فهرس الكتاب

الصفحة 365 من 3844

ذكر فيه حديثين حديث حذيفة كنا جلوسا عند عمر فقال .. إلى آخره.

هذا الحديث أخرجه (خ) في الصوم والزكاة وفي علامات النبوة وأخرجه (م) أيضًا.

والفتنة أصلها الابتلاء والامتحان ثم صارت عرفًا لكل أمر كشفه الاختبار عن سوء، وتكون في الخير والشر، قال تعالى {ونبلوكم بالشر والخير فتنة} [الأنبياء35] يقال فتنته أفتنه فتنًا وفتونًا إذا امتحنته ويقال فيها أفتنته أيضًا والفتنة أيضًا الضلالة والإثم والإزالة عما كان عليه، والفتنة أيضًا الكفر، والقتال والفتنة أيضًا الفضيحة والعذاب، ولما رأى عمر أن الأمر كاد أن يتغير، سأل عن الفتنة التي تأتي بعده خوفا أن يدركها، مع علمه بأنه الباب الذي تكون الفتنة بعد كسره، لكنه من شدة الخوف خشي أن يكون نسي، فسأل من يذكره.

وفتنة الرجل في أهله وماله يصدقه قوله تعالى {إنما أموالكم وأولادكم فتنة} [التغابن15] ، والمعنى في ذلك يأتي من أجلهم ما لا يحل له من القول والعمل ما لم يبلغ كبيرة كالقبلة التي أصابها الرجل من المرأة في الحديث الآتي في الباب، فذلك الذي يكفرها الصلاة والصوم، ومثله قوله عليه السلام (( الجمعة إلى الجمعة كفارة لما بينهما ما اجتنبت الكبائر ) ).

والمراد فتنة الرجل بجاره أيضًا وأهله ما يعرض له معهم من شر أو حزن أو ترك حق وشبهة.

وإنما علم عمر أنه الباب؛ لأنه كان مع النبي صلى الله عليه وسلم على حراء، ومعه أبو بكر وعثمان، فرجف بهم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم (( اثبت حراء فإنما عليك نبي أو صديق وشهيدان ) )، وفهم ذلك من قول حذيفة حين قال بل يكسر الباب.

ويدل عليه أيضًا قوله (( إذًا لا يغلق ) )لأن الغلق إنما يكون في الصحيح.

وأما الثلاثة فهو هتك لا يجبر، وفتق لا يرقع. وقيل معنى يكسر، أي يقتل فلا يموت بغير قتل.

وكذلك انخرق عليهم بقتل عثمان بعده من الفتن ما لا يغلق إلى يوم القيامة، وهي الدعوة التي لم يجب فيها عليه السلام في أمته.

ولذلك قال فلن يزال الهرج إلى يوم القيامة، والقاف في لا يغلق مفتوحة؛ لأنه فعل منصوب بـ (( إذا ) )، و (( إذًا ) )تفعل النصب في الفعل المستقبل لعدم ثلاثة أشياء، وهي أن يعتمد ما قبلها على ما بعدها، وأن يكون الفعل فعل حال، وأن لا يكون معها واو العطف. وهذه الثلاثة مقدمة هنا.

ومعنى (( إن بينك وبينها بابا مغلقا ) )إن تلك الفتن لا يخرج منها شيء في حياتك.

قوله (( مغلقا ) )هو الأفصح؛ بأنه رباعي من أغلقت، وإن حكي غلقت لكنه مردود.

وهل هذا الحكم خاص بهذه الأربعة أم هي من باب التنبيه على الأعلى؟ لأن العلة إذا أنيط بها الحكم إذا وجدت لزم الحكم، وهو إجماع أهل السنة، فكل ما يشغل عن حق من حقوق الله فهو وبال على صاحبه، وكل ما ص 832 كان للنفس به تعلق، ولم يشغل عن حق من حقوق الله فتوفية الحقوق المأمور بها كفارة له.

وهل الواحد من ذلك يكفر أو المجموع؟ فذكر من أفعال الأبدان أعلاها، وهو الصلاة والصوم.

ومن حقوق الأموال أعلاها، وهي الصدقة، ومن الأقوال أعلاها، وهي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فمن فعل هذه لم يكن له أن يترك الباقي، قال الله تعالى {إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر} [العنكبوت45] ، فمن لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر لم يزدد من الله إلا بعدا.

ومن ترك شيئًا من الواجبات فقد أتى فاحشًا ومنكرا، ومن أتاهما فقد بعد من الله، ومن بعد كيف يكفر عنه شيء؟ وأما فتنة الولد، فهي فرط محبتهم، وشغله بهم عن كثير من الخير، أو التفريط بما يلزمه من القيام بحقوقهم، فهذه الفتنة تقتضي المحاسبة، وكذا فتنة المال.

وأما فتنة الجار، فهي أن تتمنى أن تكون مثل حاله إن كان متسعًا، فهذه الأنواع وما شابهها مما يكون من الصغائر فدونها يكفرها أعمال البر للآية {إن الحسنات يذهبن السيئات} [هود114] .

