فهرس الكتاب

الصفحة 3312 من 3844

قال قتادة {توبوا إلى الله توبة نصوحا} [التحريم 8] الصادقة الناصحة.

فيه حديثين

أحدهما

حديث أبي شهاب واسمه عبد ربه بن نافع الحناط المدائني، أصله كوفي، ومات بالموصل سنة إحدى أو اثنتين وسبعين ومائة، اتفقا عليه، عن الأعمش، عن عمارة إلى آخره.

الحديث الثاني

حدثنا إسحاق، حدثنا حبان، أي بفتح الحاء والباء الموحدة، حدثنا همام، إلى آخره.

الذي رواه عن نفسه هو من أوله إلى قوله فوق أنفه، وإن كان روي رفعها، ولكنها واهية، كما نبه عليها أبو أحمد الجرجاني، والمرفوع من قوله (( لله أفرح ) )إلى آخره.

ومتابعة جرير وأبي أسامة. أخرجها مسلم عن عثمان وإسحاق عنهما، عن الأعمش حدثنا الحارث بن سويد.

ومتابعة أبي معاوية أخرجها النسائي عن أحمد بن حرب، عنه، عن الأعمش، عن عمارة، عن الحارث والأسود، وعن محمد بن عبيد بن محمد، عن علي بن مسهر، عن الأعمش، عن إبراهيم التيمي، عن الحارث، عن عبد الله (( لله أفرح بتوبة عبده ) )الحديث.

ومراده بالناصحة التي لا مداهنة فيها، (وقد فسرها البخاري عن قتادة بأنها الصادقة) .

قال صاحب (( العين ) )التوبة النصوحة الصادقة.

وقيل إنما سيمت بذلك؛ لأن العبد ينصح فيها نفسه ويقيها النار؛ لقوله تعالى {قوا أنفسكم وأهليكم نارا} [التحريم 6] وأصل نصوحا توبة منصوحا فيها، إلا أنه أخبر عنها باسم الفاعل للنصح على ما ذكره سيبويه، عن الخليل، في قوله تعالى {عيشة راضية} [القارعة 11] أي ذات رضا وذكر أمثلة لهذا كثيرة عن العرب، كقولهم ليل نائم وهم ناصب، (أي ينام فيه) وينصب، وكذلك توبة نصوحا أي ينصح فيها.

وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه هي أن يتوب من الذنب ثم لا يعود.

وقال أبو إسحاق بالغة في النصح، مأخوذ من النصح، وهي الخياطة كأن العصيان يخرق والتوبة ترقع.

والنصاح الخيط الذي يخاط به، وقيل مثله في الحديث الآخر من اغتاب خرق، ومن استغفر رفأ، وقيل هو مأخوذ من نصحت الإبل في الشرب أي قصدت.

وقرأ عاصم (نصوحا) بضم النون، أي ذات نصح.

ومعنى (( أفرح ) )أرضى بالتوبة، وأقبل لها.

والمهلكة والمهلكة المفازة. قاله في (( الصحاح ) ).

ومعنى (( سقط على بعيره ) )عثر على موضعه وظفر به، ومنه قولهم على الخبير سقطت.

وقوله (أضله) قال ابن السكيت أضللت بعيري إذا ذهب منى، وضللت المسجد والدار إذا لم تعرف موضعهما، وكذلك كل شيء لا يهتدى له.

والتوبة فرض من الله على كل من علم من نفسه ذنبا صغيرا أو كبيرا؛ لقوله تعالى {يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحا} [التحريم 8] ، وقال {وتوبوا إلى الله جميعا} [النور 31] ، وقال تعالى {إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون} [النساء 17] فكل مذنب فهو عند مواقعة الذنب جاهل، وإن كان عالما، ومن تاب قبل الموت تاب من قريب.

وقال عليه السلام (( الندم توبة ) )، وقال (( إن العبد ليذنب الذنب فيدخل به الجنة ) )قالوا كيف ذلك يا رسول الله؟ قال (( يكون بين عينيه تائبا منه فارا حتى يدخل الجنة ) ).

وقال سفيان بن عيينة التوبة نعمة من الله تعالى أنعم بها على هذه الأمة دون غيرهم من الأمم، وكانت توبة بني إسرائيل القتل.

وقال الزهري لما قيل لهم {فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم} [البقرة 54] قاموا صفين، وقتل بعضهم بعضا حتى قيل لهم كفوا فكانت لهم شهادة للمقتول وتوبة للحي، وإنما رفع الله عنهم القتل لما بذلوا المجهود في قتل أنفسهم، فما أنعم الله على هذه الأمة نعمة بعد الإسلام، هي أفضل من التوبة.

إن الرجل ليفني عمره، وما أفنى منه في المعاصي والآثام، ثم يندم على ذلك ويقلع عنه فيحطها الله عنه، ويقوم وهو حبيب الله. قال تعالى {إن الله يحب التوابين} [البقرة 222] وقال عليه السلام (( التائب من الذنب كمن لا ذنب له ) ).

وقال ابن المبارك ص 4550 حقيقة التوبة لها ست علامات

أولها الندم على ما مضى، الثانية العزم على ألا يعود، والثالثة أن (يعمد) إلى كل فرض ضيعه فيؤديه، والرابعة أن يعمد إلى مظالم العباد فيؤدي إلى كل ذي حق حقه، والخامسة أن تعمد إلى (البدن) الذي ربيته بالسحت والحرام فتذيبه بالهموم، والأحزان، حتى يلصق الجلد بالعظم، ثم تنشئ بينهما لحما طيبا، إن هو نشأ. والسادسة أن تذيق البدن ألم الطاعة كما أذقته لذة المعصية.

وقال ميمون بن مهران عن ابن عباس رضي الله عنهما (قال) كم من تائب يرد يوم القيامة يظن أنه تائب وليس بتائب؛ لأنه لم يحكم أبواب

التوبة، وروى الأصيلي بسنده عن أبي الدرداء قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( يقول الله تعالى إذا تاب عبدي إلى نسيت جوارحه ونسيت البقاع ونسيت حافظيه حتى لا يشهدوا عليه ) ).

ومعنى فرح الرب جل جلاله بتوبة العبد، وهو ما صرح به ابن فورك، حيث قال الفرح في كلام العرب بمعنى السرور، من ذلك قوله {وفرحوا بها} [يونس 22] أي سروا، ولا يليق ذلك بالله؛ لا يقتضي جواز الحاجة (عليه) ونيل المنفعة، وبمعنى البطر والأشر ومنه {إن الله لا يحب الفرحين} [القصص 76] وبمعنى الرضى من قوله {كل حزب بما لديهم فرحون} [المؤمنون 53] أي راضون، ولما كان من يسر بالشيء قد رضيه، قيل إنه فرح به على معنى أنه به راض، وعلى هذا تأول الآثار؛ لأن البطر والسرور لا يليقان بالرب جل جلاله.

وللتوبة أركان الندم على ما وقع، والعزم على ألا تعود، والإقلاع عن المعصية، فإن تعلقت بآدمي (توقف على) استحلاله منه، وهي فرض على الإنسان إجماعا في كل وقت وآن، ومن كل ذنب أو غفلة أو تقصير في كمال. وما منا أحد خلا من ذلك بالقلب والجوارح (واللسان) ، وأصلها الرجوع، وعلامتها حسن الحال، وصدق المقال، وخلق الله لها في الحال، (وتجب في) الحرام، وتستحب في المكروه، وتوبة الزهاد عن الشهوات، والمقربين عن الشبهات. فمن لطفه بنا توبة من قبلنا بالقتل بالمحدد، وتوبتنا بإظهار الندم والتجلد، وتلك في لحظة، وتوبتنا مستمرة ولله الحمد.

وفي التوبة والاستغفار معنى لطيف؛ وهو استدعاء محبة الله لا جرم جرى عليها السلف والخلف، والأنبياء أكثروا منها، ومن الاستغفار، والأوبة والإنابة في كل حين، والاستغفار فيه معني التوبة قال {لقد تاب الله على النبي} [التوبة 117] . {واستغفره إنه كان توابا} [النصر 3] .

قال والدي رحمه الله تعالى

كتاب الدعوات (الدعاء) هو النداء وهو مستحب عند الفقهاء وهو الصحيح وقال بعض الزهاد تركه أفضل استسلاما للقضاء وقيل إن دعا لغيره فحسن وإلا فلا، قوله (أبو الزناد) بكسر الزاي وخفة النون عبد الله و (الأعرج) عبد الرحمن و (أختبئ) أي أدخر وأجعلها خبيئة ومعناه لكل نبي دعوة مجابة ألبتة وهو على يقين من إجابتها وأما باقي دعواتهم فهو على رجاء إجابتها وبعضها يجاب وبعضها لا يجاب وجاء في الصحيح سألت الله ثلاثا فأعطاني اثنتين ومنعني واحدة وهي أن لا يذيق بعض أمته بأس بعض ويحتمل أن يكون المراد لكل نبي دعوة لأمته وفيه بيان كمال شفقته على أمته ورأفته بهم والنظر في مصالحهم المهمة فأخر صلى الله عليه وسلم دعوته إلى أهم أوقات حاجتهم، قوله (معتمر) أخو الحاج بن سليمان التيمي و (السؤل) بالهمز وبدون الهمز المطلوب والاستجابة بمعنى الإجابة قوله (أفضل الاستغفار) فإن قلت معنى الأفضل الأكثر ثوابا عند الله فما وجهه ص 4551 هنا إذ الثواب للمستغفر لا له قلت هو نحو مكة أفضل من المدينة أي ثواب العابد فيها أفضل من ثواب العابد في المدينة فالمراد المستغفر بهذا النوع من الاستغفار أكثر ثوابا من المستغفر بغيره، قوله (أبو معمر) بفتح الميمين عبد الله و (الحسين) أي المعلم و (عبد الله بن بريدة) مصغر البردة بالموحدة والراء والمهملة و (بشير) مصغر البشر بالموحدة والمعجمة ابن كعب العدوي بفتح المهملتين و (شداد) بفتح المعجمة وتشديد المهملة الأولى (ابن أوس) بفتح الهمزة وإسكان الواو وبالمهملة الخزرجي الأنصاري مات سنة ثمان وخمسين، قوله (أبوء) من قولهم باء بحقه أي أقربه، الخطابي يريد به الاعتراف ويقال قد باء فلان بذنبه إذا احتمله كرها لا يستطيع دفعه عن نفسه قال (وأنا على عهدك) أي أنا على ما عاهدتك عليه ووعدتك من الإيمان بك وإخلاص الطاعة لك ويحتمل أن يكون معناه أني مقيم على ما عهدت إلى من أمرك وأنك منجز وعدك في المثوبة بالأجر عليه واشتراطه الاستطاعة في ذلك معناه الاعتراف بالعجز والقصور عن كنه الواجب في حقه تعالى، قوله (من أهل الجنة) فإن قلت المؤمن وإن لم يقلها من أهلها أيضا قلت المراد أنه يدخلها ابتداء من غير دخول النار لأن الغالب أن الموقن بحقيقتها المؤمن بمضمونها لا يعصي الله أو لأن الله يعفو عنه ببركة هذا الاستغفار، فإن قلت ما الحكمة في كونه أفضل الاستغفارات قلت أمثاله من التعبديات الله أعلم بها لكن لا شك أن فيه ذكر الله بأكمل الأوصاف وذكر نفسه بأنقص الحالات وهو أقصى غاية التضرع ونهاية الاستكانة لمن لا يستحقها إلا هو أما الأول فلما فيه من الاعتراف بوجود الصانع تعالى وتوحيده الذي هو أصل الصفات العدمية المسمات بصفات الجلال والاعتراف بالصفات السبعة التي هي الصفات الوجودية المسماة بصفات الإكرام وهي المقدرة اللازمة من الخلق الملزومة للإرادة والعلم والحياة والخامسة الكلام اللازم من الوعد والسمع والبصر اللازمان من المغفرة إذ المغفرة للمسموع والمبصر لا يتصور إلا بعد السماع والإبصار وأما الثاني فلما فيه أيضا من الاعتراف بالعبودية وبالذنوب في مقابلة النعمة التي تقتضي وهو الشكر، قوله (أبو سلمة) بالمفتوحتين و (الاستغفار) إنما هو بالنسبة إلى ما مضى وأما التوبة فهي وإن كان أيضا كذلك لكن يشترط فيها أن يعزم أن لا يعود إلى مثله في المستقبل، فإن قلت مم يستغفر وهو مغفور ومعصوم قلت الاستغفار عبادة أو هو تعليم لأمته أو استغفار من ترك الأولى أو قاله تواضعا أو ما كان سهو أو قبل النبوة وقال بعضهم اشتغاله بالنظر في مصالح الأمة ومحاربة الأعداء وتأليف المؤلفة ونحو ذلك شاغل عظيم عن عظيم مقامه من حضوره مع الله تعالى وفراغه عما سواه فيراه ذنبا بالنسبة إليه وإن كانت هذه الأمور من أعظم الطاعات وأفضل الأعمال فهو نزول عن عال درجته فيستغفر لذلك وقيل كان دائما في الترقي في الأحوال فإذا رأى ما قبلها دونه استغفر منه كما قيل حسنات الأبرار سيئات المقربين وقيل يتجدد للطبع غفلات تفتقر إلى الاستغفار، قوله (أبو شهاب) اسمه عبد ربه المدائني الأصغر و (عمارة) بضم المهملة وخفة الميم ابن عمير مصغر عمرو و (الحارث بن سويد) مصغر السود التيميان و (عبد الله) أي ابن مسعود و (قال به هكذا) أي دفعه وذبه أي هو أمر سهل عنده و (الفرح) المتعارف لا يصح على الله تعالى فهو مجاز عن الرضا وعبر عنه به تأكيدا لمعنى الرضا في نفس السامع ومبالغة في تعزيزه و (المهلكة) بفتح الميم وكسر اللام وفتحها مكان الهلاك وفي بعضها مهلكة بلفظ اسم الفاعل وفي بعضها زيد عليه وبيئة فعيلة من الوباء، فإن قلت هذا الحديث الذي له وما الذي لرسول الله صلى الله عليه وسلم، قلت قال النووي قالوا حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ص 4552 هو لله أفرح إلى آخره وحديث عبد الله هو إن المؤمن يرى ذنوبه، قوله (أبو عوانة) بتخفيف الواو وبالنون اسمه الوضاح و (جرير) بفتح الجيم و (أبو أسامة) هو حماد و (أبو معاوية) هو محمد بن خازم بالمعجمة والزاي و (الأسود) ضد الأبيض ابن يزيد بالزاي النخعي و (إسحاق) قال الغساني لعله ابن منصور و (حبان) بفتح المهملة وشدة الموحدة وبالنون ابن هلال الباهلي و (همام) هو ابن يحي الأزدي و (هدبة) بضم الهاء وإسكان المهملة وبالموحدة ابن خالد القيسي و (سقط على بعيره) أي وقع عليه وصادفه من غير قصد و (أضله) أي أضاعه و (الفلاة) المفازة أي إن الله أرضى بتوبة عبده من واجد ضالته بالفلاة.

الزركشي

(وأنا على عهدك ووعدك) الرجاء إلى الجنة واللقاء والبعث.

(ما استطعت) اجتهد في إخلاص الطاعة ما استطعت، أي الإقرار بالعجز عن أداء ما يجب عليه من الشكر لنعمه.

(أبوء) أي أعترف وأقر، يريد الاعتراف بالنعمة والاستغفار من الذنب.

(الحارث بن سويد قال حدثنا عبد الله بن مسعود حدثني أحدهما عن النبي صلى الله عليه وسلم والآخر عن نفسه) لم يبين المرفوع فيه من الموقوف، وقد رواه مسلم عن الحارث، فقال عن ابن مسعود سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول (( لله أشد فرحا ) ).

(لله أفرح) الفرح غير جائز في حق الله تعالى ولكنه بمعنى الرضا، أي لله أرضى وأقبل له من كذا، كقوله تعالى {كل حزب بما لديهم فرحون} [المؤمنون 53] أي راضون.

(سقط على بعيره) كذا للبخاري، ورواه مسلم (( استيقظ على بعيره ) )، والصواب الأول.

مهلكة بفتح الميم واللام أي يهلك سالكها بلا زاد ولا راحلة ... ضم الميم وكسر اللام انتهى كلام الزركشي.

أقول قوله وجد مهلكة أي يهلك سالكها بلا زاد ولا ماء ولا راحلة ولهذا سميت مفازة من قولهم فوز الرجل إذا هلك وقال ثعلب يقال مهلكة وتهلكة قال الجوهري المهلكة والمهلكة المفازة أقول وقيل سميت المهلكة مفازة بفاء لا باسم ضده كما يقال ... تسليم ... حسام.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت