فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
33 -باب احتساب الآثار
فيه حديث أنس (( يا بني سلمة، ألا تحتسبون آثاركم؟! ) ).
زاد في أواخر الحج (( فأقاموا ) )، وهذا الحديث المعلق، في بعض نسخ (خ) مسندًا، وأخرج (م) من حديث جابر.
وفي أخرى (( يا بني سلمة دياركم ) )مرتين، وفي ابن ماجه من حديث ابن عباس فنزلت {ونكتب ما قدموا وآثرهم} [يس12] .
معنى يعروا أي المدينة يتركونها عراء أي فضاء خالية، قال تعالى {فنبذنه بالعرآء} [الصافات145] ، أي موضع خالٍ.
قال ابن سيده هو المكان الذي لا يستتر فيه بشيء، وقيل الأرض الواسعة، وجمعه أعراء، وفي (( الغريبين ) )الممدود المتسع من الأرض، قيل له ذلك؛ لأنه لا شجر فيه ولا شيء يغطيه، والعرى مقصورا الناحية، فكره عليه الصلاة والسلام أن تعرى وأحب أن تعمر؛ ليعظم المسلمون في أعين الكفار والمنافقين إرهابًا وغلظا عليهم. وبنو سلمة بكسر اللام بطن من الأنصار.
قال القزاز والجوهري وليس في العرب سلمة غيرهم. وليس كما ذكرا ففيهم جماعات غيرهم، ذكر بعضهم ابن ماكولا والدمياطي وابن حبيب و (( النوادر ) )لأبي علي الهجري، وقال لا يزيدون على أربعة وعشرين رجلا.
معنى (( ألا تحتسبون ) )تطلبون وجه الله وثوابه، والآثار الخطوات، وقد فسره في الحديث، وذكر أيضًا عن الحسن، كما ذكره (خ) عن مجاهد، ومعناه الزموا دياركم فإنكم إذا لزمتموها كتبت آثاركم وخطاكم إلى المسجد.
فحثهم على لزوم الديار واحتساب الآثار، واستشعار النية، وخلوصص 923 الأمنية في سعيهم، ودخل في معنى ذلك كل ما يصنع الله من قليل وكثير أن يراد به وجهه ويخلص له فيه، فهو الذي يزكو وينتفع به.
ويستنبط منه فضل المقاربة بين الخطى في المشي إلى الصلاة على الإسراع، وفضل البعد من المسجد، فلو كان بجواره مسجد ففي المجاوزة إلى الأبعد قولان.
وذكر عن ابن وهب أنه يمضي إلى الجامع وإن تعطل مسجده.
وروي عن أنس أنه كان يتجاوز المساجد المحدثة إلى المساجد القديمة، وروي عن بعضهم خلاف ذلك.
قال والدي رحمه الله تعالى
قوله (( ألا تحتسبوا ) )فإن قلت ما وجه سقوط النون منه. قلت جوز النحاة إسقاط النون بدون ناصب ولا جازم.
(( والآثار ) )هي الخطا ومعناه ألا تعدون خطاكم عند مشيكم إلى المسجد فإن لكل خطوة ثوابا.
(( قريبا ) )أي منزلا قريبًا، أو معناه قريبين والفعل الذي يستوي فيه المذكر والمؤنث يستوي فيه أيضًا الإفراد والتثنية والجمع.
قوله (( يعروا ) )أي كره رسول الله صلى الله عليه وسلم إعراءهم المدينة وإخلاءهم منازلهم بها وكانت منازلهم على بعد من المسجد يجهدهم سواد الليل ووقوع الأمطار، فأرادوا أن ينتقلوا إلى قرب المسجد فكره النبي صلى الله عليه وسلم ذلك فرغبهم فيما عند الله من الأجر على نقل الخطوات إلى المسجد. انتهى كلام والدي رحمه الله.
أقول
فإن قلت هم أرادوا أن ينتقلوا من بعد المسجد إلى قربه وفي قربهم كان يزداد جماعة المسلمين بقرب مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ويزداد قوتهم. قلت قدم مصلحتهم وهو حصول ثواب نقل الخطى على مصالح غيرهم وقصد صلى الله عليه وسلم بسبب هذه القضية بيان هذه الفضيلة بنقل الخطى إلى المساجد من بعد وترغيب الناس إلى حضور الجماعات وإن كانوا في بعد عنها ولا يحتج أحد عن التخلف عن الجماعة ببعده عن المسجد لما يحصل له بذلك من الثواب الجزيل.