فيه حديث عبادة بن الصامت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (( وحوله عصابة من أصحابه بايعوني ) )الحديث. هكذا وقع في هذا الباب في (خ) غير مضاف وهو صحيح.
وأخرج (خ) أعني هذا الحديث في خمسة مواضع هنا والمغازي والأحكام وفي وفود الأنصار وفي الحدود، وأخرجه (م) في الحدود وأبو اليمان وشعيب والزهري سلفوا.
وعبادة هو أبو الوليد عبادة بن الصامت بن قيس بن أصرم الأنصاري الخزرجي، شهد العقبتين، وبدرًا وأحدًا، وبيعة الرضوان والمشاهد كلها.
روي له مائة حديث وأحد وثمانون حديثًا، اتفقا منها على ستة، وانفرد كل واحد بحديثين. روى عنه جمع من الصحابة منهم أنس وغيره منهم بنوه الوليد وعبد الله وداود، وهو أول من ولي قضاء فلسطين ولاه عمر مات بالشام سنة أربع وثلاثين عن ثنتين وسبعين سنة، وقبره ببيت المقدس، وقيل بالرملة.
عبادة بن الصامت فرد في الصحابة، وفيهم عبادة بدون ابن الصامت اثني عشر نفسًا.
والراوي عنه هو أبو إدريس عائذ الله بذال معجمة قبلها همزة بن عبد الله بن عمرو الخولاني الدمشقي، سمع خلقًا من الصحابة منهم عبادة وأبو ذر، وعنه جمع من التابعين منهم الزهري ومكحول. وقال ما أدركت مثله، ولد يوم حنين ومات سنة ثمانين. تقضى بدمشق وكان من عبادهم وقرائهم، وهذا من رواية القضاة بعضهم عن بعض أبو إدريس عن عبادة. ص 136
وذكر (خ) هذا الحديث هنا؛ لأن الأنصار لهم من السبق إلى الإسلام بهذه المبايعة التي عقدت على الإسلام مع أن المهاجرين كانوا أسلموا ولم يبايعوا مثلها، فالأنصار هم المبتدئون بالبيعة على إعلام توحيد الله وشريعته حتى يموتوا، فحبهم علامة الإيمان مجازاة لهم على حبهم من هاجر إليهم، ومواساتهم لهم في أموالهم، واتباعًا لحب الله تعالى. قال تعالى {قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله} [آل عمران31] وكان الأنصار ممن تبعه أولًا، فوجبت لهم محبة الله، ومن أحبه الله وجب على العباد حبه.
والنقباء واحدهم نقيب وهو الناظر على القوم. ونقباء الأنصار هم الذين تقدموا لأخذ البيعة لنصرة النبي صلى الله عليه وسلم.
وهذه العقبة هي التي بمنًى التي تنسب إليها جمرة العقبة. وقد كان بهذه العقبة بيعتان لرسول الله صلى الله عليه وسلم بايع الأنصار فيهما على الإسلام، ويقال فيهما العقبة الأولى والعقبة الثانية. وكانت الأولى أول بيعة عقدت على الإسلام، وكان المبايعون في الأولى اثني عشر رجلًا من الأنصار كما ذكره النووي ويأتي خلافه ثم كانت العقبة الثانية في السنة التي تليها، وكانوا في الثانية سبعين رجلًا من الأنصار أيضًا، كما ذكره.
وإيضاح ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعرض نفسه على القبائل، فلقي رهطًا من الخزرج ستة عند العقبة في الموسم فقال (( ألا تجلسون أكلمكم؟ ) ). فعرض عليهم الإسلام، وكانت يهود أهل كتاب وعلم، وكانوا أهل شرك وأوثان، وكانوا قد غزوهم في بلادهم، فكانوا إذا كان بينهم شيء قالوا لهم إن نبيًا يبعث الآن قد أطل زمانه نتبعه فنقتلكم معه قتل عاد وإرم.
فلما كلم رسول الله صلى الله عليه وسلم أولئك النفر قال بعضهم لبعض تعلموا والله إنه للنبي الذي توعدكم به يهود، فلا يسبقنكم إليه. فأجابوه وصدقوه. وقالوا إنا تركنا قومنا وبينهم حروب، فننصرف وندعوهم إلى ما دعوتنا إليه، وعسى الله أن يجمعهم بك، فإن يجمعهم الله عليك فلا رجل أعز منك. فانصرفوا إلى المدينة، ودعوا إلى الإسلام حتى فشا فيهم، ولم تبق دار من دور الأنصار إلا وفيها ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم.
والستة هم أسعد بن زرارة، وعوف بن الحارث وهو ابن عفراء، ورافع بن مالك بن العجلان، وقطبة بن عامر، وعقبة بن نابي، وجابر بن عبد الله بن رئاب، ومنهم من يسقط جابرًا ويجعل بدله عبادة بن الصامت.
فلما كان العام المقبل قدم مكة من الأنصار اثنا عشر رجلًا منهم خمسة من الستة المذكورين فلم يكن فيهم جابر والسبعة الباقون معاذ بن الحارث وهو ابن عفراء أخو عوف، وذكوان بن قيس قتل يوم أحد وعبادة بن الصامت، ويزيد بن ثعلبة، والعباس بن عبادة بن فضلة.
ومن الأوس أبو الهيثم بن التيهان، وعويم بن ساعدة، فبايعهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عند العقبة على بيعة النساء، ولم يكن أمر بالقتال بعد، فلما انصرفوا بعث معهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ابن أم مكتوم، ومصعب بن عمير يعلمانهم ويدعوانهم إلى الإسلام، فكان مصعب ويدعى القارئ يؤمهم، وجمع بهم في حرة بني بياضة، وهم أربعون رجلًا، وهي أول جمعة جمعت ص 137 في الإسلام.
وكان مصعب نزل على سعد بن زرارة، وإنما كان يؤمهم؛ لأن الأوس والخزرج كره بعضهم أن يؤمه بعض. وذكر ابن إسحاق أن أول من جمع بهم أسعد بن زرارة، ورواه عنه أبو داود وابن ماجه وابن حبان في (( صحيحه ) )، والحاكم في (( مستدركه ) ). فأسلم على يد مصعب خلق، منهم
سعد بن معاذ، وأسيد بن حضير. ثم لقيه ثلاثة وسبعون رجلًا وامرأتان في الموسم، وواعدوه العقبة من أوسط أيام التشريق.
فلما فرغوا من الحج، وكانت الليلة، خرجوا من الميعاد فبايعوا النبي صلى الله عليه وسلم على أن يمنعوه مما يمنعوا منه أنفسهم ونساءهم وأبناءهم، وأن يرحل إليهم هو وأصحابه، وحضر العباس ذلك وهو على دين قومه، فتكلم العباس، فقالوا تكلم يا رسول الله، خذ لنفسك ولربك ما أحببت. فتكلم صلى الله عليه وسلم وتلا القرآن، ودعا إلى الله، ثم قال (( أبايعكم على أن تمنعوني ما تمنعون منه نساءكم وأبناءكم ) ).
فأخذ البراء بن معرور بيده ثم قال نعم، فوالذي بعثك بالحق لنمنعك ما نمنع منه أرواحنا، فبايعنا يا رسول الله فنحن والله أبناء الحروب وأهل الحلقة ورثناها كابرًا عن كابر.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم (( أخرجوا إلي منكم اثني عشر نقيبًا ) )وهم أسعد بن زرارة، وسعد بن الربيع، وعبد الله بن رواحة، ورافع بن مالك بن العجلان، والبراء بن معرور، وعبد الله بن عمرو بن حرام، وسعد بن عبادة، والمنذر بن عمرو بن حرام، وعبادة بن الصامت، فهؤلاء من الخزرج.
وثلاثة من الأوس أسيد بن حضير، وسعد بن خيثمة، ورفاعة بن عبد المنذر. ومن المشهور من السبعين ابن الهيثم، ورفاعة بن منذر، وأبو بردة هانئ بن نيار، وعويم بن ساعدة، ومن الخزرج أبو أيوب الأنصاري، ومعوذ، ومعاذ، وعوف بنو الحارث وهم بنو عفراء، وأبو طلحة سهل بن زيد النجاري، وأبو مسعود الأنصاري، وبشر ابن البراء بن معرور، وكعب بن مالك، وجابر بن عبد الله والمنذر بن عمرو، وأم عمارة نسيبة، وأم منيع أسماء.
وكانت البيعة الثانية على حرب الأسود والأحمر، وجعل ثوابهم الجنة، وذلك حين أذن له في الحرب. ثم بعد هاتين البيعتين بيعة ثالثة وهي بيعة الرضوان خرج صلى الله عليه وسلم في ذي القعدة سنة ست معتمرًا فصدتهم قريش، فبعث إليهم عثمان، فبلغه أنهم قتلوه، فقال (( لا أبرح حتى نناجز القوم ) ). فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى البيعة، فكانت بيعة الرضوان تحت الشجرة، وكانوا ألفًا وخمسمائة، فروي أنه بايعهم على الموت، وأنكره جابر، وإنما بايع على أن لا نفر.
قال تعالى {لقد رضي الله عن المؤمنين} الآية [الفتح18] {وأثابهم} أي أعطاهم من أجل تلك البيعة {فتحًا قريبًا} يعني خيبر، ووعدهم {مغانم كثيرةً تأخذونها} [الفتح2] أي مستمرة إلى يوم القيامة، {وأخرى لم تقدروا عليها} [الفتح21] ، أي قتل فارس والروم، وقيل فتح مكة.
قوله وحوله عصابة يقال حوله وحواله وحواليه بفتح اللام في كلها أي محيطون به، والعصابة الجماعة.
والبهتان الكذب، يقال بهته يبهته بهتًا وبهتانًا إذا كذب عليه؛ لأنه يبهت من شدة فكره، ويبقى مبهوتًا منقطعًا. قال الجوهري بهت الرجل بالكسر إذا دهش وتحير وبهت بالضم مثله، وأفصح منهما بهت؛ لأنه ص 138 يقال رجل مبهوت، ولا يقال باهت، ولا بهيت، قاله الكسائي.
وقال القزاز وابن دريد في (( الجمهرة ) )رجل باهت وبهات. وقال الهروي البهتان هنا الإتيان بولد ينسب إلى الزوج. ويقال كانت المرأة تلقط الولد فيتبناه. وقال الخطابي معناه هنا قذف المحصنات وهو من الكبائر.
وإنما أضيف البهتان إلى الأيدي والأرجل وليس لها صنع في البهت لوجهين
1 أن معظم الأفعال تقع بهما، ولهذا أضيفت الأفعال والأكساب إليهما. قال تعالى {بما كسبت أيديكم} [الشورى3] .
2 معناه لا تبهتوا الناس بالعيب كفاحًا كما يقال فعلت هذا بين يدي فلان أي بحضرته.
قوله (( ولا تعصوا في معروف ) )هو نحو قوله تعالى {ولا يعصينك في معروف} [الممتحنة12] أي في طاعة الله؛ وقيل في كل بر وتقوى. قال الزجاج والمعنى لا يعصينك في جميع ما تأمرهن به؛ فإنك لا تأمر بغير المعروف.
النووي ويحتمل في معنى الحديث ولا تعصوني ولا أحدًا ولي عليكم من تباعي إذا أمرتم بمعروف، فيكون المعروف عائدًا إلى التباع. ولهذا قال (( تعصوا ) )ولم يقل تعصوني، ويحتمل أنه أراد نفسه فقط، وقيد بالمعروف تطييبًا لقلوبهم؛ لأنه لا يأمر إلا بالمعروف.
قوله (( فمن وفى ) )أي ثبت على ما بايع به، يقال بتخفيف الفاء وتشديدها، وفى بالعهد وأوفى ووفي ثلاثي ورباعي. ووفى الشيء ثلاثي تم. ووفت ذمتك أيضًا، وأوفى الشيء، ووفى، وأوفى الكيل، ووفاه. ولا يقال فيهما وفي ثلاثي.
قوله (( ومن أصاب من ذلك ) )... إلى آخره، المراد غير الشرك. أما الشرك فلا يسقط عنه عذابه بعقوبته عليه في الدنيا بالقتل وغيره، ولا يعفي عمن مات عليه بلا شك.
النووي فعموم الحديث مخصوص، قلت أو يؤول قوله (( ومن أصاب من ذلك شيئًا ) )أي غير الشرك المذكور أولًا.
وفيه دلالة لمذهب أهل الحق أن من ارتكب كبيرة ومات ولم يتب فهو إلى الله، إن شاء عفا عنه، وإن شاء عذبه. وحاصله أن من مات صغيرًا أو كبيرًا ولا ذنب له، بأن مات عقب بلوغه أو توبته أو إسلامه قبل إحداث معصية فهو محكوم له بالجنة بفضل الله ورحمته، ولا يدخل النار لكن يردها.
كما قال تعالى {وإن منكم إلا واردها} [مريم71] . وسيأتي معنى الورود إن شاء الله. وإن مات مصرًا على كبيرة فهو إلى الله تعالى، إن شاء عفا عنه فدخل الجنة في أول مرة، وإن شاء عاقبه في النار، ثم أخرجه فأدخله الجنة، ولا يخلد أحد في النار مات على التوحيد، وأخطأ من كفر بالذنب وهم الخوارج، ومن قال لا بد من عقاب الفاسق وهم المعتزلة.
وفيه دلالة لمذهب الأكثرين. كما نقله القاضي أن الحدود كفارة لأهلها ومنهم من وقف لحديث أبي هريرة أنه عليه السلام قال (( لا أدري الحدود كفارات ) )لكن حديث عبادة أصح إسنادًا، ويمكن أن يكون حديث أبي هريرة أولًا، قبل أن يعلم ثم أعلم، واحتج من وقف بقوله تعالى {ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم} [المائدة33] . والجواب عنه من وجهين
1 أن الآية ص 139 في الكفار على من قال ذلك.
2 أن حديث عبادة مخصصًا لها، وحكي عن القاضي إسماعيل وغيره أن قتل القاتل حد وردع لغيره، وأما في الآخرة فالطلب للمقتول قائم؛ لأنه لم يصل إليه حق، وقيل يبقى له حق التشفي.
قال ابن التين قوله (( فعوقب في الدنيا ) )يريد القطع في السرقة والحد في الزنا، وأما قتل الولد فليس له عقوبة معلومة إلا أن يريد قتل النفس، فكنى بالأولاد عنه.
قال والدي رحمه الله تعالى
ما ترجم في هذا الباب وذكره مطلقًا غير مضاف ولا بد له من تعلق بمباحث الإيمان ومناسبة بينهما فذلك إما للإعلام بأن المبايعة لم تقع إلا على ذكر التوحيد أول كل شيء إشعارًا بأنه هو أساس الأمر والإيمانية أو بأن ترك المنهيات داخل في المبايعة التي هي شعار الإيمان.
وأما القصد إلى بيان أحكام المؤمنين من الأجر والعقاب والعفو، وله أيضًا تعلق بحب الأنصار من حيث أن النقباء كانوا منهم ولمبايعتهم أثر عظيم في إعلاء كلمة الدين فلابد من محبتهم.
قوله (( النقباء ) )جمع نقيب وهو الناظر على القوم وضمينهم وعريفهم، والمراد منه نقباء الأنصار وهم الذين تقدموا لأخذ البيعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ليلتي العقبة وهم اثنا عشر رجلًا.
أحدهم عبادة بن الصامت فلقوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعقبة وهي بيعة العقبة الأولى فبايعوه بيعة النساء يعني ما قال الله تعالى {يا أيها النبي إذا جاءك المؤمنات} الآية ثم انصرفوا. وخرج في العام الآخر سبعون رجلًا منهم إلى الحج فواعدهم رسول الله صلى الله عليه وسلم العقبة أوسط أيام التشريق.
قال كعب بن مالك لما كانت الليلة التي وعدنا فيها بتنا أول الليل مع قومنا فلما استقل الناس من النوم تسللنا من فرشنا حتى اجتمعنا بالعقبة فأتانا رسول الله صلى الله عليه وسلم مع عمه العباس لا غير، فقال العباس يا معشر الخزرج إن محمدًا منا حيث علمتم وهو في منعة ونصرة من قومه وعشيرته، وقد أبى إلا الانقطاع إليكم فإن كنتم وافين بما وعدتموه فأنتم وما تحملتم، وإلا فاتركوه في قومه فتكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم داعيًا إلى الله مرغبًا في الإسلام تاليًا للقرآن فأجبناه بالإيمان فقال إني أبايعكم على أن تمنعوني بما منعتم به أبناءكم فقلنا ابسط يدك نبايعك عليه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( أخرجوا إلي منكم اثني عشر نقيبًا ) )فأخرجنا من كل فرقة نقيبًا وكان عبادة نقيب بني عوف من الخزرج وهم القوافل، وكان سعد بن عبادة والمنذر بن عمرو نقيبي بني ساعدة، وكان أبو الهيثم وأسيد بن حضير نقيبي بني عبد الأشهل، وكان سعد بن الربيع وعبد الله بن رواحة نقيبي بني الحارث بن الخزرج، وكان سعد بن خيثمة نقيب بني عمرو بن عوف، وكان البراء بن معرور وعبد الله بن عمرو نقيبي بني سلمة، وكان رافع بن مالك نقيب بني زريق، وكان أسعد بن زرارة نقيب بني النجار.
وقال ابن مندة وأبو نعيم إنه كان نقيب بني ساعدة ذكره ابن الأثير في أسد الغابة في ترجمة أسعد بن زرارة وهذه بيعة العقبة الثانية.
أقول والعصابة المذكورة في العقبة الأولى اثنا عشر رجلًا أسعد بن زرارة وعوف ومعاذ ابنا الحارث وهما ابنا عفراء وذكوان بن عبد قيس ورافع بن مالك الزرقيان وعبادة بن الصامت وعباس بن عبادة بن نضلة، ويزيد بن ثعلبة بن بلي وعقبة بن عامر فهؤلاء عشرة من الخزرج.
ومن الأوس الهيثم بن التيهان من بلي وعويم بن ساعدة فأسلموا وبايعوا على بيعة النساء، والعقبة الثانية لقيه فيها سبعون رجلًا منهم النقباء الاثنا عشر المذكورين آنفًا، وله صلى الله عليه وسلم بيعة ثالثة هي بيعة الرضوان بالحديبية ص 140 وهي بعد الهجرة بخلاف الأوليين وعبادة شهد الثلاث، والعصابة بكسر العين الجماعة من الناس لا واحد لها وهو ما بين العشرة إلى الأربعين واحد، أما من العصب التي بمعنى الشد كأنه يشد بعضهم بعضًا، ومنه العصابة الخرقة التي تشد على الجبهة، ومنه العصب كأنه يشد الأعضاء، وأما من العصب التي بمعنى الإحاطة يقال عصب فلان بفلان إذا أحاط به وهي مبتدأ وحوله منتصبًا على الظرفية خبرها، وفائدة ذكره الإعلام بأن المخاطبين العصابة وبيان مبالغة ضبطه وأنه يرويه عن تحقيق وإتيان وهكذا في وصفه بأنه شهد بدرًا وأنه أحد النقباء إذ لا شك في أن في ذكره إشعارًا بأنه ضابط مع ما فيه من زيادة ترجيح وتصحيح إذ فضل الراوي وشرفه من مرجحات الرواية ودلائل صحتها.
قوله (( بايعوني ) )المبايعة على الإسلام عبارة عن المعاقدة والمعاهدة عليه سميت بذلك تشبيهًا بالمعاوضة المالية كأن كل واحد منهما يبيع ما عنده من صاحبه فمن طرف رسول الله صلى الله عليه وسلم مثلًا وعد الثواب ومن طرفهم التزام الطاعة، وقد تعرف بأنها عقد الإمام العهد بما يأمر الناس به.
قوله (( لا تشركوا بالله شيئًا ) )أي وحدوه وهذا هو أصل الإيمان وأساس الإسلام فلهذا قدمه على أقرانه وشيئًا عام لأنه نكرة في سياق النهي لأنه كالنفي.
قوله (( لا تقتلوا أولادكم ) )فإن قلت قتل غير الأولاد أيضًا منهي عنه إذا كان بغير حق فتخصيصه بالذكر مشعر بأن غيره ليس منها. قلت هذا مفهوم اللقب وهو مردود على أنه لو كان من باب المفهومات المعتبرة المعقولة فلا حكم له ههنا لأن اعتبار جميع المفاهيم إنما هو إذا لم يكن خارجًا مخرج الأغلب، وههنا هو كذلك لأنهم كانوا يقتلون الأولاد غالبًا خشية الإملاق فخصص الأولاد بالذكر؛ لأن الغالب كان ذلك.
التيمي خص القتل بالأولاد لمعنيين
أحدهما أن قتلهم هذا أكبر من قتل غيرهم وهو المراد وهو أبشع القتل.
وثانيهما أنه قتل وقطيعة رحم فصرف العناية إليه أكثر.
قوله (( لا تأتوا ببهتان ) )البهتان الكذب الذي يبهت سامعه أي يدهشه لفظاعته يقال بهته بهتانًا إذا كذب عليه بما بهته من شدة نكره والافتراء والاختلاق والفرية الكذب.
فإن قلت ما معنى الأطناب حيث قيل فأتوا ووصف البهتان بالافتراء والافتراء والبهتان من باب واحد وزيد عليه بين أيديكم وأرجلكم، وهلا اقتصر على ولا تبهتوا الناس. قلت معناه مزيد التقرير وتصوير بشاعة هذا الفعل.
فإن قلت فما معنى إضافته للأيدي والأرجل. قلت معناه لا تأتوا ببهتان من قبل أنفسكم واليد والرجل كنايتان من الذات لأن معظم الأحوال تقع بهما، وقد يعاقب الرجل بجناية قولية فيقال له هذا بما كسبت يداك، أو معناه لا تنشأوه من ضمائركم لأن المفتري إذا أراد اختلاق قول فإنه يقدره ويقرره أو لا في ضميره ومنشأ ذلك ما بين الأيدي والأرجل من الإنسان وهو القلب والأول كناية عن إلقاء ص 141 البهتان من تلقاء أنفسهم والثاني عن إنشاء البهتان من دخيلة قلوبهم مبينًا على الخنث المبطن.
الخطابي معناه لا تبهتوا الناس بالمعايب كفاحًا ومواجهة، وهذا كما يقول الرجل فعلت هذا بين يديك أي بحضرتك.
التيمي هذا غير صواب من حيث أن العرب وإن قالت فعلته بين أيدي القوم أي بحضرتهم لم تقله فعلته بين أرجلهم ولا ينقل منهم هذا البتة.
وأقول هو صواب إذ ليس المذكور الأرجل فقط بل المراد الأيدي وذكر الأرجل تأكيدًا له وتابعًا لذلك، والمخطئ مخطئ والله أعلم وهو كناية عن الوقاحة وخرق جلباب الحياء كما هو دأب السفلة من الناس، ولذلك قيل هو أشد البهت.
وحاصل هذا هو النهي عن قذف أهل الإحصان ويدخل فيه الكذب على الناس والاغتياب لهم ورميهم بالعظائم وكل.
قوله (( في معروف ) )أي حسن وهو ما لم ينه الشارع عنه أو مشهور أي ما عرف فعله من الشرع واشتهر منه.
القاضي البيضاوي ما عرف من الشارع حسنه، وقال الزجاج أي المأمور به، وقيل أي الطاعة، وقال في (( النهاية ) )هو اسم جامع لكل ما عرف في طاعة الله والإحسان إلى الناس وكل ما ندب إليه الشرع ونهى من المحسنات والمقبحات.
النووي يحتمل في معنى الحديث ولا تعصوني ولا أحدًا ولي عليكم من أتباعي إذا أمرتم بالمعروف فيكون التقييد بالمعروف عائدًا إلى الأتباع، ولهذا قال ولا تعصوا، ولم يقل تعصوني.
ويحتمل أنه صلى الله عليه وسلم أراد نفسه فقط، وقيد بالمعروف تطييبًا لنفوسهم؛ لأنه صلى الله عليه وسلم لا يأمر إلا بالمعروف.
الكشاف في آية المبايعات. فإن قلت لو اقتصر على قوله لا يعصينك، فقد علم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يأمر إلا بالمعروف. قلت نبه بذلك على أن طاعة المخلوق في معصية الخالق جديرة بغاية التوقي والاجتناب.
واعلم أنه ذكر الاعتقاديات والعمليات كليهما لكن اكتفى في الاعتقادية بالتوحيد؛ لأنه هو الأصل والأساس.
فإن قلت فلم ما ذكر الإتيان بالواجبات واقتصر على ترك المنهيات. قلت لم يقتصر حيث قال ولا تعصوا في معروف إذ العصيان مخالفة الأمر أو اقتصر لأن هذه المبايعة كانت في أوائل البعثة ولم تتشرع الأفعال بعد.
فإن قلت لم قدم ترك المنهيات على فعل المأمورات. قلت لأن التخلي عن الرذائل مقدم على التحلي بالفضائل.
فإن قلت فلم ترك سائر المنهيات ولم يقل مثلًا ولا تقربوا مال اليتيم وغير ذلك قلت إما لأنه في ذلك الوقت لم يكن أو اكتفى بالبعض ليقاس الباقي عليه أو لزيادة الاهتمام بالمذكورات.
قوله (( فمن وفى ) )أي ثبت على ما بايع عليه يقال بتخفيف الفاء وتشديدها. قوله (( فأجره على الله ) )كلام على سبيل التفخيم نحو قوله تعالى {فقد وقع أجره على الله} .
فإن قلت لفظ الأجر مشعر بأن الثواب إنما هو مستحق كما هو مذهب المعتزلة لا مجرد فصل كما هو مذهبنا أعني معاشر أهل السنة، وكذا لفظ على الله ظاهر في وجوب الأجر والثواب على الله كما هو معتقد أهل الاعتزال. قلت إطلاق الأجر لأنه مشابه للأجر صورة لقرينة عليه ونحوه، ولفظ على إنما هو للمبالغة في تحقق وقوعه كالواجبات.
ومحصله أن اللفظين محمولان على خلاف الظاهر لأن الدلائل العقلية والنصوص الشرعية دالة على أنه فضل وعلى ص 142 أنه غير واجب على الله تعالى وآخر الحديث يدل عليه أيضا إذ قوله فهو إلى الله إشارة إلى أنه لا يجب عليه عقاب عاص وإذا لم يجب عليه هذا لا يجب عليه ثواب مطيع أيضًا إذ لا قائل بالفصل.
قوله (( فهو ) )أي فالعقاب أي الحد كفارة له أي سقط عنه الإثم حتى لا يعاقب في الآخرة ذهب أكثر العلماء إلى أن الحدود كفارات استدلالًا بهذا الحديث، ومنهم من توقف لما روى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا أدري الحدود كفارة أم لا.
والجواب أن حديث أبي هريرة قد يكون قبل حديث عبادة فلم يعلم ثم علم بعد ذلك قاله النووي في شرح مسلم.
قوله (( فهو إلى الله ) )أي حكمه من الأجر والعقاب مفوض إلى الله. واعلم أن مذهب أهل السنة أن من ارتكب كبيرة ومات قبل التوبة إن شاء الله عفا عنه ويدخل الجنة أول مرة، وإن شاء عذبه في النار ثم يدخل الجنة.
وقالت المعتزلة صاحب الكبيرة إذا مات بغير توبة لا يعفى عنه ويخلد في النار، وهذا دليل عليهم لأنهم يوجبون العقاب على الكبائر قبل التوبة والعفو عنها بعدها.
الطيبي وفيه أيضًا إشارة إلى أنه لا تجوز الشهادة بالجنة ولا بالنار لأحد بعينه إلا من ورد فيه النص كالعشرة المبشرة وغيرهم.
ووجه مطابقة حديث عبادة الترجمة التنبيه على المعنى الذي استحق الأنصار به هذه المنزلة وهو ما لهم من السقف إلى الإسلام بالمبايعة.