قال بعض أهل التفسير الحسنات هنا الصلاة، والسيئات الصغائر.

وقال ابن العربي الفتنة التي تدخل على الرجل من هذه الجهات إن كانت من الصغائر صح ذلك فيها، وإن كانت من الكبائر فلا تقوم الحسنات بها.

ومعنى (( تموج ) )تضطرب ويدفع بعضها بعضا، وشبهها بموج البحر لشدة عظمها.

قوله (( فهبنا أن نسأل حذيفة ) )القائل (( فهبنا ) )هو أبو وائل، وجاء في رواية أنه قال أبو وائل فقلت لمسروق سل حذيفة عن الباب، فقال عمر.

الحديث الثاني

حديث ابن مسعود أن رجلا أصاب من امرأة قبلة .. إلى آخره.

هذا الحديث أخرجه (خ) أيضًا في التفسير، وقال في آخر الحديث إلى هذه الآية قال (( لمن عمل بها من أمتي ) ). وأخرجه (م) في التوبة، و (ت) في التفسير، و (ن) في الرجم، و (ق) في الصلاة، و (د) .

هذا الرجل اسمه كعب بن عمرو، أبو اليسر على أصح الأقوال كما أخرجه (ن) في سننه. و (ت) أيضا من حديث ابن موهب، عن موسى بن طلحة، عن أبي اليسر يعني كعب بن عمرو قال أتتني امرأة تبتاع تمرًا، فقلت إن في البيت تمرًا أطيب منه، فدخلت معي في البيت، فأهويت إليها فقبلتها. فأتيت أبا بكر فذكرت ذلك له، فقال استر على نفسك، ولا تخبر أحدًا، وتب. فأتيت عمر فذكرت ذلك له، فقال استر على نفسك، وتب، ولا تخبر أحدًا. فلم أصبر، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكرت ذلك له، فقال (( أخلفت غازيا في سبيل الله في أهله بمثل هذا؟ ) )حتى تمنى أنه لم يكن أسلم إلا تلك الساعة، حتى ظن أنه من أهل النار.

قال وأطرق رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أوحي إليه {أقم الصلاة طرفي النهار} .. الآية.

قال أبو اليسر فأتيته، فقرأها علي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال أصحابه يا رسول الله، ألهذا خاصة، أم للناس عامة؟ قال (( بل للناس عامة ) ).

وفي كتاب الواحدي وكان زوجها بعثه النبي عليه السلام في بعث. وفيه فغمزتها وقبلتها.

وفي (( تفسير ابن مردويه ) )من حديث معاذ فأمره أن يتوضأ ويصلي، وفيه حديث بريدة أن المرأة ناشدته وقالت له إنما أنا أمك قال وذلك أنه عليه السلام كان يقول (( نساء المجاهدين على القاعدين في الحرمة كأمهاتهم ) ).

وفي (( تفسير الضحاك ) )راود امرأة وقعد منها مقعد الرجل من امرأته ثم ندم، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما صلى ركعتين ص 833 من العصر نزلت عليه هذه الآية، فلما فرغ من صلاته دعاه فقال (( أشهدت معنا هذه الصلاة؟ .. ) )الحديث.

القول الثاني أنه عمرو بن غزية أن عمرو الأنصاري، أبو حبة بالباء الموحدة التمار.

الثالث أنه ابن معتب رجل من الأنصار.

الرابع أنه أبو مقبل عامر بن قيس الأنصاري.

الخامس نبهان التمار. وقال الثعلبي نبهان لم ينزل فيه إلا قوله تعالى {والذين إذا فعلوا فاحشة} الآية [آل عمران135] .

السادس عباد، حكاه القرطبي.

والرجل الذي قال (( ألي هذا؟ ) )هو أبو اليسر. وجاء في رواية فقال رجل من القوم هذا له خاصة؟ ذكرها ابن الجوزي وحكى في تعيينه ثلاثة أقوال، وعزاها إلى الخطيب عمر بن الخطاب، أبو اليسر، معاذ بن جبل.

وطرفا النهار الغداة والعشي، كما قال ابن الخطيب أنها الصبح والعصر، ولا يكون الطرف الثاني صلاة المغرب لدخول الزلف.

ثم استنبط من ذلك الوتر بالفجر تأخير العصر بما لا يسلم له، وقيل إن الثاني المغرب أو العشاء.

وقال الزجاج في (( معانيه ) )صلاة طرفي النهار الغداة والظهر والعصر. وقال مقاتل صلاة الفجر والظهر طرف، وصلاة العصر والمغرب طرف {وزلفا من الليل} [هود114] ، يعني صلاة العتمة. وقال الحسن هما المغرب والعشاء.

وقال الأخفش يعني صلاة الليل.

وقال الزجاج معنى الزلف الصلاة القريبة من أول الليل، زلف جمع زلفة، يعني بالزلف من الليل المغرب والعشاء.

وفي (( المحكم ) )زلف الليل ساعات من أوله، وقيل هي ساعات الليل الأخيرة من النهار، وساعات النهار الأخيرة من الليل.

وفي (( جامع القزاز ) )الزلفة تكون القربة من الخير والشر.

والمراد بالحسنات الصلوات الخمس إذا اجتنبت الكبائر.

وقال مجاهد هي قول العبد سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر.

واختلف أهل السنة في قوله تعالى {يذهبن السيئات} [هود114] .

فقال الجمهور هو شرط بمعنى الوعيد كله. أي إن اجتنبت الكبائر كانت العبادات المذكورات كفارة للذنوب، وإن لم تجتنب لم تكفر شيء من الصغائر.

وقال فرقة إن لم تجتنب لم تحطها العبادات وحطت الصغائر، وذلك كله بشرط التوبة من الصغائر وعدم الإصرار عليها.

وقال ابن عبد البر قال بعض المنتسبين إلى العلم من أهل عصرنا إن الكبائر والصغائر تكفرها الصلاة والطهارة، واستدل بظاهر هذا الحديث، وبحديث الصنابحي (( خرجت الخطايا من فيه ) )وغيره، وهذا جهل وموافقة للمرجئة، وكيف يجوز أن تحمل هذه الآثار على عمومها وهو يسمع قوله تعالى {يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحا} [التحريم8] ، ولو كانت الصلاة والطهارة وأعمال البر مكفرة للكبائر لما احتاج إلى التوبة.

وعدم وجوب الحد في القبلة وشبهها من اللمس ونحوه من الصغائر، وهي اللمم المعفو عنه باجتناب الكبائر بنص القرآن، وقد يستدل به على أنه لا حد ولا أدب على الرجل والمرأة وإن وجدا في ثوب واحد، وهو اختيار ابن المنذر.

قال والدي رحمه الله تعالى

قوله (( أنا كما قاله ) )أي أنا أحفظ كما قال ص 834 رسول الله صلى الله عليه وسلم.

فإن قلت هو حافظ لنفس قول رسول الله لا لمثله فما فائدة الكاف؟ قلت لعله نقله بالمعنى فاللفظ مثل لفظه في أداء ذلك المعنى أو الكاف زائدة.

قوله (( عليه ) )أي على قول رسول الله (( أو عليها ) )أي على مقالته والشك من حذيفة.

قوله (( الأمر والنهي ) )أي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولهذا الكلام محامل أن يكون كل واحد من الصلاة وأخواتها مكفرة للمذكورة كلها أو لكل واحد منها، وأن يكون المجموع منها مكفرة لهما كذلك وأن يكون من باب اللف والنشر بأن تكون الصلاة مكفرة للفتنة في الأهل والصوم للفتنة في المال وكذا الباقيات.

فإن قلت ما معنى فتنة الرجل في كذا. قلت قال ابن بطال معناه أن يأتي من أجلهم ما لا يحل له من القول والعمل ما لم يبلغ كبيرة.

قوله (( لا يغلق ) )روي مرفوعًا ومنصوبًا وجه الرفع أن يقال أنه خبر مبتدأ محذوف وتقدير الكلام الباب لا يغلق ووجه النصب أن لا يقدر ذلك فلا يكون ما بعده معتمدًا على ما قبله.

قوله (( فلنا ) )هو مقول شقيق (( وكما أن ) )أي كما نعلم أن الغد أبعد منا من الليلة.

قوله (( إني حدثته ) )هو مقول حذيفة و (( الأغاليظ ) )جمع أغلوظة وهي التي يغالظ بها.

النووي معناه حدثته حديثا صدقًا محققًا من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم لا من اجتهاد رأي ونحوه وغرضه أن ذلك الباب رجل يقتل أو يموت كما جاء في بعض الروايات، قال ويحتمل أن يكون حذيفة علم أن عمر يقتل ولكنه كره أن يخاطب عمر بالقتل، فإن عمر كان يعلم أنه هو الباب فأتى بعبارة يحصل الغرض منها وتكون إخبارًا صريحًا بقتله.

فإن قلت كيف كان عمر نفس الباب وقد قال أولا إن الباب بين عمر وبين الفتنة. قلت إما أن يراد بقوله بينك وبين زمانك أو المراد بين نفسك وبين الفتنة بدنك إذ البدن غير الروح أو بين الإسلام والفتنة فيه وخاطب عمر لأنه كان أمير المؤمنين.

فإن قلت من أين علم حذيفة أن الباب عمر وهل علم من هذا السياق أنه مسند إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بل كل ما ذكر في هذا الموضع لم يسند شيء منه إليه صلى الله عليه وسلم, قلت الكل ظاهرًا مسندًا إليه صلى الله عليه وسلم بقرينة السؤال والجواب، ولأنه قال حدثته بحديث ولفظ الحديث المطلق لا يستعمل إلا في حديثه صلى الله عليه وسلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت