فهرس الكتاب

الصفحة 799 من 3844

32 -باب قول النبي صلى الله عليه وسلم (( يعذب الميت ببعض بكاء أهله ) )إلى آخره

وذكر عن أسامة بن زيد، قال أرسلت ابنة النبي صلى الله عليه وسلم ... الحديث بطوله.

وعن أنس شهدنا بنتًا لرسول الله صلى الله عليه وسلم ... الحديث.

وعن ابن أبي مليكة توفيت ابنة لعثمان بمكة ... الحديث.

وعن أبي بردة عن أبيه قال لما أصيب عمر جعل صهيب يقول ... الحديث.

أما قوله قول النبي صلى الله عليه وسلم (( يعذب الميت ببعض بكاء أهله عليه ) )فذكره بعده مسندًا، وأما قوله (( إذا كان النوح من سنته ) )كذا في [1] الدمياطي، وفي بعض النسخ (( باب إذا كان النوح من سنته ) )وضبطه بالنون ثم مثناة فوق.

قال صاحب (( المطالع ) )وهو عند أكثر الرواة أي مما سنه واعتاده، إذا كان من العرب من يأمر بذلك أهله، وهو الذي تأوله (خ) ، وهو أحد التأويلات في الحديث، ولبعضهم بالباء الموحدة المكررة أي من أجله.

وذكر عن محمد بن ناصر السلامي أن الأول تصحيف والصواب الثاني، وأي سنة للميت؟ وأما حديث (( كلكم راع ) )فسيأتي مسندًا من حديث ابن عمر. وأما قول عائشة في (( فإذا لم يكن من سنته ) )فهو كما قالت عائشة فيأتي في الباب مسندًا.

وأما حديث (( لا تقتل نفس ظلمًا ) ). فيأتي مسندًا في الديات والاعتصام وخلق آدم من حديث ابن مسعود. وأما حديث أسامة فأخرجه (م) . وقول (خ) (( ثنا عبدان ) )ومحمد هو ابن مقاتل، ويأتي في الطب أيضًا والنذور والتوحيد، وأخرجه أيضًا (د، ن، ق) .

وأما حديث أنس فهو من أفراده، وقال فليح بن سليمان أراه يعني الذنب، وقال في آخر {وليقترفوا} [الأنعام113] ليكتسبوا، وفي رواية للفريابي في (( مسنده ) ) (( لا يدخل القبر رجل قارف الليلة أهله ) )فلم يدخل عثمان القبر. وأما حديث ابن أبي مليكة وأبي بردة عن أبيه وعائشة فأخرجهما (م) أيضًا.

وبنت رسول الله صلى الله عليه وسلم المرسلة ذكر ابن بشكوال وغيره أنها زينب، والابنة المتوفاة أم كلثوم، ماتت سنة تسع. وفي (( تاريخ(خ) الأوسط ))لما ماتت رقية بنت رسول الله قال رسول الله (( لا يدخل القبر رجل قارف ) )فلم يدخل عثمان القبر. قال (خ) لا أدري ما هذا؟ النبي لم يشهد رقية، أي لأنها ماتت وهو ببدر.

وقال الطبري روى أنس أنه عليه السلام لما نزلت أم كلثوم بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم في قبرها قال (( لا ينزل في قبرها أحد قارف الليلة ) )فذكر رقية فيه وهم، وقال الخطابي يشبه قوله شهدنا بنتًا لرسول أنها كانت ابنة لبعض بناته فنسبت إليه.

وابنة عثمان هي أم أبان كما قاله أبو عمر، لكن له ابنتان كل منهما أم أبان، فالكبرى أمها رملة بنت شيبة بن ربيعة، والصغرى أمها نائلة بنت الفرافصة، فالله أعلم أيهما.

وإرسال ابنته إليه عند موت ابنها له فوائد

1 بركة موعظته وشهوده.

2 لما ترجو لنفسها من الصبر عند رؤيته.

3 لئلا يظن حاسد أنه ليس لها عنده كبير مكان.

قولها (( إن ابنًا لي قبض ) )تريد قارب ذلك لا جرم، قال ابن ناصر حضر. وفي رواية أخرى للبخاري (( احتضر ) ). وفي أخرى له (( ابنتي قد حضرت ) ). والابن لا أعلم اسمه، ومن خط الدمياطي اسمه علي، والبنت اسمها أميمة. وقيل أمامة بنت أبي العاصي بن الربيع. ذكرها ابن بشكوال.

قوله (( فأرسل يقرئ السلام ) )هو بضم الياء، وروي بفتحها. قال ابن التين ولا وجه له إلا أن يريد يقرأ عليك. فيحتمل أن يكون فعل ذلك؛ لشغل كان فيه؛ أو لئلا يرى ما يوجعه؛ لأنه كان بالمؤمنين رفيقًا، فكيف بذريته؟! ولما ص 1331 يرى من يوجع أمه، فلما عزمت عليه رأى إجابتها.

قوله (( إن لله ما أخذ ) )أي له الخلق كله، وبيده الأمر كله، وإليه يرجع الأمر كله.

قوله (( ونفسه تتقعقع كأنها شن ) )الشن السقاء البالي، وضبطه بعضهم بكسر الشين، وليس بشيء، وقعقعته صوته عند التحريك، وذلك ما يكون من المحتضر من تصعيد النفس، وفي رواية كأنها شنة.

قوله (( هذه رحمة جعلها الله في قلوب عباده ) )وفي لفظ (( في قلوب من شاء من عباده ) )وقد صح أن الله تعالى خلق مائة رحمة، فأمسك عنده تسعًا وتسعين وجعل في عباده رحمة، بها يتراحمون ويتعاطفون وتحن الأم على ولدها، فإذا كان يوم القيامة جمع تلك الرحمة إلى التسعة والتسعين، فأظل بها الخلق، حتى إن إبليس رأس الكفر يطمع لما يرى من رحمة الله تعالى.

قوله (( ورسول الله جالس على القبر ) )الظاهر والله أعلم أن المراد جالس بجانبه، واستدل به ابن التين على إباحة الجلوس على القبر، وهو قول مالك، وزيد بن ثابت وعلي، وقال ابن مسعود وعطاء لا تجلس عليه.

وبه قال الشافعي والجمهور لقوله عليه السلام (( لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها ) ).

وقوله (( لأن يجلس أحدكم على جمرة فتحرق ثيابه فتخلص إلى جلده خير له من أن يجلس على قبر ) )أخرجها (م) .

فرع لا يوطأ أيضًا إلا لضرورة ويكره أيضًا الاستناد إليه احترامًا.

قوله (( فرأيت عينيه تدمعان ) )هو بفتح الميم، قال ابن التين المشهور في اللغة أن ماضيه دمع بفتح الميم، فيجوز في مستقبله تثليث العين، وذكر أبو عبيد لغة أخرى أن ماضيه مكسور العين فينبغي الفتح في المستقبل، وفعله عليه السلام هذا دال على أن النهي عن البكاء إنما هو عن الصياح كما سيأتي.

وفيه استحباب إدخال القبر الرجال ولو كانت الميتة امرأة؛ لأنه يحتاج إلى قوة، وهم أحرى بذلك، وأيضًا لا يخشى عليهم انكشاف العورة، وقد أمر الشارع أبا طلحة أن ينزل في القبر المذكور.

ومعنى (( لم يقارف ) )بالقاف ثم بالفاء في آخره، قد أسلفنا عن فليح أنه قال أي لم يذنب. وقيل لم يجامع أهله، وهو أظهر، وإنما أراد بعد الطهارة لما يرجى في ذلك للمنزولة في قبرها، وعلل أيضًا بأنه حينئذ يقرب بالتلذذ بالنساء، والمدفونة امرأة، فخاف عليه أن يذكره الشيطان ما كان فيه تلك الليلة [2] ، ويقال إن تلك الليلة بات عثمان عند بعض جواريه فأطلع الله تعالى نبيه على ذلك، فمنعه من النزول في قبرها؛ لأنه لم ينظر في نفسه انقطاع صهارته من سيد الخلق في الصورة، ولا تألم لفراق زوجته، ولا استحب حكاية هذا، وهو من حسن لطفه أنه لم يؤاخذ أحدًا بما فعل ولكن يعرض.

فرع لو تولى النساء حل ثيابها في القبر فحسن، نص عليه في (( الأم ) ).

وفيه دلالة على أنه ليس بذي محرم منها، وأنه إن لم يكن ذو محرم فيختار منهم من يدليها، قاله ابن التين، قال ويحتمل أن يكون عليه السلام نزل في قبرها واستعان بمن دلاها معه.

وحديث عمر وابنه (( إن الميت يعذب ببكاء الحي ) )وإنكار عائشة بقولها رحم الله عمر إلى آخره.

وفي لفظ قالت ما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم قط (( إن الميت يعذب ببكاء أهله ) )ولكنه قال (( إن الكافر يزيده الله ببكاء أهله عذابًا ) ). وقد جاء بألفاظ أخر عن عمرو عن عائشة هذا الحديث وكلها في الصحيح. ص 1332

وأجاب بعضهم بأن حديث عمر وابنه مجمل فسرته عائشة وفيه نظر من وجوه بينها ابن الجوزي

1 أن الذي روته حديث وهذا حديث ولا تناقض بينهما، بل لكل واحد منهما حكمه.

2 أنها أنكرت برأيها، وقول الشارع عند الصحة لا يلتفت معه إلى رأي أحد.

3 أن ما ذكرته لا يحفظ عن غيرها، وحديث عمر محفوظ عنه وعن ابنه والمغيرة، وهم أولى بالضبط.

واختلف في معنى تعذيبه ببكاء أهله عليه على أقوال

أصحها وهو تأويل الجمهور أنه محمول على من أوصى به، كما كانت العرب تفعله؛ لأنه بسببه وهو منسوب إليه، وإليه ذهب (خ) في قوله إذا كان النوح من سنته أو من سببه على ما سلف، وهو قول الظاهر، وأنكروا قول عائشة وأخذوا بالأحاديث السالفة.

2 أنه يعذب بسماعه بكاء أهله، ويرق لهم ويسوؤه إتيانه ما يكره ربه، قال القاضي وهو أولى الأقوال.

قال الطبري والدليل على أن بكاء الحي على الميت تعذيب من الحي له لا تعذيب من الله ما رواه عون عن خلاس بن عمرو، عن أبي هريرة قال إن أعمالكم تعرض على أقربائكم من موتاكم فإن رأوا خيرًا فرحوا به، وإن رأوا شرًا كرهوه، وإنهم ليستخبرون الميت إذا أتاهم من مات بعدهم، حتى إن الرجل ليسأل عن امرأته أتزوجت أم لا؟

3 كانوا يعددون في نواحهم جرائم الموتى ويظنونه محمودًا كالقتل وشن الغارات، فهو يعذب بما ينوحون به عليه، وقيل يقال للميت إذا ندبوه أكنت كذاك؟ فذاك التوبيخ عذاب.

4 إن قوله (( ببكاء ) )أي عند بكاء أهله يعذب بذنبه، قال القاضي حسين يجوز أن يكون الله قدر العفو عنه، إن لم يبكوا عليه، فإذا بكوا وندبوا وناحوا عذب بذنبه لفوات الشرط [3] .

5 أنه محمول على الكافر وغيره من أصحاب الذنوب.

6 أنه مخصوص بشخص بعينه، ذكره القاضي أبو بكر بن الطيب احتمالًا، وذهبت عائشة إلى أن أحدًا لا يعذب بفعل غيره، وهو إجماع للآية السالفة {ولا تزر وازرة وزر أخرى} [الأنعام164] .

وقوله (( {ولا تكسب كل نفس إلا عليها} ) ) [الأنعام164] وكل حديث أتى فيه النهي عن البكاء فمعناه البكاء الذي يتبعه الندب والنياحة عند العلماء، فإنه إذًا يسمى بكاء؛ لأن الندب على الميت كالبكاء عليه، فإن البكاء بالمد الصوت. وبالقصر الدمع، كما نص عليه الخليل والأزهري والجوهري وغيرهم.

ولا إشكال في تعذيب الحي بذلك للنهي عنه، وأما تعذيب الميت فقد علمت ما فيه، وحكى الخطابي عن بعض أهل العلم أن معظم عذاب المعذب في قبره يكون عند نزوله لحده، وما ذهبت إليه عائشة أشبه بدلائل الكتاب، وما زيد في عذاب الكافر باستيجابه لا بذنب غيره؛ لأنه إذا بكي عليه تذكر فتكاته وغاراته، فهو مستحق للعذاب بذلك، وأهله يعدون ذلك من فضائله، وهو يعذب من أجلها، فإنما يعذب بفعله لا ببكاء أهله عليه، هذا معنى قول عائشة إن الله يزيد الكافر عذابًا ببكاء أهله عليه.

وهو موافق لقوله تعالى {ولا تزر وازرة وزر أخرى} واختلف في معنى هذه الآية، فقيل إن المذنب لا يؤخذ غيره بذنبه. وقيل لا يعمل المرء بالإثم اقتداء بغيره كقول الكفار {إنا وجدنا آباءنا على أمة} [الزخرف22] . ص 1333

وإذا أول الحديث السالف، خرج عن معنى ما أنكرته، ولكن تأويل عمر في قوله لصهيب أتبكي علي؟ ثم ذكر الحديث يدل على أن الحديث محمول على ظاهره لا كما فهمت عائشة.

قال والدي رحمه الله تعالى

قوله (( من سنته ) )أي من طريقته وعادته وجه الاستدلال بالآية أن الشخص إذا كان نائحًا فأهله يقتدون به فهو صار سببًا لنوح الأهل فما [وقى] أهله من النار فخالف الأمر فيعذب بذلك، وبالحديث أنه ما رعى نفسه حيث ناح ولا رعيته؛ أي أهله لأنهم يتعلمون منه ويقتدون به، ويحتمل أنه أراد بالسنة الوصية.

قوله (( كما قالت عائشة ) )أي مستدلة بقوله تعالى {ولا تزر وازرة} على أنه لا يعذب به، ومعنى هذه الآية لا تحمل نفس حاملة حمل أخرى أي لا تؤاخذ نفس بغير ذنبها، ومعنى الثانية أن لا غياث يومئذ لمن استغاث لكنهما متلازمان.

قوله (( وما يرخص ) )إما عطف على أول الترجمة وإما على ما قالت؛ أي فهو كما يرخص في عدم العذاب و (( الكفل ) )النصيب وهو أيضًا دليل على أن الميت يعذب بنياحة أهله إذا كان هو ينوح في حياته؛ لأنه سن النياحة في أهله.

والحاصل أن المراد بالبكاء المعذب به الذي معه النوح، ثم إنه أراد الجمع بين ما يدل على أن الشخص لا يعذب بفعل غيره، وبين ما يدل على نقيضه فقال يعذب إذا كان هو الفاعل لذلك في حياته؛ لأن فعله صار سنة لأهله، وكأنه هو السبب لذلك حيث سنه وعلمهم ذلك، ولم يعذب إذا لم يفعل ذلك ولم يكن من طريقته.

قوله (( تتقعقع ) )أي تضطرب وتتحرك وهو حكاية حرك يسمع منها صوت و (( الشن ) )القربة اليابسة والجمع الشنان، وفي المثل لا يقعقع لي بالشنان.

فإن قلت ما وجه الجمع بينه وبين ما سبق أنه قبض؟ قلت أطلق القبض عليه مجازًا باعتبار أنه كان في النزع ومآله.

قوله (( هذا ) )أي فيضان العين كأنه استغرب ذلك منه لأنه يخالف ما عهد منه من مقاومة المصيبة بالصبر فقال (( إنها رحمة ) )أي أثر رحمة (( جعلها الله في قلوب عباده ) )أي رحمة على المقبوض تنبعث عن المتأمل فيما بنو عليه وليس مما توهمت من الجزع وقلة الصبر ونحوه.

قوله (( يقارف ) )الخطابي معناه لم يذنب وقال بعضهم لم يقرب أهله أي لم يجامعها.

وفيه أن للرجل أن يتولى شأن دفن البنت. وبكاءه صلى الله عليه وسلم يدل على أن النهي عن البكاء إنما وقع عن الصياح على الميت والقول المنكر [4] .

قال والدي رحمه الله تعالى وفيه الجلوس على القبر ونزول الرجل الأجنبي قبر النساء بإذن الولي والتوسل بالصالحين في أمثاله.

فإن قلت ما الحكمة فيه إذا فسر المقارفة بالمجامعة؟ قلت لعلها هي أنه لما كان النزول في القبر لمعالجة النساء لم يرد أن يكون النازل قريب العهد بمخالطة النساء لتكون نفسه مطمئنة ساكنة كالناسية للشهوة.

ويروى أن هذه البنت هي أم كلثوم امرأة عثمان، وعثمان في تلك الليلة باشر جارية له فعلم رسول الله بذلك، فلم يعجبه حيث شغل عن المريضة المحتضرة بها، فأراد أنه لا ينزل في قبرها معاتبة عليه فكنى به عنه.

قال ابن عبد البر في ترجمة أم كلثوم استأذن أبو طلحة رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ينزل في قبرها فأذن له.

قوله (( جالس بينهما ) )فيه دليل على جواز الجلوس والاجتماع لانتظار الجنازة، وأما جلوسه بينهما وهما أفضل منه مع أن الأدب أن المفضول لا يجلس بين الفاضلين فمحمول على عذر إما لأن ص 1334 ذلك الموضع أوفق بالجاني وإما لغيره.

قوله (( ثم حدث ) )أي ابن عباس (( والبيداء ) )هي المفازة، والمراد بها ههنا مفازة خاصة بين مكة والمدينة (( والركب ) )أصحاب الإبل في السفر وهم العشر فما فوقها و (( السمرة ) )بضم الميم شجرة عظيمة من شجر العضاه.

و (( صهيب ) )بضم المهملة (( ابن سنان ) )بالنونين كان من النمر بفتح النون ابن قاسط بالقاف كانوا بأرض الموصل فأغارت الروم على تلك الناحية فسبته، وهو غلام صغير فنشأ بالروم واشتراه عبد الله بن جدعان بضم الجيم وسكون المهملة الأولى التيمي فأعتقه ثم أسلم بمكة وهو من السابقين الأولين المعذبين في الله وهاجر إلى المدينة ومات بها سنة ثمان وثلاثين.

قوله (( فألحق ) )بلفظ الأمر من الحقوق (( وأصيب ) )أي جرح الجراحة التي هلك فيها، وكلمة (( وا ) )في را أخاه للندبة والألف في آخره ليس مما يلحق الأسماء الستة لبيان الإعراب بل هو مما يزاد في آخر المندوب لتطويل مد الصوت والهاء ليس ضميرًا بل هو هاء السكت وشرط المندوب أن يكون معروفًا فلابد من القول بأن الأخوة والصاحبة له كانا معلومين معروفين حتى يصح وقوعهما للندبة.

قوله (( رحم الله عمر ) )هو من الآداب الحسنة على منوال قوله تعالى {عفا الله عنك} جعلت قولها تمهيدًا أو دفعًا لما يوحش من نسبته إلا ما لا يليق به.

قوله (( حسبكم ) )أي كافيكم.

فإن قلت كيف جزمت عائشة رضي الله عنها بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يحدث به؟ قلت لعلها سمعت صريحًا من رسول الله اختصاص العذاب بالكافر أو فهمت بالقرائن الاختصاص.

فإن قلت الآية عامة للمؤمن والكافر ثم إن زيادة العذاب عذاب فكما أن أصل العذاب لا يكون بفعل غيره فكذا زيادته فلا يتم استدلالها بالآية. قلت العادة فارقة بين الكافر والمؤمن فإنهم كانوا يوصون بالنياحة بخلاف المؤمنين فلفظ الميت وإن كان مطلقًا مقيد بالموصى وهو الكافر عرفًا وعادة.

قوله (( هو أضحك وأبكى ) )فإن قلت ما الغرض له من هذا الكلام في هذا المقام؟ قلت لعل غرضه أن الكل بخلق الله وإرادته، والأولى فيه أن يقال بظاهر الحديث وإن له أن يعذبه بلا ذنب ويكون البكاء عليه علامة لذلك أو يعذبه بذنب غيره لا سيما وهو السبب في وقوع الغير فيه ولا يسئل عما يفعل وتخصيص آية الوزارة بيوم القيامة.

الطيبي غرضه تقرير قول عائشة أي إن بكاء الإنسان وضحكه من الله يظهر فيه فلا أثر له في ذلك فعند ذلك سكت ابن عمر وأذعن.

فإن قلت كيف لم يؤثر في المؤمن وقد أثر في حق الكافر؟ قلت المؤمن لا يرضى بالمعصية سواء صدر منه أو من غيره بخلاف الكافر.

قوله (( شيئًا ) )أي بعد ذلك يعني ما رد كلامه.

النواوي أنكرت عائشة روايتهما ونسبتهما إلى النسيان والاشتباه وأولت الحديث بأن معناه يعذب بذنبه في حال بكاء أهله لا بسببه لحديث اليهودية.

قوله (( علمت ) )هو صريح في أن الحكم ليس خاصًا بالكافر قال القرافي الأولى أن يقال سماع صوت البكاء هو نفس العذاب كما أنا معذبون ببكاء الأطفال، فيبقى الحديث على ظاهره بلا تخصيص وتكلف.

قال والدي رحمه الله تعالى

له وجه آخر بأن يقال جاز التعذيب بفعل الغير في الدنيا كقوله تعالى ص 1335 {واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة} وكذا في البرزخ، وأما آية الوازرة فإنما هي في يوم القيامة فقط وهذان الوجهان أحسن الوجوه الثمانية في توجيه الحديث إذ في البواقي تكلف ما في لفظ الميت بأن يخصص بمن كانت النياحة سنته أو بالموصي أو بالراضي بها وإما في يعذب بأن يفسر بيحزن وإما في الباء بأن تجعل للظرفية التي هي خلاف المتبادر إلى الذهن، وأما في البكاء بأن يجعل مجازًا عن الأفعال المذكورة فيها فتأمل الأجوبة واحفظها، فإن أمثال هذا التحقيق من خواص هذا الكتاب.

الزركشي

قوله (( من سنته ) )حمل للنهي على ذلك أي أنه يوصي بذلك فيعذب بفعل نفسه، وقيل معناه الحزن والتنكيد بسماع بكائهم كقوله (( السفر قطعة من العذاب ) )، وقيل الباء باء الحال، والتقدير يعذب عند بكاء أهله؛ أي يحضر عذابه عند البكاء وعلى هذا تكون قضية في عين.

قوله (( نعي ) )بياء مشددة وبتخفيفها مع إسكان العين، خبر الموت.

قوله (( وكل ) )بالرفع على الابتداء وروي بالنصب عطفًا على اسم (( إن ) ).

(( ونفسه تتقعقع ) )كذا وقع هنا بتاءين، وذكره ابن الأثير (( تقعقع ) )بتاء واحدة، وقال معناه تضطرب وتتحرك أي كلما صار إلى حالة لم يلبث أن ينتقل إلى أخرى لقربه من الموت، والقعقعة حكاية أصوات الجلود اليابسة ونحوه، وفي رواية (خ) في باب عيادة الصبيان (( تقلقل ) ).

(( وإنما يرحم الله من عباده الرحماء ) )يجوز في الرحماء النصب على أن (( ما ) )كافة كقوله تعالى {إنما حرم عليكم} قلت والرفع على تقدير إن الذي يرحمه الله الرحماء وأفرد على معنى الجنس.

قوله (( لم يقارف الليلة ) )يعني يكتسب الذنب، وقيل لم يجامع وأنكره الطحاوي، وقال معناه لم يقاول الليلة لأنهم كانوا يكرهون الحديث بعد العشاء.

قوله (( يبكين على أبي سليمان ) )هو خالد بن الوليد.

قوله (( ولكن رسول الله ) )بإسكان نون (( لكن ) )وتشديدها.

أقول قال أبو البقاء عبد الله بن الحسين البكري البغدادي الحنبلي وقد سئل أيجوز في قوله صلى الله عليه وسلم (( إنما يرحم الله من عباده الرحماء ) )النصب الرفع، وقد زعم بعضهم أن رفع الرحماء غير جائز.

فأجاب أن الوجهين جائزان أما النصب فله وجهان أقواهما أن تكون ما كافة لأن يتعين الفضل. والوجه الثاني أن تكون ما زائدة و (( إن ) )بمعنى (( نعم ) )فإن قيل إنما يكون ذلك جوابًا للكلام ولم يسبق ما يجاب عنه بنعم قلنا إن لم يسبق لفظًا فهو سابق تقديرًا وأما الرفع فإنه جائز جوازًا حسنًا من وجوه

أحدها أن تكون ما بمعنى الذي، فإن قلت يلزم منه أن تكون ما لمن يعقل قلنا قد استعمل بمعنى من.

ثانيهما أن تكون ما نكرة موصوفة وترحم صفة لها والرحماء خبر والعائد محذوف.

ثالثها أن تكون ما مصدرية فهي بما ذكرنا دهاء من منع الرفع والرحماء إعرابًا، هذا ملخص كلام

أبي البقاء رحمه الله تعالى في هذا الحديث.

[1] في هامش المخطوط (( في(ط) في نسخة )).

[2] في هامش المخطوط (( أقول هذه العلة تتجه في غير عثمان وهو زوجها ) ).

[3] في هامش المخطوط (( أقول ما قاله القاضي حسين فيه نظر فإنه يصير من باب عذابه بذنب غيره، والله تعالى قال {ولا تزر وازرة وزر أخرى} ) ).

[4] في هامش المخطوط (( أقول فإن قلت عثمان لم يفعل فعلًا غير جائز فالشارع صلى الله عليه وسلم كيف يعاينه لأمر جائز في شرعه قلت لم يعاينه لكونه غير جائز ولكنه كان اللائق بعثمان أن لا يفعل ذلك إلزامًا لجانبه صلى الله عليه وسلم ويوافق النبي صلى الله عليه وسلم في الحزن عليها والحزين لا شهوة له في الحزن ) ).

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت