فهرس الكتاب

الصفحة 3415 من 3844

38 -باب التواضع

فيه حديث أنس رضي الله عنه كان للنبي صلى الله عليه وسلم ناقة الحديث.

وحديث عطاء هو ابن يسار عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إن الله عز وجل قال من الحديث.

اللفظ الثاني حديث أنس أخرجه البخاري، عن محمد وهو ابن سلام البيكندي، أنا الفزاري، وهو مروان بن معاوية، وأبو خالد الأحمر، وهو سليمان بن حيان الكوفي أزدي، نزل في بني جعفر بن كلاب.

ومعنى (( آذنته بالحرب ) )أعلمته، رباعي، وهو ممدود؛ لأنه رباعي، والتقرب المراد به قرب المنزلة، وقبول العمل.

وقوله (( كنت سمعه .. ) )إلى آخره، هو من المجاز، يعني أنه يحفظه كما يحفظ العبد جوارحه لئلا يقع في مهلكة، قاله الداودي، وقال الخطابي هذه أمثال، والمعنى ترقيه في الأعمال التي يباشرها بهذه الأعضاء، ويسمع الخير له فيها، فيحفظ جوارحه عليه، ويعصمه من مواقعة ما يكره الله من إصغاء إلى لهو، ونظر إلى ما نهي عنه، وبطش إلى ما لا يحل، وسعي إلى باطل. قال وقد يكون معناه سرعة إجابة الدعاء، والإلحاح في الطلب، وذلك أن مساعي الإنسان إنما تكون لهذه الجوارح.

وفي حديث أنس بيان الدنيا عند الله من الهوان والضعة. ألا ترى قوله (( إن حقا على الله .. ) )إلى آخره، فنبه بذلك أمته على ترك المباهاة والفخر بمتاع الدنيا، وأن ما كان عند الله في منزل الضعة فحق على كل ذي عقل الزهد فيه، وقلة المنافسة في طلبه، وترك الترفع. والغبطة بنيله؛ لأن المتاع به قليل، والحساب عليه طويل.

وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه من معنى الباب أن التقرب إلى الله بالنوافل حتى يستحق المحبة منه تعالى لا يكون ذلك إلا بغاية التواضع والتذلل له، وهذا وجه مناسبته الباب، وإن كان قال الداودي في حديث أنس أيضا إن إدخاله هنا ليس من شكله، وقد يحتمل أن يريد أن قوله (( إلا وضعه ) ). فيه تواضعه عليه السلام، أن أمور الدنيا ناقصة، ففي مضمونه الأمر بالتواضع، وأن يكون المرء يجتنب التعاظم والكبر ص 4654، ويستعمل الخضوع.

وفيه أن النوافل، إنما يزكو ثوابها عند الله لمن حافظ على فرائضه وأداها. قال ابن بطال ورأيت لبعضهم أن وجه البصر، وكذا الأذن في رواية، واليد، والرجل أنه لا يحرك جارحة من جوارحه إلا لله وفي الله، فجوارحه كلها تعمل بالحق، فمن كان كذلك لم ترد له دعوة.

وفيه جواز المسابقة بالإبل، وهو الإجماع، ولا بأس بالرهن فيه، ولم يقل مالك بالمحلل، والحديث جاء به. قال الداودي وليس سبق العضباء ينقص من فضله عليه السلام، ولا يزيد في صاحب القعود.

والعضباء التي قطع طرف أذنها أو شق، ولم تكن عضباء بل كان علما لها، وعبارة ابن فارس شاة عضباء مكسورة القرن.

والقعود الناقة الكبيرة التي طعنت في السن بفتح القاف. قال في

(( الصحاح ) )وهو من الإبل البكر حين تركب، أي يمكن ظهره من الركوب، وأدنى ذلك أن تأتي عليه سنتان، إلى أن يثني، فإذا أثنى سمي جملا، ولا تكون البكرة قعودا بل قلوصا.

قال أبو عبيد القعود من البعير الذي يقتعد الراعي في كل حاجة. قال وهو بالفارسية وجب، ويقال له قعدة بضم القاف. وقال ابن فارس القعود الدابة المقتعدة للركوب خاصة، والقعود من الإبل كذلك.

وقد جاء في فضل التواضع آثار كثيرة، فروى الطبري بسنده عن أبي هريرة رضي الله عنه رفعه (( ما تواضع رجل إلا رفعه الله بها درجة ) ).

وعن عكرمة، عن ابن عباس رضي الله عنهما رفعه (( ما من بني آدم أحد إلا وفي رأسه سلسلتان إحداهما في السماء السابعة، والأخرى في الأرض السابعة، فإذا تواضع رفعه الله بالسلسلة التي في السماء، وإذا أراد أن يرفع رأسه وضعه الله ) ).

وفي كتاب الجوزي قالت عائشة رضي الله عنها إنكم لتغفلون عن أفضل العبادة التواضع. عن أنس رفعه (( إن التواضع لا يزيد العبد إلا رفعة، فتواضعوا يرفعكم الله تعالى ) ).

وعن عائشة مرفوعا (( من تواضع لله رفعه الله، ومن تكبر وضعه الله ) )، وروينا في (( رقائق ابن المبارك ) )، عن معاذ بن جبل أنه قال لن يبلغ ذروة الإيمان، حتى تكون الضعة أحب إليه من الشرف، وما قل من الدنيا أحب إليه مما كثر.

قال الطبري التواضع من المحن التي امتحن الله بها عباده المؤمنين؛ لينظر كيف طاعتهم فيها إياه، ولما علم تعالى من مصلحة خلقه في ذلك في عاجل دنياهم وآجل أخراهم، فمصلحة الدنيا به لو استعمله الناس لارتفع والله أعلم الشحناء بينهم والعدواة،

واستراحوا من تعب المباهاة، والمفاخرة والتذوا بما قسم لهم، وكان لهم فيه صلاح ذات البين، وارتفاع الحسد والشح.

روى النعمان بن بشير، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال (( للشيطان(مصائد) وفخوخ، منها البطر بما أنعم الله، والفخر بعطاء الله، والتكبر على عباد الله )).

وتواضعه عليه السلام معلوم لا يخفى، ومنه أنه لما دخل مكة جعل الناس يقولون هو هذا، هو هذا، فجعل يحني ظهره على الرحل، ويقول (( الله أعلى وأجل ) ).

وهذه سيرة السلف المهديين؛ عن طارق بن شهاب قال لما قدم عمر الشام عرضت له مخاضة، فنزل عن بعيره، ونزع خفيه، فأمسكهما بيده، وخاض الماء ومعه بعيره؛ فقال له أبو عبيدة قد صنعت اليوم صنعا عظيما عند أهل الأرض فصك في صدره، وقال له لو غيرك قالها يا أبا عبيدة، إنكم كنتم أذل الناس وأحقر الناس، فأعزكم الله بالإسلام، فمهما تطلبون العز في غيره يذلكم الله.

وروى ابن وهب بإسناده عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه أقبل في السوق يحمل حزمة حطب، وهو يومئذ خليفة لمروان، فقال أوسعوا الطريق للأمير فقيل له يكفي أصلحك الله، فقال أوسع الطريق للأمير، والحزمة عليه. وعن عبد الله بن سلام أنه خرج من حائط له بحزمة حطب يحملها، فقيل له قد كان في ولدك وعبيدك من يكفيك هذا قال أردت أن أجرب قلبي هل ينكر هذا. وعن سالم بن عبد الله أنه كان يخرج إلى السوق، فيشتري حوائج نفسه، وكان الربيع بن خثيم يكنس الحش بنفسه، فقيل له إنك تكفي هذا. فقال أحب أن آخذ بنصيبي من المهنة.

وقوله (( وما ترددت عن شيء .. ) )إلى آخره. أي ما عطفت وشفقت، والكراهية من الله، والمحبة، والرضا ص 4655 والسخط، والغضب ما يكون منه من ذلك قد سبق في علمه، فليس هو محتمل الحوادث. وقال الخطابي هو مثل، والتردد في صفات الله غير جائز، والبداء عليه في الأمور غير ثابت، وتأويله على وجهين

أحدهما أن العبد قد يشرف مرات على المهالك فيدعو الله فيشفيه، يكون ذلك من فعله كتردد من يريد أمرا، ثم يبدو له ولا مرد له منه إذا بلغ الكتاب أجله؛ فإنه كتب الفناء على خلقه، وهذا على معنى ما ورد أن الدعاء يرد البلاء.

والثاني ما ترددت رسلي في شيء أنا فاعله ترددي إياهم في ذلك، وكما روي في قصة موسى وملك الموت، وما كان من لطمه وتردده إليه، وحقيقة المعنى في الوجهين بقاء عطف الله على العبيد، وشفقته عليهم.

قال والدي رحمه الله تعالى

(باب الرياء والسمعة) بضم السين المهملة ما يتعلق بحاسة السمع والرياء ما يتعلق بحاسة البصر أي ما يعمله ليراه الناس ويسمعوه لا لله تعالى. قوله (سلمة) بفتحتين ابن كهيل مصغر الكهل الكوفي وكلمة ح إشارة إلى التحويل من إسناد إلى إسناد آخر وسلف له وجه آخر ويتلفظ عند القراءة بلفظ حاء مقصورا و (جندب) بضم الجيم وسكون النون وفتح المهملة وضمها ابن عبد الله البجلي بالموحدة والجيم المفتوحتين و (لم أسمع) أي ولم يبق من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم حينئذ غيره في ذلك المكان و (التسميع) التشهير وإزالة الخمول بنشر الذكر. الخطابي من سمع أي عمل عملا على غير إخلاص وإنما يريد أن يراه الناس ويسمعوه جوزي على ذلك بأن يشهره الله ويفضحه ويظهر ما كان يبطنه وقال بعضهم إن من قصد بعمله الجاه والمنزلة عند الناس ولم يرد به وجه الله فإن الله يجعله حديثا عند الناس الذي أراد نيل المنزلة عندهم ولا ثواب له في الآخرة وكذلك من راء بالناس بعمله رايا الله به أي أطلعهم على أنه فعل ذلك رياء لهم لا لوجهه واستحق سخط الله عليه. قال تعالى {من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار وحبط ما صنعوا فيها وباطل ما كانوا يعملون} قوله (هدبة) بضم الهاء وإسكان المهملة وبالموحدة ابن خالد ويقال له هداب بفتحها وتشديد المهملة و (الرديف) الراكب خلف الراكب و (آخرة) بوزن الفاعلة هي العود الذي يستند إليه الراكب من خلفه وأراد بذكره المبالغة في شدة قربه ليكون أوقع في نفس سامعه لكونه أضبط وأما تكريره صلى الله عليه وسلم ثلاثا فلتأكيد الاهتمام بما يخبره وليكمل تنبيه معاذ فيما يسمعه، قوله (حق العباد) فإن قلت فيه دلالة لمذهب المعتزلة القائلين بالوجوب على الله تعالى قلت لا إذ معنى الحق المتحقق الثابت أو الجدير أو هو واجب شرعا بإخبار الله تعالى ووعده أو هو كالواجب في تحققه وتأكده أو ذكر الحق على سبيل المقابلة مر في آخر كتاب اللباس قوله (التواضع) هو إظهار التنزل عن مرتبته وقيل تعظيم من فوقه من أرباب الفضائل و (زهير) و (حميد) كلاهما بلفظ التصغير و (محمد) قال الكلاباذي هو ابن سلام و (الفزاري) بفتح الفاء وخفة الزاي وبالراء هو مروان و (أبو خالد) الأحمر ضد الأبيض سليمان بن حبان بتشديد التحتانية الأزدي و (العضباء) بفتح المهملة وسكون المعجمة وبالمد الناقة المشقوقة الأذن وأما ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم تكن مشقوقة لكنه صار لقبالها و (لا تسبق) بلفظ مجهول و (القعود) بفتح القاف وهو البكر من الإبل حين يمكن ظهره من الركوب وأدنى ذلك سنتان مر في الجهاد في باب ناقة النبي صلى الله عليه وسلم. قوله (محمد بن كرامة) بفتح الكاف وتخفيف الراء العجلي بكسر المهملة الكوفي مات ببغداد سنة ست وخمسين ومائتين و (خالد بن مخلد) بفتح الميم واللام و (شريك) ص 4656 ضد الفريد ابن عبد الله بن أبي نمر بلفظ الحيوان المشهور و (عطاء) أي ابن يسار ضد اليمين. قوله (لي) هو في الأصل صفة لقوله وليا لكنه لما تقدم صار حالا و (آذنته) أي أعملته بالحرب و (المراد لازمه) أي أعمل به ما يعمله العدو المحارب من الإيذاء ونحوه و (أحب) برفع الباء ونصبه و (يبطش) بالكسر والضم. فإن قلت المحبة المترتبة على النوافل المستعقبة بسائر الكمالات المذكورة بعدها تشعر بأنها أفضل وأقبل من الفرائض قلت حاشا بل ما تقرب عبد إلى الله تعالى بأحب من الفرائض كما صرح به أولا فالمراد من النوافل ما كانت حاوية للفرائض مشتملة عليها مكملة لها وحاصله أن تلك الكمالات ببركتهما جميعا أصلا وتابعا، فإن قلت كيف يكون الله يسمعه، قلت الخطابي هذه أمثال والمعنى والله أعلم توفيقه في الأعمال التي باشرها بهذه الأعضاء وتيسر المحبة له فيها بأن يحفظ جوارحه عليه ويعصمه من مواقعة ما يكره الله تعالى من إصغاء إلى اللهو مثلا ومن نظر إلى ما نهى عنه ومن بطش مما لا يحل له ومن سعى في الباطل برجله أو بأن يشرع في إجابة الدعاء والإلحاح في الطلب وذلك أن مساعي الإنسان إنما تكون بهذه الجوارح الأربعة وكذلك التردد أيضا مثل لأنه محال على الله تعالى ويؤول أيضا بوجهين أحدهما أن العبد قد يشرف في أيام عمره على المهالك فيدعو الله تعالى فيشفيه منها ويدفع مكروهها عنه فتكون ذلك فعله كتردد من يريد أمرا ثم يبدو له في ذلك فيتركه ويعرض عنه ولا بد له من لقائه إذا بلغ الكتاب أجله وهذا معنى أن الدعاء يرد البلاء والثاني ما رددت رسلي في شيء أنا فاعله ترديدي إياهم في نفس المؤمن كما روي من قصة موسى عليه السلام وما كان من لطمه عين ملك الموت وتردده إليه مرة بعد أخرى وحقيقة المعنى في الوجهين لطف الله تعالى بالعبد وشفقته وعطفه عليه أقول وقيل ههنا وجه ثالث وهو أن يقبض روح المؤمن بالتأني والتدريج بخلاف سائر الأمور فإنها تحصل بمجرد قول كن سريعا دفعة واحدة. قوله (مساءته) أي حياته لأن بالموت يبلغ إلى النعيم المقيم لا في الحياة أو لأن حياته تؤدي إلى أرذل العمر وتنكيس الخلق والرد إلى أسفل سافلين أو أكره مكروهه الذي هو الموت فلا أسرع بقبض روحه فأكون كالمتردد. فإن قلت ما وجه تعلقه بالترجمة قلت التقرب بالنوافل لا يكون إلا بغاية التواضع والتذلل للرب سبحانه وتعالى وقيل الترجمة مستفادة مما قال كيف سمعه ومن التردد.

الزركشي

(العضباء) علم لها منقول من قولهم ناقة عضباء، أي مشقوقة الأذن، وقيل القصيرة اليد.

(القعود) بفتح القاف ما أمكن أن يركب، وأدناه ما له سنتان.

(فقد آذنته بالحرب) أي أعلمته.

(كنت سمعه الذي يسمع به ... ) إلى آخره، قيل أي لا تتحرك جارحة من جوارحه إلا في الله وبالله ولله، فجوارحه كلها تعمل بالحق.

(وما ترددت عن شيء) إلى آخره التردد في حق الله تعالى محال، فمعناه أردد رسلي كما حكي عن ترداد ملك الموت لموسى، أو يشرف على البلاء فيدعو فأعافيه وأصرف السوء عنه، كما قال الدعاء يرد البلاء إلا أن ينقضي أجله فيموت.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت