فيه حديث سفيان قال حفظناه من عمروص 4712، عن طاوس، عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال (( احتج آدم وموسى ... الحديث ) ).
رواه مالك، عن أبي الزناد، به بزيادة (( اصطفاك الله برسالته ) )وليس فيه (( وخط لك بيده ) )، وليس فيه (( بأربعين سنة ) )، ولا (( أنت أبونا ) ). ففيه دليل على سابق العلم، ويحتمل قوله (( قدره الله علي قبل أن يخلقني ) )بكذا أن يكون ذلك قوله تعالى للملائكة {إني جاعل في الأرض خليفة} [البقرة 30] ، وذلك مقدر عليه في الأزلوقول موسى (( يا آدم ) ). وهو أبوه؛ لشدة غضبه، وكان شديد الغضب، يكاد شعره يخرج من ثوبين عند الغضب، والخيبة الحرمان والخسران، وقد خاب، يخيب، يخوب. وقوله (( وخط لك بيده ) )يعني التوراة، وهذا لا يوصف إلا بما في النص، لا يزاد عليه (بحاسة) ، ولا غيرها.
وقوله (( فحج آدم موسى ) )أتى عليه بالحجة. قال الداودي وإنما تحاجا في الخروج من الجنة، فقامت حجة آدم أن الله خلقه ليجعله في الأرض خليفة، ولم يحتج آدم في نفي الذنب عن نفسه؛ لأنه لا يقوم له سابق العلم حجة، أنه كان أكله من الشجرة اختيارا. وجدالهما هذا يحتمل أن يكون بين روحيهما بعد موت موسى، أو يكون ذلك يوم القيامة. وقال ابن بطال معنى احتج آدم وموسى التقت أرواحهما في السماء، فوقع هذا الحجاج بينهما، وقد جاءت الرواية بذلك.
روى الطبري، بسنده عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( إن موسى قال يا رب، أبونا آدم الذي أخرجنا، ونفسه من الجنة، فأراه الله آدم وقال له أنت آدم؟ قال نعم، قال أنت الذي نفخ الله فيك من روحه، وعلمك الأسماء كلها، وأمر ملائكته فسجدوا لك، فما حملك أن أخرجتنا، ونفسك من الجنة؟ قال ومن أنت؟ قال أنا موسى، قال أنت نبي بني إسرائيل الذي كلمك الله من وراء حجاب، ولم يجعل بينك وبينه رسولا من خلقه؟ قال نعم، قال أفما وجدت في كتاب الله أن ذلك كائن قبل الخلق؟ قال نعم ) ). وذكر الحديث.
قال الليث بن سعد وإنما صحت الحجة في هذه القصة لآدم على موسى؛ من أجل أن الله قد غفر لآدم، وتاب عليه، فلم يكن لموسى أن يعيره بما قد غفرها الله له، ولذلك قال له آدم أنت موسى الذي آتاك الله التوارة، وفيها علم كل شيء، فوجدت فيها أن الله قد قدر علي المعصية، وقدر علي التوبة منها، وأسقط بذلك اللوم عني، أفتلومني أنت، والله لا يلومني؟! وبمثل هذا احتج ابن عمر على الذي قال له إن عثمان فر يوم أحد. فقال ابن عمر ما على عثمان ذنب؛ لأن الله قد عفى عنه بقوله {ولقد عفا الله عنهم} [آل عمران 155] ، وأما من عمل الخطايا، ولم تأته المغفرة، فإن العلماء مجمعون أنه لا يجوز له أن يحتج بمثل حجة آدم، فيقول أتلومني على أن قتلت أو زنيت أو سرقت، وقد قدر الله علي ذلك، والأمة مجمعة على جواز حمد المحسن على إحسانه، ولوم المسيء على إساءته، وتعديد ذنوبه عليه،
حديث أبي هريرة حجة لما يقوله أهل السنة رضي الله عنهم التي أهبط الله فيها أبانا آدم هي جنة الخلد، ورد قول من زعم أنها لم تكن جنة خلد، قالوا وإنما كانت جنة بأرض عدن، واحتجوا على بدعتهم، فقالوا إن الله خلقها لا لغو فيها ولا تأثيم، وقد لغى فيها إبليس حين كذب لآدم، وأثم في الكذب، وإنه لا يسمع أهلها لغوا ولا كذابا، وإنه لا يخرج منها أهلها، وقد أخرج منها آدم وحواء بما وقع منهما. قالوا وكيف يجوز على آدم مع مكانه من الله وكمال (عقله) أن يطلب شجرة الخلد وهو في دار الخلود والملك الذي لا يبلى؟ وأيضا فإن جنة الخلد دار القدس، قدست عن الخطايا والمعاصي كلها؛ تطهيرا لها.
فيقال لهم الدليل على إبطال قولكم قول موسى لآدم (( أنت الذي أشقيت ذريتك وأخرجتهم من الجنة ) )فأدخل الألف واللام؛ ليدل على أنها الجنة المعروفة، وجنة الخلد الموعود بها، التي لا عوض منها في الدنيا، فلم ينكر ذلك آدم من قوله، ولو كانت غير جنة الخلد لرد آدم على موسى، وقال إني أخرجتهم من دار فناء وشقاء وزوال وعري إلى مثلها. فلما سكت آدم على ما قرره موسى صح أن الدار التي أخرجهم منها بخلاف الدار التي أخرجوا إليها في جميع الأحوال، ويقال لهم فيما احتجوا به إن الله خلق الجنة لا لغوص 4713 فيها، ولا تأثيم، ولا كذب، ولا يخرج منها أهلها. هذا كله مما (جعله) الله فيها بعد دخول أهلها فيها يوم القيامة، وقد أخبر تعالى أن آدم إن عصاه فيما نهاه عنه أخرجه منها، ولا تمتنع أن تكون دار الخلد في وقت لمن أراد تخليده فيها، وقد يخرج منها من قضى عليه بالفناء، وأجمع أهل التأويل على أن الملائكة يدخلون الجنة على أهلها، ويخرجوا منها، وأنها كانت بيد إبليس مفاتيحها، ثم انتزعت منه بعد المعصية، وقد دخلها رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الإسراء، ثم خرج منها، وأخبر بما رأى فيها، وأنها هي جنة الخلد حقا. وقولهم كيف يجوز على آدم في كمال عقله أن يطلب شجرة الخلد وهو في دار الخلد؟ فيعكس عليهم، ويقال لهم كيف يجوز على آدم في كمال عقله أن يطلب شجرة الخلد في دار الفناء؟ هذا لا يجوز على من له أدنى مسكة من عقل.
وأما (قولهم) إن الجنة دار القدس، قد طهرها الله من الخطايا. فهو جهل منهم، وذلك أن الله تعالى أمر بني إسرائيل أن يدخلوا الأرض المقدسة وهي بالشام، وأجمع أهل العلم بالشرائع على أن الله تعالى قدسها، وقد شاهدوا فيها المعاصي، والكفر، والكذب، ولم يكن تقدسيها بما يمنع فيها المعاصي، فكذلك دار القدس، وأهل السنة مجمعون على أن جنة الخلد هي التي أهبط منها آدم، فلا معنى لقول من خالفهم.