قال والدي رحمه الله تعالى
22 م- باب {وإن طائفتان} إلى آخره، قوله اقتتلوا فأصلحوا بينهما.
فإن قلت قال أولًا اقتتلوا بلفظ الجمع وثانيًا بينهما بالتثنية فما توجيهه؟ قلت نظر في الأول إلى المعنى وفي الثاني إلى اللفظ وذلك سائغ شائع.
قوله (( فسماهم مؤمنين ) )أي سمى الله أهل القتال مؤمنين، فعلم أن صاحب الكبيرة لا يخرج عن الإيمان ووقع في كثير من النسخ هذه الآية، وحديث الأحنف ثم حديث أبي ذر في باب واحد بعد قوله {ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} وفي بعضها على الترتيب الذي ذكرناه.
قوله (( الحسن ) )هو أبو سعيد بن أبي الحسن الأنصاري مولاهم البصري وذكر ترجمته إلى أن قال فإن الحسن عالمًا فقيهًا ثقة عابدًا كثير العلم فصيحًا أجمل أهل البصرة حتى سقط من دابته فحدث بأنفه ما حدث وساق تمام ترجمته.
قوله (( الأحنف ) )بالمهملة والنون هو أبو بحر بن قيس التميمي البصري التابعي قالوا اسمه الضحاك وقيل صخر والأحنف لقب أدرك زمان النبي صلى الله عليه وسلم وأسلم على عهده ولم يره ولد الأحنف ملتزق الأليتين حتى شق ما بينهما وكان أعور توفي سنة سبع وستين بالكوفة.
قوله (( هذا الرجل ) )يعني علي بن أبي طالب ص 183 وقيل يعني عثمان رضي الله عنه.
قوله (( أنصر ) )فإن قلت السؤال عن المكان والجواب عن الفعل فلا تطابق بينهما. قلت المراد أريد مكانًا أنصر.
قوله (( فالقاتل والمقتول في النار ) )فإن قلت القاتل والمقتول من الصحابة في الجنة إذ كان قتالهم من الاجتهاد الواجب اتباعه. قلت ذاك عند عدم الاجتهاد وعدم ظن أن فيه الصلاح الديني أما إذا اجتهد وظن الصلاح فيه فهما مأجوران مثابان، من أصاب فله أجران ومن أخطأ فله أجر، وما وقع بين الصحابة فهو من هذا القسم والحديث ليس عامًا.
فإن قلت لم منع أبو بكرة الأحنف منه ولم امتنع بنفسه منه. قلت ذاك أيضًا اجتهادي وكأن اجتهاده تأدى إلى الامتناع والمنع هو أيضًا مثاب في ذلك.
فإن قلت لفظة في النار مشعرة بحقية مذهب المعتزلة حيث قالوا يوجب العقاب للعاصي؟ قلت لا إذ معناه حقهما أن يكونا في النار وقد يعفو الله عنهما نحو قوله تعالى {فجزاؤه جهنم خالدًا} معناه هذا جزاؤه وليس بلازم أن يجازى.
قوله (( هذا القاتل ) )هو مبتدأ وخبر؛ أي هذا يستحق النار لأنه قاتل والمقتول لم يستحقه وهو مظلوم.
قوله (( كان حريصًا ) )فإن قلت قالوا في قوله تعالى {ما اكتسبت} اختيار باب الافتعال للإشعار بأنه لابد في الشر من الاعتمال والمعالجة بخلاف الخير، فإنه بالنية المجردة فيه يثاب عليه فما وجه كون المقتول لمجرد القصد في النار إلى نية تجاوز لأمتي ما حدثت به أنفسها ما لم يتكلموا أو يعملوا به.
وفي الحديث الآخر (( إذا هم عبدي بسيئة فلا تكتبوها عليه ) )قلت من عزم على المعصية بقلبه ووطن نفسه عليها أثم في اعتقاده وعزمه، ولهذا جاء بلفظ الحرص فيما نحن فيه، ويحمل ما وقع في هذه الظواهر وأمثالها على أن ذلك فيما لم يوطن نفسه عليها، وإنما مر ذلك بفكره من غير استقرار ويسمى هذا همًا، ويفرق بين الهم والعزم وأن هذا العزم يكسب سيئة فإذا عملها كتب معصية ثانية.
فإن قلت فلم أدخل الحرص على القتل وهو في سلك القتل وهو كبيرة. قلت أدخلهما في سلك واحد في مجرد كونهما في النار فقط وإن تفاوتا صغرًا وكبرًا وغير ذلك. انتهى كلامه والدي رحمه الله.
أقول فإن قلت كيف يدخلان النار واحد مما فعل والآخر نوى وعقاب الناوي غير عقاب القائل، ومعلوم كما سبق في كلام والدي من ذكر الحديث، وهو قوله (( إذا هم عبدي بسيئة ) )الحديث. قلت يدخلان النار وعذابهما يتفاوت بحسب الفعل والنية، ويشكل أيضًا دخول أهل الجنة الجنة خالدين، ودخول أهل النار النار خالدين.
وعللوا بأن المؤمن لو خلد في الدنيا لكان مؤمنًا فيجازى بالجنة خالدًا لنيته، وكذلك الكافر لو خلد في الدنيا لكان كافرًا فيعاقب بالنار خالدًا فيها لنيته، وذلك أنه يكون ثواب الفعل والنية في المؤمن، وكذا في الكافر على السواء.
قلت الدخول سواء والجزاء متفاوت في الثواب والعقاب، وهذا يتوقف على نقل أن ثواب يده عمر الشخص مثلًا لو كان سبعي سنة يكون كثيرًا وثواب ما بعد السبعين إلى الأبد يكون دون ذلك في الثواب والعقاب يحتاج إلى تأمل.
قال الزركشي إخوانكم خولكم بالنصب أي احفظوا ويجوز الرفع على معنى هم إخوانكم. قال أبو البقاء والنصب أجود. قلت لكن (خ) رواه في كتاب حسن الخلق هم إخوانكم وهو ترجح تقدير الرفع.
ورأيت في بعض حواشي الصحيح أن أول من أنجد الخدام واقتنا الأرقاء بنو إسرائيل. أقول وفي ذلك نظر وذلك أن قضية سارة وإخدام الملك إياها هاجر قبل أن يخلق إسرائيل وبنوه وإسرائيل هو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم.