فيه أن يعلى قال لعمر أرني رسول الله صلى الله عليه وسلم حين يوحى إليه، الحديث.
هذا الحديث أسنده (خ) في أواخر الحج في باب إذا أحرم جاهلًا وفي فضائل القرآن، وفي المغازي، وأخرجه (م) بألفاظ.
وكان هذا بالجعرانة كما ثبت هنا، وفي غيره في منصرفه عليه السلام في غزوة حنين، وفي ذلك الموضع قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم غنائمها، وذلك سنة ثمان كما ذكره ابن حزم وغيره، وهما موضعان متقاربان، وهذا الرجل كان يعرف أمر الحج وظن أن العمرة ليست هو؛ فلذلك سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك وأجابه، ولا يحال إلا على معلوم، والمراد من اجتناب المنهيات وإلا فقد أمره بنزع الجبة وغسل الطيب.
وهذا الرجل يجوز أن يكون عمرو بن سواد؛ إذ في كتاب (( الشفا ) )للقاضي عياض عنه قال أتيت وأنا متخلق للنبي صلى الله عليه وسلم فقال (( ورس ورس حط حط ) )وغشبني بقضيب في يده في بطني فأوجعني، الحديث.
لكن عمرو هذا لا يدرك ذا؛ فإنه صاحب ابن وهب. [1]
اعترض الإسماعيلي فقال شرط أبو عبد الله في الباب غسل الخلوق من الثياب، وليس في الخبر أن الخلوق كان على الثوب، وإنما الرجل متضمخ بطيب، قوله عليه السلام (( اغسل الطيب الذي بك ) )، يبين أنه لم يكن في ثوبه وإنما كان على يديه، ولو كان على الجبة لكان في نزعها كفاية من جهة الإحرام.
وعادة (خ) أن يبوب لما في أطراف الحديث وإن لم يخرجه.
و (( الخلوق ) )بفتح الخاء والخلاق واحد.
والجعرانة بتشديد الراء على قول الأكثرين.
قال البكري يقوله العراقيون، والحجازيون يخففون، وكذلك الحديبية، وقال الأصمعي والخطابي مخففة وهي ماء بين الطائف ومكة، وهي إلى مكة أدنى.
وقال ياقوت هذه غير الجعرانة التي بأرض العراق، نزله المسلمون لقتال الفرس، قاله سيف ابن عمر.
قال يوسف بن ماهك اعتمر بها ثلاثمائة نبي.
و (( يعلى ) )هو ابن أمية، ويعرف بابن منية، وهي أمه، وقيل جدته، ونظره إلى مشاهدة الوحي تقوية لإيمانه، ولعلمه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يكره ذلك.
والغطيط ص 1561 صوت النائم فمعنى (( يغط ) )ينفخ، كما قال في حديث آخر (( له غطيط أو خطيط ) )، وكان ربما أخذه عند الوحي غشية فيضطجع لها، قاله ابن التين.
و (( سري عنه ) )بضم أوله وكسر الراء المشددة؛ أي كشف ما به وأزيل.
وفيه أنه عليه السلام كان يحكم بالوحي ولا شك فيه، واستدل به من قال إنما يحكم بالوحي لا بالاجتهاد، وقد يجاب بأنه لعله لم يظهر له بالاجتهاد، أو أن الوحي يقرره.
واختلف في استعمال الطيب عند الإحرام واستدامته بعده، فكرهه قوم، ومنعه منهم مالك ومحمد بن الحسن، وسبقهما عمر وعثمان وابن عمر وغيرهم، وخالفهم في ذلك آخرون فأجازوه منهم أبو حنيفة والشافعي؛ تمسكًا بحديث عائشة طيبت رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي لحرمه حين أحرم، ولحله حين أحل قبل أن يطوف بالبيت، ولمسلم بذريرة في حجة الوداع، وطيبته بمنى قبل أن يفيض، وعنها (( كأني أنظر إلى وبيص المسك في مفرق رسول الله وهو محرم ) )وسيأتي، والوبيص بالصاد المهملة البريق واللمعان.
قالا وحديث يعلى إنما أمره بغسل ما عليه؛ لأن ذلك الطيب كان زعفرانًا، وقد نهي الرجال عن التزعفر مطلقًا، وهذا التأويل يأباه مساق الحديث.
وتأول المخالفون حديث عائشة بتأويلات
أقربها أن ذلك الوبيص الذي أبصرته، إنما كان بقايا دهن ذلك الطيب تعذر قلعه فبقي بعد أن غسل، والتقدير فيطوف على نسائه فينضح طيبًا، ثم يصبح محرمًا لقوله {أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا* قيمًا} [الكهف1 _ 2] أي أنزله قويمًا ولم يجعل له عوجًا.
2 أن ذلك كان من خواصه؛ لأن المحرم إنما منع من الطيب؛ لئلا يدعوه إلى الجماع، والشارع معصوم، وفيه بعد.
3 أنه مما لا تبقى رائحته بعد الإحرام.
قال ابن جريج بشأن صاحب الجبة كان قبل حجة الوداع، والآخر فالآخر من أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أحق أن يتبع.
قوله (( ثلاث مرات ) )وفي (د) (( ويغتسل مرتين أو ثلاثًا ) )إنما أمره بها للمبالغة في الإزالة، ولعل الطيب الذي كان عليه كان كثيرًا؛ يؤيده قوله (( متضمخًا ) ).
قال ابن التين ويحتمل أنه كان استعمله بعد الإحرام فأمره بإزالته، أو أنه تطيب ثم اغتسل كما في حديث عائشة طيبته عند إحرامه، ثم (( دار على نسائه، ثم أصبح محرمًا ) )، فظاهره إنما تطيب للمباشرة ثم زال بالغسل، ويكون قولها (( ثم أصبح ينضخ طيبًا ) )قبل غسله، وأسلفنا أنه كان ذريرة، وهو مما يذهبه الغسل، ووبيص الطيب أثره لا جرمه.
وقال القاضي يحتمل الثلاث على قوله (( فاغسله ) )فكأنه قال اغسله اغسله اغسله، يدل على صحته ما روي من عادته صلى الله عليه وسلم في كلامه أنه كان إذا تكلم بكلمة أعادها ثلاثًا.
ولم يأمره عليه السلام في هذا الحديث بالفدية، فأخذ به الشافعي وعطاء والثوري وإسحاق وداود وأحمد في إحدى روايتيه وقالوا إن من لبس في إحرامه ما ليس له لبسه جاهلًا فلا فدية عليه، والناسي في معناه.
وقال أبو حنيفة والمزني في رواية عنه يلزمه إذا غطى رأسه ووجهه متعمدًا أو ناسيًا يومًا إلى الليل، فإن كان أقل من ذلك فعليه صدقة يتصدق بها.
وعن مالك يلزمه إذا انتفع بذلك أو طال لبسه عليه.
قوله (( واصنع في عمرتك كما تصنع في حجك ) )معناه اجتنب فيها كل ما تجتنب فيه كما، ألا ترى قول عمر ما أمرهما إلا واحد يعني في الإحرام والحرمة، وكذلك كل ما يستحسن من الدعاء والتلبية في الحج فهو مستحب فيها.
قوله (( قلت لعطاء أراد الإنقاء؟ قال نعم ) )قال ابن التين أراد به بعض الإنقاء؛ لأن الثلاث لا تكاد تنقي كل الإنقاء.
قال ص 1562 المهلب فيه أن السنن قد تكون بوحي، كما كان غسل الطيب في هذا الحديث بالوحي. قال ابن بطال ولم يقل أحد إنه فرض.
وفيه وجوب التثبت للعالم فيما يسأل عنه، وإن لم يعرفه سأل من فوقه، كما فعل عليه السلام.
وفيه المبالغة في الإنقاء من الطيب.
وفيه أن غسل الطيب عند الإحرام ينبغي أن يبالغ في إزالته، ألا ترى أنه أمره بغسله ثلاثًا؟
قال والدي رحمه الله تعالى
قوله (( يخرج ) )أي من المدينة (( من طريق الشجرة ) )التي عند مسجد ذي الحليفة (( ويدخل ) )المدينة (( من طريق المعرس ) )وهو أسفل من مسجد ذي الحليفة و (( المعرس ) )بلفظ المفعول من التعريس وهو موضع النزول مطلقًا وقيل النزول آخر الليل.
التيمي يخرج من مكة من طريق الشجرة ويدخل مكة من طريق المعرس عكس ما شرحناه وتمام الحديث لا يساعده.
قوله (( بات ) )أي بذي الحليفة (( حتى يصبح ) )ثم توجه إلى المدينة وذلك لئلا يفجأ الناس أهاليهم ليلًا.
قوله (( العقيق ) )بفتح المهملة وكسر القاف الأولى واد اندفق ماؤه في غور تهامة، وهو ميقات العراقي أو قريب منها.
الجوهري العقيق واد بظاهر المدينة وكان مسيل شقه ماء السيل.
و (( مبارك ) )بلفظ النكرة وفي بعضها بلفظ المعرفة والإضافة؛ أي وادي الموضع المبارك.
قوله (( صل ) )ظاهره أن هذه الصلاة سنة الإحرام.
قوله (( رأى ) )بلفظ الماضي المعروف من الرؤية، وفي بعضها (( ورؤي ) )بلفظ المجهول من الإراءة مقلوبًا وغير مقلوب.
و (( يتوخى ) )أي يتحرى ويقصد و (( المناخ ) )بضم الميم المبرك، ولفظ (( أسفل ) )يجوز بالرفع وبالنصب هو الرواية.
قوله (( بينه ) )أي بين المعرس وفي بعضها (( بينهم ) )أي بين المعرسين. فإن قلت ما إعرابه؟ قلت (( أسفل ) )خبر أول للمبتدأ و (( بينه وبين الطريق ) )خبر ثان, و (( وسط ) )خبر ثالث أو بدل.
فإن قلت ما فائدة الثالث وهو معلوم من الثاني؟ قلت بيان أنه في حاق الوسط لا قرب له إلى أحد الجانبين كما هو المشهور من الفرق بين الوسط بتحريك السين، والوسط بسكونها.
فإن قلت ما وجه تعلق هذا الحديث بالترجمة وقد قيل العقيق بقرب مكة؟ قلت لعل الوادي ممتد من هنا إلى ثمة أو هما عقيقان أو بالمراد بالعقيق ما قاله الجوهري في (( صحاحه ) ).
قوله (( باب غسل الخلوق ) )بفتح المعجمة وضم اللام المخففة وبالقاف ضرب من الطيب يعمل فيه زعفران.
قوله (( متضمخ ) )بالضاد والخاء المعجمتين، يقال تضمخ بالطيب إذا تلطخ به وتلوث به.
ولفظ (( أظل ) )مبني لما لم يسم فاعله؛ أي جعل له كالظلة يستظل به و (( يغط ) )بكسر الغين من الغطيط وهو صوت معه بحوحة وهو كغطيط النائم؛ أي نخيره وصوته الذي يردده في حلقه ومع نفسه وسبب ذلك شدة الوحي وهوله, قال تعالى {إنا سنلقي عليك قولًا ثقيلًا} [المزمل5] .
قوله (( سري ) )أي كشف عنه ما يغشاه، روي بتخفيف الراء المكسورة وتشديدها والرواية بالتشديد أكثر، ومعناه أنه كشف عنه شيء بعد شيء بالتدريج.
قال النووي وفيه تحريم الطيب على المحرم ابتداء ودوامًا؛ لأنه إذا حرم دوامًا فالابتداء أولى بالتحريم، وأن من أصابه في إحرامه طيب ناسيًا أو جاهلًا لا كفارة عليه، وكذا إن كان عليه مخيط ينزعه بدون الكفارة؛ لأنه صلى الله عليه وسلم لم يلزمه الدم، وقال الشعبي لا يجوز نزعه لئلا يصير مغطيًا رأسه بل يلزمه الشق.
وفيه أن العمرة كالحج في وجوب اجتناب المحرمات ويحتمل أنه صلى الله عليه وسلم أراد مع ذلك الطواف والسعي والحلق بصفاتها وعوارضها ويخص منها ما يختص بالحج كالوقوف بعرفة، والحديث ص 1563 ظاهر في أن السائل كان عالمًا بصفة الحج دون العمرة.
وفيه أن المفتي إذا لم يعلم حكم المسألة أمسك عن جوابها حتى يعلمه.
وفيه أن من الأحكام التي ليست في القرآن ما هو بوحي لا يتلى.
الزركشي
(( وقل عمرةً في حجة ) )الوجه الرفع، ويجوز النصب على حكاية اللفظ؛ أي قل جعلتها عمرة.
(( وسط من ذلك ) )بفتح السين؛ أي متوسطة بين بطن الوادي وبين الطريق.
(( الخلوق ) )بفتح الخاء نوع من الطيب مركب يتخذ من الزعفران وغيره، وتغلب عليه الحمرة والصفرة.
(( ثم سري عنه ) )بسين وراء مشددة؛ أي كشف عنه شيئًا فشيئًا، وروي بتخفيف الراء؛ أي كشف عنه ما يتغشاه من ثقل الوحي، يقال سررت الثوب وسريته نزعته.
(( واصنع في عمرتك كما تصنع في حجك ) )كذا في أكثر الروايات غير مبين، وقد تخبط فيه كثيرون، والذي يوضحه رواية [2] أنه صلى الله عليه وسلم قال (( ما كنت صانعًا في حجك؟ ) )قال أنزع عني هذه الثياب، وأغسل عني الخلوق، فقال له صلى الله عليه وسلم (( ما كنت صانعًا في حجك فاصنعه في عمرتك ) )، وهذا سياق حسن، حاصله أن الرجل كان يعرف أن المحرم بالحج يجتنب الطيب والمخيط، وظن أن حكم العمرة يخالفه، ففعل، ثم ارتاب فسأل فأجيب بذلك.
[1] في هامش المخطوط (( أقول قيل إن صاحب القصة اسمه سواد بن عمرو لا عمرو بن سواد، فينظر من (( الشفا ) )فيما ذكره ابن الملقن نظر )) .
[2] هنا بياض في الأصل.