد شاذ على وزن فعل وهو الدؤل، وهو دؤيبة صغيرة تشبه ابن عرس، وبها سميت قبيلة أبي الأسود الدؤلي، وهي من كنانة، إلا أنك تقول فتفتح.

[1] في هامش المخطوط (( أقول سبقها أنه قال اخترط سيفي وفي هذه الرواية معه صارم فلا بد من الجمع بينهما بأن يقال كانا قصتين كما يأتي في كلام ابن الملقن ) ).

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت